الرئيسية » مقالات » يوميات ايرانية-25 -المحكمة العسكرية

يوميات ايرانية-25 -المحكمة العسكرية

في بداية صيف عام 1965، تم الشروع بإجراءات المحكمة العسكرية. في الايام الاولى سمح لنا سوية بالاطلاع على ملفات التحقيق ووثيقة الاتهام الموجهة ضدنا من قبل الادعاء العام العسكري، وعلى الرغم من اننا لم نكن جميعاً في عداد السلك العسكري. ولكن في عهد الشاه كان جميع من يتم محاكمتهم من معارضي الحكم او المتهمين بتهم سياسية فهم يمثلون امام محاكم عسكرية وليست مدنية، كي يتلقى المتهمون اشد الاحكام واقساها. لم يكن الملف الخاص بنا جميعاً كبيراً، ولم يحتوي الا على اوراق التحقيق التي دونت عند القبض علينا من قبل استخبارات الشرطة الايرانية، اضافة الى اوراق التحقيق التي دونت في باغ مهران من قبل ضباط المخابرات الايرانية “الساواك”. ولم يحتوي الملف على ادلة ووثائق “خطيرة” لتوجيه الادانة ضدنا بإستثناء ثبوت تهم عبور الحدود ضد بعضنا، وتحديداً كاظم المالكي ومحمد الحمداني. أما سعيد المسعودي ومحمد حسن عيدان ومحمد علي سيادت فكانوا يحملون جنسيات ايرانية رسمية وغير مزورة، ولذا لم ينطبق عليهم اتهام عبور الحدود بشكل غير رسمي. وثبت على كاتب السطور تهمة حمل جنسية ايرانية مزورة، في حين لم تتحقق تهمة عبور الحدود بشكل غير رسمي. ولم يستطع التحقيق ان يثبت قيام مجموعتنا بنشاط لنشر الافكار الاشتراكية المحظورة في ايران. فلم يعثر لدينا على نشرات او كتب باللغة الفارسية تروج لهذه الافكار سوى بعض الاوراق التي تم العثور عليها لدى بعضنا والتي تلقيناها من العراق وتحوي على اخبار وبعض النشاطات. وعلى الرغم من سعي المحقق لاثبات تهمة التجسس ضدنا، الا انه فشل في ذلك ما عدا ترديد الكليشة المكررة المملة حول تجسس الشيوعيين في كل أنحاء العالم لصالح الاتحاد السوفييتي.
أثناء اطلاعنا على الملف، طل علينا وتعرفنا على المحامي العقيد العسكري المتقاعد شاهقلي، الذي عينتة ادارة الإدعاء العام العسكري، والمفترض ان يكون هو من سيدافع عنا في المحكمة العسكرية. أثار مظهره الضحك لدينا. كان اشبه بالشخصيات الكاريكاتورية في حكايات الكاتب الروسي الرائع انطون تشيخوف، والذي يصور فيها الشخصيات البيروقراطية الروسية. كان كرش “محامينا” يتدلى بقرف على طول قامته المكعبة. ويضع هذا المحامي نظارات سميكة وينظر عبرها نحونا بنظرات بلهاء. كنا نتساءل كيف سيدافع هذا الشخص عن هذه المجموعة التي فلتت من طاحونة البعث في العراق لتقع في فخ الساواك في ايران. سألنا المحامي بعجلة وفضول عن مضمون الدفاع الذي نريده؟؟ لم يكن لدينا جواب على تساؤله، بل وتفحصناه بفضول لمعرفة ما يعني. أجابنا وعلى عجل وبلهجة الواثق من نفسه وقال: هناك شكلان من الدفاع، دفاع يؤدي بكم الى الحكم بالسجن وآخر يوصلكم الى بيوتكم!!. كان حوابه لنا اقرب الى الحزورة والهذيان منه الى الجواب المقنع الشافي. بادرنا و وجهنا له السؤال كيف؟ اجاب بسرعة بأنه سيقدم مطالعة تعبر عن اقراركم بالتهم وندمكم مع قدر من الادانة للشيوعية والشيوعيين، ثم التماسكم من المحكمة وعبرها من الشاه الغفران، وعلينا أن نلتمس الدعاء له ولعائلته بطول العمر والصحة له ولبطانته، كي يعطف عليكم ويغفر لكم ويخرجكم من السجن. ثم استطرد “المدافع ” عنا قائلاً: اما الدفاع الاخر، فهو تفنيد الاتهام ورد مطالعة الادعاء العسكري ومطالبته بالحكم علينا، وعندها سيتم الحكم عليكم. نظر كل واحد منا الى الآخر بحيرة ودهشة. وقررنا بعد كل هذه “المطالعة الغريبة والنصائح” ان نطلب من المحامي التزام السكوت، كي يدع كل واحد منا يتحدث ويدافع عن نفسه. استقبل المحامي كلامنا بسخرية وبلهجة لم تخلو من التهديد والتحذير.
