الرئيسية » مقالات » التاريخ يتكلم الحلقة 55 … الرجوع من لولان في الشهر الاول من 1986

التاريخ يتكلم الحلقة 55 … الرجوع من لولان في الشهر الاول من 1986

مضى شهر من غير ان تبدو بوادر تغيير نحو الافضل. علمت في حينه ان اخي ازاد(منار) يعاني من المرض، ووضعه الصحي متردٍ. علمت ذلك من فحوى رسالة ارسلها لي مع احد الرفاق. هرعت الى بهدينان بعد ان اتفقت مع الرفيق ابو عامل على تأجيل العملية لان الطريق تسدها الثلوج والافضل تنفيذها في الربيع حين ذوبان الثلوج.
في منتصف الشهر الاول رجعت مع مفرزة. الطقس غاية في البرودة حد الانجماد. باشرنا رحلتنا نعبر منطقة في الليل واخرى في النهار. والخطر ينتظرنا عند وصولنا نهر شين، اذ يجب عبوره في الليل لان منسوب مياهه مرتفع في النهار بسبب ذوبان الثلوج. درجة الحرارة في الليل تنخفض بين (10-30) تحت الصفر مئوية، وكانت هناك ظاهرة معيقة اخرى، فحينما تسطع الشمس تنعكس اشعتها الساقطة على سفوح الجبال المكسوة بالثلوج، لترتد ضياءً حاداً على وجوهنا، يعيقنا من فتح عيوننا ويرهق نظرنا كثيرا ويحرق بشرتنا التي تتحول الى اللون القرمزي فيسبب لنا ذلك ألماً بالغاً، كما يحد من حركتنا. كنا نسير بعيون شبه مغمضة، متحسبين لاي كمين من قوات النظام. بينما كنا نواجه في اماكن اخرى عاصفة يسفعنا فيها الثلج المتساقط على الصخور فتدفعه الريح القوية على وجوهنا، بسرعة فائقة، فكانت مسامير حادة باردة، تخترق وجوهنا المحروقة، فتكاد تدميها.
كنا 10 رفاق نواصل المسير، معنا د. باسل من عنكاوة وزوجته كنار، الرفيقة ام نضال المرأة الصبية الوقورة ذات الشعر الطويل الابيض، التي يناهز عمرها الخمسين عاما. كانوا التجأوا الينا، أي الى كردستان حديثاً، ولم يعتادوا على ذلك الشقاء او تلك المسيرة الطويلة في تلك الطرق الوعرة، سألتني هل كنتم، طيلة هذه السنين، تعيشون هذا النمط من الصعوبات والتحديات؟ واردفت انك قوية وصبورة. ذلك عظيم ويدعو الى الفخر.” كانت معنا بغال ثلاث فاقترحنا عليهم الركوب بدل المشي لانهم مرهقون، فكانوا يمتطون صهوة تلك الحيوانات وعندما يشتد تأثير البرد عليهم، كانوا يهبطون منها ليحركوا اوصالهم فيبعث ذلك فيهم قليلا من الدفء، رغم ان اصابع القدم كانت تتجمد لان احذيتنا خفيفة، ليست واقية، لا تحمينا من الثلج. وصلنا قمة الجبل، بعد ان بلغ الاعياء منا اشده، خصوصا الدكتور باسل اذ شلت قدرته على الحركة، ناشدنا ان نتركه حيث هو، لانه لا يقوى ان يفعل شيئا امام ذلك الارهاق، ولا يصح اطالة الوقوف بسبب خطورة المنطقة. هبت زوجته ترفع من معنوياته واعطينا لانفسنا استراحة ربع ساعة، لكن الحركة كانت افضل لنا وسط ذلك البرد القاتل، كما ان السير يعزز من المعنويات متعلقين بالامل في ان نصل الى هدف ما.
العاصفة الثلجية العاتية ما تزال تقذف بنا ذات اليمين والشمال ونحن في العراء، لا تلوح لنا قرية قريبة او نعثر على مكمن نلوذ به، وعلى امتداد البصر، كنا لا نرى غير سهوب من الثلج لا نهاية لها وكأننا في احد الاقطاب المتجمدة.
