الرئيسية » مقالات » صور من أيّام انقلاب شباط الأسود

صور من أيّام انقلاب شباط الأسود

صمود مدينة :
كانت عطلة نصف السنة تقترب من نهايتها ,كان يوم جمعة ,الهدوء يخيم على الزقاق المطل على شارع العباس في مدينة كربلاء المقدّسة , هذا الشارع الذي يعتبر من أهم شوارع المدينة فقد شهد التظاهرات الطلاّبية الأحتجاجية على العدوان الثلاثي عام 1956 ,كما شهد الأحتفالات والتظاهرات المؤيدة لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ,كما كان مسرحا للمسيرات العمالية وأنصار السلام با ختصار انه يحمل بين جنباته تاريخ المدينة في حدود الساعة التاسعة انقطع البث التلفزيوني الذي يفترض أن يبدأ كالعادة بالقرآن الكريم ,أما جهاز الراديوفقد بدأ يبث نشيد الله أكبر وهذا أعطانا أشارة الى أن شيئا جللا قد وقع ,وارتفع صوت احدى المذيعات ولاأدري هل هي هناء العمري أو يسرى سعيد ثابت بطريقة خطابية مهددة ومتوعدة بمن أسمتهم الشعوبيين وهذا المصطلح كان ينعت به الشيوعيون واليساريون آنذاك من قبل أعدائهم , كانت الدعوات صريحة لأبادة الشيوعيين وعوائلهم , حينها كنت في نهاية المرحلة المتوسطة ,وبما أننا نسكن في محلة العباسية الشرقية وهي منطقة تضم الكثير من العوائل ذات التوجهات التقدمية من شيوعيين وأصدقائهم وديمقراطيين ونقابيين ومن حركة أنصار السلام ومن التابعين للسياسة فقد انتشر الخبر سريعا ووقع علينا كالصاعقة أنّ المحظور قد حل وأن مجموعة المتآمرين الذين كانوا لايألون جهدا منذ انبثاق ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة يحيكون المؤامرات ضد الثورة وقيادتها , مستخدمين شتّى السبل للأطاحة بها معتمدين على قوى أقليمية ودولية في تحقيق مآربهم وهاهم يفلحون ,انطلقت الدموع من أعيننا فها هو وليدنا يموت بين أيدينا ,خرجت كربلاء على بكرة أبيها رافضة أن تضيع مكاسبها أمواج بشرية ,نساء ,رجال , أطفال كلهم يهتفون بالتأييد لثورة تموز وللزعيم , الجماهير ليس لديها ماتدافع به سوى أجساد كانت مستعدة أن تجعلها سدودا أمام الدبابات الغاشمة دفاعا عن مكاسبها وأهمها عزة وكرامة العراق باستقلاله ووقوفه بوجه عنجهية المستعمر واستخفافه بقدرة الشعوب وتلقينها درسا باتخاذ خطوات جريئة كالأنسحاب من حلف بغداد والكتلة الأسترلينية ,عن الزعيم عبد الكريم قاسم ونزاهته وحبه لوطنه ,عن القوانين التقدمية التي أنصفت الفلاّح والمرأة والعامل ,عن التعليم المجاني الذي أتاح لأبن الفقراء أن يتعلم ويتطور ويعمل , لكن لقد تفوق الحديد الأصم عل أرادة الأنسان ,لقد سقطت كربلاء بين أيدي الوحوش وقد كانت آخر المعاقل وما أن حلّ الظلام حتّى انقض الحرس القومي على البيوت يفتشونها ويمزقون ماتقع بين أيديهم من كتب ثمينة وأشعار قيمة فليس غريبا عليهم فهم أعداء للثقافة والأفكار الأنسانية التي تنبذ التعصب بكل أشكاله ,واقتادوا الكثيرين الى جهات مجهولة وغصّ الموقف في مركز المحافظة وكان آنذاك يسمّى بالسراي بخيرة أبناء كربلاءمن مثقفين وطلبة وموظفين واتخذوا من المكتبة العامة سجنا للنساء حيث اعتقلوا مجموعة كبيرة من معلمات ومدرسات وفتاة لم تزل دون السن القانونية هي فردوس الحكيم أذ كانت يومها طالبة في ثانوية كربلاء .
لقد أصبحت المكتبة التي هي من المفروض أن تحترم كمكان للتنوير ومركز للعلم له حرمته مكانا يقتاد اليه السجناء من السراي للتحقيق معهم مستخدمين وسائل التعذيب المختلفة وقد استشهد بعضهم ويحضرني اسم الشهيد عبد الآله الرماح الذي كان يومها قادما من الأتحاد السوفيتي لزيارة عائلته .وعلى مأذكر بعد ان قضي على حكم البعث في تشرين ةأفرغت من السجناء, فتحت أبوابها للناس للرؤية ماحدث من بشاعات وجرائم ارتكبت باسم القومية ,وباسم الوحدة العربية التي لم يحققها من تبنى شعاراتها رغم اعتلائه السلطة على مدى عقود ,لم تزل صورة عبد الكريم قاسم قتيلا في مبنى الأذاعة والتلفزيون مع مجموعة من رفاقه ثابتة لاتزول شاهد على فاشية وأجرام لامثيل لها لبطل نزيه أحب الشعب وأحبّوه دون رشوة أو تخويف ومازال عبد الكريم قاسم خالدا في ضمير العراقيين ومنهم أبناء كربلاء .
تحية لكل الشهداء الذين سقطوا تحت التعذيب على أيدي جلاوزة الحرس القومي .