جرت محاكمتنا في المحكمة رقم 3 في مجمع المحاكم العسكرية في وسط مدينة طهران. ولاحظنا عند دخولنا الى مجمع المحاكم حراسة مشددة وعسكريين مدججين بأسلحة متنوعة يقومون بحراسة الاروقة وقاعات المحاكم. عرفنا ان هناك قضيتان اخريتان يتم النظر فيهما، الاولى ملف اغتيال حسن علي منصور رئيس الوزراء الايراني السابق من قبل”جمعية المؤتلفة” الموالية لاية الله الخميني. اما القضية الاخرى التي يجري النظر فيها فهو ملف محاولة اغتيال الشاه في قصره في سعد آباد والمتهمه فيها “المنظمة الثورية لحزب توده ايران” الموالية للصين والمنشقة عن حزب توده ايران. وكان المتهم الرئيسي في هذه القضية المهندس پرويز نيكخواه خريج جامعة مانجستر في بريطانيا، مع عدد من المهندسين من خريجي بريطانيا أيضاً. كان الجو البوليسي على اشده في مجمع المحاكم العسكري، وقد اتخذت اجراءات إستثنائية لمنع اية حركة حول هذا المجمع. دخلت كل مجموعة الى قاعات المحاكم، ودخلنا نحن في القاعة الوسطى رقم 3. لاحظنا ثلاثة من الضباط وهم حالسين على منصة المحكمة مع منصة خاصة للمدعي العام العسكري الذي نظر الينا بنظرات تنم عن التهديد والوعيد. كما حظر الى المحكمة مترجم استدعته رئاسة المحكمة للترجمة من اللغة الفارسية الى العربية وبالعكس. ولم نر اي شخص آخر سوى بضعة أنفار ربما كانوا من طاقم الساواك. افتتح رئيس المحكمة الجلسة ووجه الينا الاتهامات التي نفيناها، ثم طلب من المدعي العام العسكري تقديم مطالعته. كان المدعي العام هو ضياء فرسيو وهو ضابط برتية جنرال رافق كل المحاكمات العسكرية التي حكمت بأشد الاحكام على الوطنيين الايرانيين بعد الانقلاب ضد حكومة مصدق والاطاحة به، ومنهم أعضاء وكوادر حزب توده ايران وبضمنهم اعضاء تنظيم الضباط التابع الحزب. كما ساهم فرسيو في محاكمة انصار الدكتور محمد مصدق وكوادر الجبهة الوطنية الايرانية ووطنيين آخرين. وتصاعد نجم هذا الضابط لقسوته وتشديده على اصدار الاحكام الثقيلة وخدمته للنظام الشاهنشاهي. وتبعاً لذلك إرتقى في مناصبه ليصبح رئيس الجهاز القضائي العسكري الايراني الذي قام بالاشراف على كل المحاكمات اللاحقة التي طالت المعارضين الايرانيين. وفي أوج التمتع بمنصبه والتجبر به، تعرض فرسيو الى الاغتيال على يد مسلحين ينتمون الى منظمة فدائيي الشعب الايراني اليسارية في السابع من نيسان عام 1971، ولقي حتفه جراء ما ارتكبه من انتهاكات وشرور ضد خيرة ابناء الشعب الايراني. وقف فرسيو في المحكمة وتعالى صوته وبدأ هجومه على فريقنا وكال الاتهام تلو الاتهام، مستخدماً سيل من الشتائم والاساءة والاهانات. كانت اولى هذه الاتهامات هي تهمة التجسس لحساب الاتحاد السوفييتي، اضافة الى اتهام فوجئنا به وهي العمالة لمخابرات عبد الناصر، في مسعى من المدعي العام لتشديد الحكم رغم عدم وجود ادنى دليل لاتهامنا بالتجسس. واستطرد هذا المدعي مطالعته ليعرج على تهمة الترويج للاشتراكية، ثم العمل على تقويض النظام الشاهنشاهي بإعتبار ان الشيوعيين في كل انحاء العالم يقفون بالضد من الانظمة الملكية، واعطى مثلاً على ذلك في مصير الملكية في العراق. بعد قراءة المطالعة طلب رئيس المحكمة تأجيل الجلسة الى موعد آخر.