لم يكن امام الرفيق امر المفرزة لا اتدْكر اسمه غير امتطاء احد الحيوانات ولفترة ناهزت الساعة ولكن البرد كان له بالمرصاد فلا مفر من السير. انه اليوم الثالث لرحلتنا، اشرف نهاره على النهاية وبدأ الظلام يلف الكون. الضباب كثيف يحجب الرؤية ودرجة الحرارة اقل من 10 تحت الصفر مئوية ونحن نسير متقاربين جدا (وهذا خطأ في العرف العسكري) نتابع صوت حوافر البغال فنقتفيها في طريق محفورة في تلك الثلوج لا يتجاوز عرضها 30-40 سم، وقد ارتفعت الثلوج على جانبيه، يتلفت كل منا الى الخلف ليتأكد من ان صاحبه يتابع خطاه. في هذا الظرف العصيب انزلق حيوان نتيجة لانجماد الارض التي نسير عليها. يا لها من كارثة! نحن قريبون من ربية لقوات النظام الصدامي فاذا التقطوا اصواتنا فسوف يفتحون علينا نيران الدوشكا فيكون مصيرنا الموت المحقق.
اجتمع حوالي ستة من الرفاق وتعاونوا بكل ما اوتوا من قوة لرفع ذلك البغل وهو بدوره يحاول النهوض، تخلصا من لسعات البرد عند ملامسته للارض. وبعد جهود مضنية ومحاولات عديدة، صعبة استغرقت حوالي العشرين دقيقة، تمكنوا من رفعه. لكن بعد مسيرة نصف ساعة سمعنا صوت حوافر حيوانات قادمة من الاتجاه المعاكس. انها لحظات حرجة، قد يكون العدو قد رصدنا وهو الآن يقطع الطريق علينا. يجب اتخاذ القرار الحاسم في هذه اللحظات، اسرع آمر المفرزة في اختيار الرفاق المتسمين بالشجاعة وسرعة الحركة ووضعهم في المقدمة، وكنت من ضمن الذين وقع عليهم الاختيار. سحبنا الاقسام ولم يكن يسمح لنا باطلاق النار الا بعد ان يطلق آمرالمفرزة الطلقة الاولى. جعلنا الرفيقات ام نضال وكنار في الوسط، وهن على ظهور الحيوانات، وفي المؤخرة بقية الرفاق.
كنا نتحرك ببطء نسترق السمع لتشخيص القادمين ونحن في حالة التأهب القصوى، وشعرنا ان غرماءنا، في الطرف الآخر، يتوخون هم ايضا الحذر منا ويراقبون حركتنا. لا خيار لنا ولا منفذ الا مواصلة ذلك الطريق ولم يكن امامنا الا الاقتحام وخرق صفوفهم بعد ان اقتربوا مسافة كبيرة واصبحت حركة الحيوانات واضحة ومسموعة اكثر. نادى الرفيق آمر المفرزة (توكي) من انتم واصابعنا على الزناد متأهبين للاطلاق، اجاب صوت من الطرف الآخر بنفس عبارة التساؤل (توكي) أي انهم اكراد ايضا. هم ايضا متأهبون للقتال، المسافة بيننا تقلصت الى ثلاثة امتار. لا بد من المجازفة. ثم اعلنوا عن هويتهم: انهم مفرزة بيشمركة ذاهبة الى لولان والاخرى قادمة منها. زال الخطر وفسحنا المجال لهم بالعبور. كانوا ستة من البيشمركة ومعهم اربع بغال محملة.
بدأنا بالانحدار من القمة نحو نهر شين وقد تجاوزت الساعة الحادية عشر ليلا، حصيلة مسيرتنا اكثر من عشر ساعات لذلك اليوم، لم نتذكر الطعام خلالها لان البرد قد افقدنا الشعور بالجوع. وصلنا نهر شين. يجب نزع الاحذية والجواريب تهيئة لعبوره. الضباب كثيف جدا ومدى الرؤية معدوم لا نكاد نرى ابعد من سنتيمرات امامنا. كان اول من عبر النهر يجيد السباحة حاملا سلاحه الى اعلى، وبنفس الوقت يستطلع ارتفاع مستوى الماء، كان اكثر من 75 سم، اذن لا بد من نزع السروال والعبور بتراكسوت الصوف الذي تحته ولكن اذا ابتل فلا يمكن تجفيفه ولا يمكن تحمله على الجسم وهو كذلك، قررت انا وام نضال وكنار التخلص من ملابسنا، وضعناها في الحقيبة مع السلاح. عبرنا النهر الذي يبلغ عرضه بحدود 5 امتار دون ان يرى احدنا الآخر من شدة الضباب، وصلنا شاطئه الآخر ونحن مسرورين بنجاح المحاولة وبدأت ام نضال تردد اغنية (عبرت الشط على مودك) (اغنية عراقية تعبر عن حب الحبيب لحبيبته) معبرة عن فرحتها لاجتيازنا المرحلة الصعبة. بدأنا فورا بارتداء ملابسنا دون ان يشعر بقية الرفاق باننا عبرنا دون ثياب. ام نضال تتذكر تلك المحاولة وتذكرني بها عندما تغني (عبرت الشط). الوقت تجاوز منتصف الليل وفي الثانية فجرا وصلنا الى قرية فيها جامع. توجهنا اليه جميعا، اضرمنا النار وخلدنا الى النوم متنعمين بالدفء حتى التاسعة صباحا.