صمود أم عراقية باسلة :في زقاقنا المطل على شارع العباس الكثير من االناس المميزين ,رغم بساطة البيوت وقدمها فهي تضم في جوانبها وبين جدرانها أفكارا مضيئة ونظافة وبساطة وطيبة ,على كل حال هو نموذج لزقاق عراقي في مجتمع المدينة ,شخصيات مثقفة لها باع في السياسة والأدب كالأستاذ المرحوم علي الشبيبي أو جاره الكاسب الذي يحصل على رزقه يوما بيوم ويوفر ليتلقى أبناؤه التعيم الذي حرم هو منه والنساء في (دربونتنا ) غالبيتهن من ربات البيوت متشابهات عدا واحدة منهن هي العمة أم أموري حسب الدارج أو ( بهيّة ) وهذا هو اسمها , بصرية الأصل كانت معلّمة الاّأنها تركت ممارسة المهنة بعد زواجها من أحد ابناء العوائل الكربلائية المعروفة وله بستان يعتاش منه مكتفية بتربية أبنائها الستة , أنها مختلفة عن نساء محلتنا باقتنائها الكتب المتنوعة ةولها الفضل الكبير علي في انماء حب القراءة منذ سن مبكرة اذ كانت تعيرني كتبها المصفوفة بتنظيم وترتيب وتبويب وتروي لي الحكايات عن التاريخ بلغة فصحى وأنا منصتة اليها وهذا ماتفتقده أيضا جاراتنا الأخريات , دارها ملاصق لبيتنا ولحميمية العلاقة بيننا فقد فتحت بين بيتينا نافذة صغيرة كنا من خلالها نتبادل الأطعمة ونتجاذب أطراف الحديث مع أبنائها المقاربين لنا في السن كما أن رابط آخر يربطنا بها وهي أنها أرضعت أشقائي فهي أمنا بالرضاعة ,الى أن حل يوم الثامن من شباط الأسود كنت لاأعرف عن هذة الجارة سوى ماذكرت أعلاه من كونها مثقفة ,طيبة ومتميزة ,