عادت بنا سيارة نقل السجناء من جديد الى سجن قصر، ونحن في حالة من التساؤل والدهشة حول الاتهامات وحجمها. وصلنا السجن واستقبلنا السجناء كعادتهم بالسؤال عن مجريات المحكمة وتفاصيلها. روينا لهم ما جرى وضحك الجميع من هذه التفاصيل المملة، حيث تبين ان اتهامات مماثلة قد وجهت الى جميع السياسيين بدون استثناء مع الفارق في التفاصيل. وراح كل سجين يلطف الاجواء ويهون علينا من تلك الاتهمات التي يفبركها كالعادة المدعي العام العسكري. ورحنا نهيئ اجوبتنا ومطالعاتنا ونناقش ما قدمه المدعي العام من اتهامات مستعينين ببعض السجناء وخبرتهم، علماً منا ان كل هذا الجهد هو من باب ضياع الوقت. بعد ايام نودي علينا من جديد وذهبنا الى المحكمة لنعاود متابعة اجراءاتها الشكلية. فالحكم كان معد سلفاً من الجهات الامنية العليا ولا علاقة لها بأي اجراء قضائي منصف شأنهم في ذلك شأن كل الانظمة الاستبداية في المنطقة التي ابتليت بهذا النهج المدمر. في الجلسة الثانية بدأ رئيس المحكمة توجيه الاسئلة لنا الواحد تلو الآخر، واشار الجميع الى تعرضهم الى التعذيب الهمجي في أقبية الشرطة الايرانية، ومنعهم من الاتصال بالاهل او توكيل محام لهم من اي بلد عربي. واستنكر الجميع في معرض جوابهم على اسئلة رئيس المحكمة عن لا شرعية تقديمهم الى المحاكمة، وخاصة العسكرية لانهم لجأوا الى الجارة ايران بسبب الاوضاع الاستثنائية التي يمر بها العراق بعد انقلاب شباط المشؤوم. انزعج المدعي العسكري من اجوبتنا، كما لاحت سمات النرفزة والعصبية على وجه القضاة و راح “المحامي” يعتذر للقضاة طالباً منا التراجع عن اجوبتنا والاعتذار!!، في مشهد كاريكاتوري يذكرنا بحكايات المحاكم القراقوشية في ادبنا القديم. انتهت جلسة المحكمة وتأجلت الى اليوم التالي لسماع دفاعاتنا ومطالعة المحامي. في اليوم التالي شرع كل واحد من فريقنا بتفنيد الاتهام والطلب بإطلاق سراحنا واعتبارنا لاجئين. جاء دوري كي اقدم مطالعة اكثر تفصيلاً بإعتباري المتهم الاول في القضية. في البداية اشرت الى أن:”اضطرارنا الى اللجوء الى ايران جاء نتيجة لإنقلاب دموي اودى بحياة الالاف من العراقيين تحت التعذيب، وتم اعتقال واحد من كل ثمانية من البالغين العراقيين واطاح بالحكومة الوطنية. هذا الحدث المريع اضطر جمهرة من العراقيين الى اللجوء الى دول الجوار ومنها ايران هرباً من البطش والموت، شأنهم في ذلك شأن من تتعرض بلادهم الى السوانح الطبيعية وتضطرهم الى الهروب من الكوارث الى بلدان أخرى دون تأشيرة دخول ولا جوازات سفر أو بجوازات ووثائق مزورة. وهذا ما لم تحرمه القوانين الدولية بل ودعت الى احترام حقوق اللاجئين ومراعاة ظروفهم وان لا يتعرضوا للتعذيب الرهيب مثلما تعرضنا الى التعذيب البشع في اقبية الاجهزة القمعية الايرانية. وقمت بسرد ذلك التعذيب بالتفصيل، في أقبية البوليس الايراني. كما ان تقديمنا لمحاكم عسكرية يعد تعارضاً مع ما وقعت عليه الدولة الايرانية من مواثيق دولية بهذا الصدد”. واستطردت قائلاً:” ان اتهامنا بالتجسس للاتحاد السوفييتي لا يستند على اية براهين تدعمه وتؤكده، وما هذا الاتهام الا وسيلة من الادعاء العسكري لتشديد اي حكم يصدر ضدنا. كما ان الصاق تهمة تجسننا لصالح مصر يتناقض مع واقع ان مصر كانت طرفاً مشاركاً في جريمة مجزرة ردة شباط عام 1963 ونحن ضحيتها، وساندت منذ البداية مجازر الانقلابيين ورحبت بالاطاحة بالزعيم عبد الكريم قاسم وناصبت العداء لجمهورية تموز منذ تأسيسها. فكيف لنا ان نصبح عملاء وجواسيس لهذه الدولة؟؟”. وتابعت دفاعي قائلاً:”يتهمنا المدعي العسكري ان الشيوعيين هم ضد الانظمة الملكية قاطبة، ولذا يتهمنا بالتواطؤ ضد الحكم الشهنشاهي!!. ان الحكم في ايران لا يغيره الاّ الشعب الايراني واذا ما اراد ذلك، وتغيير الحكم في ايران شأن ايراني، واننا لا نتدخل في شؤون الشعب الايراني وليس لدينا القدرة على ذلك. كما إن الشيوعيين خلافاً لما اورده الادعاء قد ساندوا الزعيم الوطني الملك محمد الخامس عندما طالب بإستقلال المغرب عن الاستعمار الفرنسي، وتعرض الى النفي مما كرس الاحترام له عند جميع محبي الحرية في العالم وبضمنهم الشيوعيين العراقيين. إذن هذا الاطلاق والتعميم عند الادعاء غير صحيح ويتناقض مع الواقع، حيث ان الشيوعيين يقفون مع من ينادي بالحرية لوطنه والعدالة لشعبه بغض النظر عن النظام الذي يقف على رأسه ملكياً كان ام جمهورياً”. وفي النهاية طالبت المحكمة:” بالنظر بعدالة الى قضيتنا واطلاق سراحنا كي نعود الى بلادنا ولقاء أهلنا وأحبتنا”*. وبعد ذلك طلب المحامي الحديث واشار للمحكمة بأننا مجرد شبان اخذهم الحماس وتورطوا في عملهم ونشاطهم، مما استدعى ذلك تدخلنا والطلب منه بالكف عن هذا الكلام.
طلب رئيس المحكمة تأجيل جلسة المحكمة الى ما بعد ظهر ذلك اليوم بذريعة دخول الحكام الى غرفة المشاورة قبل اصدار الحكم. قادونا مقيدي الايدي الى قبو رطب وقذر في مجمع المحاكم انتظاراً لاصدار الحكم. انتظرنا ساعات وساعات في ذلك القبو اللعين لنرى ما ستخبئه المحكمة المزعومة من احكام، بدون طعام ولاشراب. وعند العصر طل علينا احد العسكريين منادياً كي نتوجه الى قاعة المحكمة من جديد للنطق بالحكم. افتتح رئيس المحكمة الجلسة وشرع بتلاوة الحكم، عدد الإتهامات ضدنا من جديد ثم الغى الاتهام الخاص بالتجسس، وركز على التهم الاخرى. وتبعاً لذلك تم الحكم على كاتب السطور بأشد حكم، عادل حبه، وبالسجن لمدة 15 عاماً، في حين حكم على محمد علي سيادت الذي لم يكن له اية علاقة بفريقنا بالسجن لمدة خمسة سنوات وتلقى الآخرون حصتهم من احكام تتراوح بين 7 الى 10 سنوات. وفي ذيل الاحكام استدرك الحاكم، مستفيداً من نص في قانون العقوبات الايراني يخول الحاكم تخفيف الحكم لأ سباب تتعلق بالعمر او كون المتهم مواطن لدولة أخرى، فخخف الحكم الى 7 سنوات بالنسبة لكاتب السطور، و5 سنوات لكل من كاظم المالكي وسعيد المسعودي ومحمد الحمداني، و 4 سنوات لمحمد حسن عيدان و2 سنة لمحمد علي سيادت. وفي الدقائق الاخيرة من سير المحكمة اعلن القاضي ان بإمكاننا تقديم إستئناف، “تجديد نظر” باللغة الفارسية، على قرار المحكمة، وهو إستئناف لا يغير من فحوى الحكم بل محض اجراء شكلي.