النوم دون حراسة رائع، اننا اخيرا في امان، كنا نشكو من الآلام في كل بقعة من اجسامنا ونعاني من احتراق بشرة وجوهنا بسبب اشعة الشمس. د . باسل يعاني من الآلام في قدميه لانه لا زال حديث العهد بتلك الاجواء، كان يردد دائما اننا نتحدى الصعاب لاننا نكافح من اجل عقيدة وانتصاراً لقضية النضال ضد الدكتاتورية. اكن احترام لهدْا الطبيب المخلص لمهنته .
اليوم السادس. وصلنا مقر الحماية في بهدينان الساعة الخامسة مساءا. كان ابو جميل في استقبالنا يساوره القلق على مصيرنا. كان قد احيط علما باننا في الطريق اليهم، فهناك تقليد عند مغادرة اية مفرزة، ان يبلغ المقر لاسلكيا، يعلمهم بتاريخ الحركة وكذلك الوقت المفترض للوصول. لمعرفة مصير المفرزة اثناء الرحلة. كان وصولنا بمثابة عمل بطولي وانتصاراً لنا في تحدي الطقس والمخاطر وكانت فرحة كبرى عندما علم الرفاق ان بصحبتنا طبيب، ذلك ان الطبيب في كردستان عملة نادرة في تلك الظروف التي يصاحبها الاصابات والجروح اثناء القتال والمعارك، كذلك لمعالجة المرضى الذين يقاسون من تدن في الخدمات الصحية. انه المنقذ، وهم بامس الحاجة اليه في وقت تنعدم فيه ابسط مقومات الحياة، انه دفع معنوي للرفاق. بالاضافة انه يصبح طبيب المنطقة يعالج القرويين ايضا .
حال وصولي القاطع سألت عن اخي ازاد، اخبروني انه الآن افضل وان بامكاني الذهاب اليه في الفوج الثالث في كلي حصبة لزيارته. بعد ثلاثة ايام كنت عنده. تعانقنا طويلا. كان سعيدا جدا بقدومي. بدأنا نتحدث عن اموره ولماذا انتكست صحته. اكتشفت ان ابتعادي عنه كان يعكر مزاجه فيشعر بالوحدة وينتابه القلق النفسي. تأكدت ان وجودي بقربه يعطيه دفعا معنويا قويا. مكثت عنده اكثر من اسبوعين تحسنت خلالها صحته واسترد عافيته.
عدت الى قاطع بهدينان ثانية، وانشغلت طيلة الوقت بالقراءة. انها الوسيلة المثلى لنسيان الواقع الذي اعيشه. رجعت لامارس عملي السياسي بين نساء القرية واحيانا ارافق الطبيبة ام هندرين من العمادية الى القرى المجاورة لمعالجة النساء، كما اشارك في الفعاليات السياسية والشبابية، كنا ندعو الى ندوات صغيرة لنساء القرية تساهم في رفدهم بالامور الثقافية والاجتماعية والصحية والغالبية منهن ينظرن الينا بعين الحب والاحترام ويبدين استغرابهن من قابلياتنا في تحمل ومقاومة خشونة الحياة العسكرية التي نعيشها. كانت علاقاتنا وطيدة اكثر مع الشابات وكن يرغبن في زيارة قواتنا الا انهن غير قادرات على ذلك، لانه غير مسموح به من قبل عوائلهن، لكنهن كن يتوجهن الينا بحجة استشارة الطبيب وهن مسرورات للقاء بنا، ويشعرن باننا نتمتع بحرية وحقوق اكثر مما عهدنه من باقي النساء، ويلاحظن مدى تقييمنا واحترامنا من قبل المجتمع الذي نساهم نحن في تغيير ملامحه التقليدية، وكثيرا ما كانوا يلقبوننا بالبطلات، ولكن ذلك لم يكن يروق للاسلاميين الذين يقفون حاجزا ضدنا خوفا من تأليبنا للنساء ضد تقاليدهم البالية ومن ثم المطالبة بحقوقهن المهدورة منذ الازل، وذلك ما لا يقره الرجال في مجتمعاتنا الشرقية حيث يعتبرون المرأة تابعاً للرجل حيثما كانت واينما وجدت فالرجل هو سيد المجتمع!‏الجمعة‏، 09‏ شباط‏، 2007