الرئيسية » مقالات » تداعيات الحل العسكري وضرورة تزامنه مع الحل السياسي

تداعيات الحل العسكري وضرورة تزامنه مع الحل السياسي

المعاناة التي تلازم حياة العراقيين جعلتهم يبحثون عن أي ملاذ يخلصهم مما هم عليه من عذاب فمن الهجرة الداخلية إلى مناطق كردستان والهجرة القسرية بسبب العنف الطائفي من محافظة إلى أخرى وإلى الهجرة خارج حدود العراق وغيرها من السبل التي تحميهم وعوائلهم من هذا المصاب ، وقد أشير في أكثر من مكان ومصدر حول الكم الهائل من الهجرة التي اعتبروها توازي هجرة الشعب الفلسطيني في التاريخ العربي المعاصر أو أكثر.. بمن يستغيث المواطنون ؟ والى أية جهة وأي سلطة يتوجهون؟ من يسمع وإذا سمع فمن يجيب عن هذه التفجيرات المتواصلة وكأنها مزروعة في كل مكان ؟ في الشوارع العامة والأزقة والمحلات والأسواق وأماكن العبادة وفي الطرقات الداخلية والخارجية ،في المدن والاقضية والنواحي . هذه العقدة الأساسية التي يجب حلها في قضية استتباب الأمن وتخليص المواطنين من مأساة الظروف الراهنة وتداعياتها المستمرة نحو الأسوأ.. أما الأسئلة التي تطرح مع بدايات تنفيذ الخطة الأمنية وفي مقدمتها :

ـــ هل الحل العسكري يستطيع وحده أن ينهي العنف والعنف المضاد ؟

ـــ وهل هناك في هذا الصدد إمكانية للقضاء على الإرهاب السلفي والأصولي ومخططات البعثصدامي وفرق الموت المندسة في الشرطة العراقية ؟

ـــ وهل نجاح الخطة الأمنية يعتمد فقط على الحل العسكري دون حل سياسي ؟

ـــ وكيف يمكن أن يكون الحل بدون مساعدة الجماهير وقناعتها بالقوى السياسية التي تقود العملية السياسية ؟

ـــ وهل كان بالامكان تحييد قوى أخرى وزرع الثقة لتعاونها وتفهمها بان الهدف الرئيسي هو خدمة الوحدة الوطنية ؟

ـــ وكيف تفكر الحكومة في الحلول التي تعيد المهجرين والمهاجرين إلى أماكنهم وتعويضهم عن الأضرار التي أصابتهم وإعادة الثقة بأن ما حصل لهم لن يتكرر؟

الأجوبة الموضوعية لهذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة تدل على أن الحل العسكري وحده الموما إليه لن يكفي ولن يستطيع لوحده في استتباب الأمن والنظام وحماية المواطنين وتأمين وضعهم المعاشي ومستلزمات حياتهم الطبيعية، ولهذا نعتقد أن الحل السياسي بجانب الحل العسكري سيكون عاملاً أساسيا في إيجاد السبل لتحقيق الاستقرار والسير في البناء، وهو استكمال نوعي لنجاح الحل العسكري ونجاح الخطة الأمنية وبما أننا لا نعرف ما هي الخطط التي وضعتها الحكومة في هذا الصدد فنحن نأمل أن ذلك لم يغب عن بالها وعن معرفتها للحقيقة التي نحن بصددها.

إن كل عاقل ومتتبع للأوضاع في العراق يعرف بالسليقة أن ألازمة الحالية هي أزمة سياسية من إنتاج السياسة الأمريكية منذ بداية الاحتلال والتي حاولت تقسيم العراق بشكل طائفي وعلى مبدأ ” فرق تسد ” السيئ الصيت وشكلت مجلس الحكم على النحو المعروف بدون أن تدرك مخاطر هذه السياسة وما سيترتب عليها من تداعيات سلبية في المستقبل ودون أن تفهم فسيفساء مكونات الشعب وساعدها في تعميق الأزمة ووصولها إلى درجات خطيرة تحيق بالبلاد قوى الإرهاب والنهج الطائفي التي انتهجته بعض الأحزاب السياسية الدينية من منطلق المحاصصة الطائفية والحزبية والكسب الذاتي الأناني التي دفعت البلاد إلى حافة الحرب الأهلية إضافة إلى مواقفها العدائية للقوى الوطنية الديمقراطية التي أكدت من خلال برامجها ضرورة فصل الدين عن الدولة وتحقيق المشروع الوطني الذي يدفعها نحو الاستقرار والأمن .

إن المشروع الوطني الذي جابهته بعض القوى بالرفض والمؤامرة ومحاولة افشاله كان ومازال العنصر الأكثر أهمية لإنقاذ البلاد وجعلها بعيدة عن دوامة العنف الطائفي ولو نسبياً وبناء الدولة ومؤسساتها المختلفة على أسس وطنية ديمقراطية ويساعدها على التخلص من الجيوش الأجنبية وعودة إلى الاستقلال الوطني التام بتحقيق الوحدة الوطنية بين مكونات الشعب المختلفة.

إن نهج الحل العسكري الذي يستحوذ على عقول البعض من داخل العملية السياسية إنما هو حل أُحادي الجانب له تداعياته السلبية ولن يستطيع توفير المستلزمات المادية والموضوعية والروحية للتخلص من الإرهاب والبعثصدامي والمليشيات والعصابات المنظمة ومن الفساد المالي والإداري وحتى لو افترضنا أنه يساعد بعض الشيء لكن المساعدة هذه ستكون وقتية ولن تستمر إلى النهاية وسرعان ما سيعاود الإرهاب والمليشيات المسلحة والعنف المسلح رفع رأسهم من جديد وربما يستفيدوا من تجربة الخطة الأمنية والأخطاء التي رافقتها ، ومن اجل أن تنجح الخطة الأمنية يتطلب إلى جانب هذا الحل حلُ آخر هو الحل السياسي الشامل بدون أية استثناءات وأغراض تضر المصلحة الوطنية ووحدة البلاد ما عدى من تلطخت أيديهم بالجريمة ودماء الأبرياء أو أولئك الذين يصرون على سلوك العنف والتطرف وتدمير الإنسان العراقي تحت أية ذريعة كانت .

إن الحل السياسي الصحيح من وجهة نظرنا لن يكون وقتياً وهو كابح لأي عمل متطرف يخرج عن الإجماع الوطني ولهذا الحل أسس وطنية واضحة في مقدمتها الانتقال من النظرة الطائفية في قيادة البلاد واستبدالها بنظرية المواطنة الخالصة والابتعاد عن التأثيرات الإقليمية ورفض تدخلها في شؤونها الداخلية ودعم عقد المؤتمر الدولي والإقليمي والالتزام بمقرراتهما فضلاً عن الاتفاق بين القوى العراقية على الاستمرار في سياسة المصالحة الوطنية على أسس ثابتة وواضحة وقد لا نستغرب عندما نراجع تجارب الشعوب التي ناضلت من اجل حريتها واستقلال بلدنها فنجدها قد استخدمت مختلف أساليب النضال بما فيها الحل السياسي ، لا بل كان الأخير هو الأهم والأحسن في الكثير من الحالات وتزامن مع الحل العسكري أيضاً

والتجارب التي مرت بها الشعوب خير برهان فبينما كان الحل العسكري مثلاً مستمراً كانت المحاولات متزامنة مع الحل السياسي بالمفاوضات ووفق الظروف الملازمة حينذاك . وعلى الرغم من تغير الظروف وموازين القوى في العالم فان الحلول السياسية ستبقى سيدة الموقف ، أما الحل العسكري فسوف يظل ناقصاً ولا يمكن لوحده أن يكون حاسماً أو باستطاعته حل المعضلات التي تجابه المجتمع وها هو احتلال العراق عسكرياً وبدلاً من الحرية والديمقراطية المزعومة فأننا نرى الأسوأ في مجال استتباب الأمن والنظام وحل مشاكل الجماهير الكادحة المتراكمة يوماً بعد آخر مما يؤكد أن الحل السياسي الذي كان من الضروري التوقف عنده وعدم القفز عليه كان بالامكان أن يساهم في وصول السفينة شاطئ الأمان .