صدور الحكم أثار فينا مشاعر متناقضة، فمن ناحية سيبعدنا الحكم عن فرصة اللقاء القريب بالاحبة والعودة الى الوطن العزيز، ومن ناحية أخرى اخرجنا هذا الحكم من حالة القلق والانتظار التين احاطتا بنا خلال الشهور الماضية. ومنذ اللحظة الاولى لسماع الحكم رحنا وبعفوية نخطط لكيفية تخطي وقضاء كل تلك السنوات القادمة في السجن، علماً ان محمد علي سيادت لم يعد له الا اشهر معدودات كي يتحرر من السجن. وضعت القيود في أيادينا وركبنا سيارة نقل السجناء متوجهين الى “محطة استقرارنا” في سجن قصر. في الحقيقة لم نشعر بالكرب والحزن بل رحنا، وعلى طريقة اقراننا في العراق، وفي مثل حالنا وبشكل لا إرادي، نتبادل المزاح والنكات ثم اعقب ذلك ترديد الاغنيات والاناشيد الوطنية التي اعتاد السجناء السياسيون العراقيون ترديدها عند الحكم عليهم كتعبير عن الايمان بموقفهم والتحدي لجلاديهم. ولعل أغنية “يالرايح للحزب خذني” المعروفة لدى السجناء الشيوعيين العراقيين كانت الاغنية الاكثر ترديداً على شفاهنا ونحن نتجه الى السجن، مما أثار دهشة الحراس بعد ان علموا ان الحكم قد صدر علينا بهذا القدر من الاعوام وليس الحكم ببرائتنا، كما أثار إنتباه المارة وهم بصغون الى اصواتنا باللغة العربية التي تسربت من ” الصندوق الحديدي المقفل” لسيارة السجن. استغرق مسير السيارة حوالي نصف ساعة تقريباً الى أن اقتربت من البوابة الرئيسية للسجن حيث راحت أصواتنا تتعالى تارة بترديد الأناشيد او الهتاف بما يحلو لنا باللغة العربية دون ان يفهمها احد من المحيطين بالبوابة والقريبين من سيارة السجن من العسكريين أوالمواطنين الايرانيين أوزوار السجناء.



الخالة العزيزة الحاجة نورية محسن الصفار ( أم حامد)، قرينة المرحوم شاكر حسن الاعسم
صورة حديثة


وفي خضم هذا الازدحام وتداخل الاصوات، طرق سمعي صوت يناديني باللغة العربية ليس بالغريب علي برنينه. دارت عيناي على الواقفين والمزدحمين حول بوابة السجن، وإذا بي وجهاً لوجه أمام الغالية الخالة أم حامد وهي تلوح بيدها وتبدو على وجهها علامات الفرح، ربما ظناً منها انه سيتم اطلاق سراحنا بعد سماعها صوتنا ونحن نغني مبتهجين “بالحدث”. إقتربت وسألت عن موعد خروجنا من السجن؟ ولكنها فوجئت بجوابي ونزل عليها كالصاعقة عندما اخبرتها ” سنلتقي في بغداد بعد 7 سنوات”. صرخت الخالة وراحت تندب حظ اختها، الوالدة العزيزة، على هذا المصير الذي وقع فيه ابنها. إقتربت مني أكثر والقيود في يدي، ولا أنسى الى هذه اللحظة، تلك القبلات الدافئة للخالة الحنون، وهي بمثابة قبلة الام، وراحت ترتعش من هول ما سمعت. قام الحراس على عجل بفتح الطريق وإبعادنا عن الخالة وعن الجمهرة المحيطة بالسجن، ودخلنا من البوابة الرئيسية للسجن لنتجه مباشرة الى القاطع رقم 3 المخصص لايواء السجناء السياسيين، والذي سنقضي فيه تلك السنوات التي قررتها الطغمة الحاكمة الايرانية لأسرنا في هذا الجب.
اخترقنا البوابة الحديدية للقاطع، وبعد سلسلة من الاجراءات في إدارة القاطع رقم 3، دخلنا السجن وسط استقبال السجناء عندما علموا بالحكم، وتحولنا الى سجناء “رسميين”. وبين مشاعر إختلط فيها التأثر والأسف بمشاعر من التندر والنكات، اكتظت غرفتنا بـ” المهنئين” بخلاصنا من فترة الانتظار. وراح آخرون يتندرون ويضعوننا على قائمة السجناء الذين يجب ان يستعدوا لمغادرة السجن لقصر مدد المحكومية حسب اعتقاد غالبية السجناء وخاصة من المحكومين بالاحكام الثقيلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* لم أستطع الاحتفاظ بنص الدفاع، إذ صودر مني بعد إنتهاء المرافعة. إن ما هو مدون في هذه السطور يعتمد على الذاكرة فحسب.

يتبع