في يوم العاشر من شباط كانت عمتي أم أمّوري قد وضعت ابنتها قبل يومين فقط ,وفي تلك الليلة الشديدة البرودة كنت وأخوتي وحيدين مجتمعين من الخوف في سرير واحد حيث أن أبي لم يعد فقد اعتقل أثناء توجهه للعمل ,وفي منتصف الليل سمعنا جلبة وضوضاء لم نستطع التحرك فأخوتي أطفال وأنا كبراهم لاأتجاوز السادسة عشرة فالخوف والبرد والشعور باليتم سيطر علينا ,حلّ الصباح عليناوكان ثقيلا وقد كنا معتادين أن تطل علينا العمةخاصة بعد وفاة والدتي في حالة اذاماكانت جدتي مسافرة رغم مشاغلها أو مرضها , ناديت عليها أطلّت ابنتها علي بوجه باك ,لقد اعتقلوا عمة أم أموري رغم كونها نفساء ليومين فقط واصطحبت معها رضيعتها ,أخذوها الى المكتبة العامة السيئة الصيت ,وهناك حققوا معها واجهوها بمن اعترف عليها أنكرت تمسكت بأقوالها ,أنا لاأعرف شيئا أفعلوا ماتريدون ,اصطحبوها الى ريف كربلاء رفضت أن تكون لوحدها معهم جابهتهم بأنها لاتأتمنهم وهي السيدة الشريفة, أمام أصرارها اصطحبت أخي معها وقد كان يزورها في المعتقل وكان يومها لايتجاوز الثانية عشرة من عمره وهو الذي أبلغني ماحدث حيث أخرجوا أهل الناحية اليها (الجرية )كي تتعرف عليهم وتشخصهم نظروا اليها خائفين طمأنتهم بنظراتها الواثقة ضاغطة على كف أخي بأن لا تنظر كانت حذرة لم يصل الجلادون معها الى ما يريدون فأطلقوا سراحها,ولم تتوقف عن عطائها ودعمها للمناضلين حيث عاد الفلاحون يرتادون بيتها يسلمونها أوراقا صغيرة ملفوفة حينها كنت أسأل نفسي ولاأجرأ أن أسأل العمة عن سر هذه الوريقات التي تشبه الى حد ما (الزبانة ) ,لقد كانت العمة أم أموري مراسلة حزبية ,كانت نموذجا لمن يعمل في السر ,أمينة ,شجاعة استطاعت رغم الأعترافات عليها أن تحمي رفاقها وتحافظ على خط بقي يعمل وينمو ويستمر ,
التقيتها قبل أن أغادر العراق 1980كانت لاتزال تقرأ وتهتم بالسياسة وتتابع الأخبار وحين عودتي الأخيرة سألت عنها ,سمعت بوفاتها كمدا على استشهاد أحد أبنائها على أيدي الأمن في النظام السابق أردت زيارة قبرها لم أستطع لأن كربلاء كانت يومها تشهد اضطرابات وأحداث عنف واشتباكات بسبب محاولة جيش المهدي الأستيلاء على الخزائن من نقد ومجوهرات الموجودة في حضرة سيد الشهداء الأمام الحسين عليه السلام ,

تحية لك أيتها الباسلة , ستبقى ذكراك عبقة كرائحة القداح في نفوسناونفوس أبنائك الذين أرضعتهم حليبا زكيا طاهرا كطهر قلبك المفعم بحب الوطن .

تعليق :لقد أفاد واعترف علي صالح السعدي وقد كان رئيسا للوزراء بعد الأنقلاب الدموي بأنّهم قد جاءوا الى السلطة يعني( البعثيين ) بقطار أمريكي ,وهاهو القطار الأمريكي قد جاء هذه المرة بركاب جدد لهم هويات أخرى وأجندات وشعارات مختلفة , وقد أنزل راكبه السابق الجرذ فسحقه ليجعله عبرة لمن اعتبر ,والأيام القادمة سترينا من النازل القادم من قطار الأمريكان السريع !!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *