الرئيسية » مقالات » لم يعودوا – حكاية من اليوم الأسود

لم يعودوا – حكاية من اليوم الأسود

في صباح يوم الجمعة الأسود الثامن من شباط 1963, كتب لي أن أتأخر في النوم شأني شأن كل موظفي الدولة, وكان اليوم آن ذاك الجمعة من أيام شـهر رمضـان المبــارك… كنت بين الحلم و اليقظة … فزعت لكابوس كاد أن يقض مضجعي و يثقل علي أنفاسي… تأملته فإذا به صوت أمي الرءوم.. ضاع كل شيء … راح كل شيء…سنصبح شذر مذر … لقد عملوها أبناء الحرام…

لم يكن حلما , بل كان صوتهـا فعــلاً …

خرجت إلى رأس الشارع مع جارنا و أبناءه, وكانوا عائلة من الإخوة الفلسطينيين مع بعض سكان شارعنا. مرت أمامنا في الشارع الرئيسي جموع حاشدة من المتظاهرين تهتف بحياة الزعيم عبد الكريم قاسم وبسقوط الخونة المتآمرين… صباح اليوم التالي كان جارنا من ( الأخوة ) الفلسطينيين هو وأبناءه قد انضموا إلى الحرس القومي و باشروا مهامهم مع ( إخوتهم) القوميين و البعثيين تجاه النجباء من أبناء العراق.

وفي العاشر من شهر شباط 1963 وبينما كنت أعمل في دائرتي صباحاً , جاءت مفرزة من شرطة الأمن حيث اقتادتني بسيارة كاز روسية إلى دائرة الأمن , عند باب هذه الدائرة تجمع مئات من القوميين والبعثيين , وعند توقف السيارة افسح لها المتجمعين مرورا للولوج إلى الداخل… أخرجتني تلك الجموع من السيارة وانهالت عليّ ضرباً … لم أع بعدها الذي حصل… وبعد الظهر استعدت وعيي فوجدت نفسي ملقى تحت احد المناضد الخشبية في غرفة مدير الأمن الذي ساعدني على الجلوس مبديا تعاطفه معي… عند المساء نقلت إلى إسطبل خيول وبغال مع مئة من المعتقلين … وكان المكان لا يتسع إلا لعشرة رؤوس من الخيول أو البغال , ولم تكن تتوفر فيه دورة مياه , ما عدى صفيحة مركونة في الزاوية… كان المكان ضيق للغاية لا يسمح فيه سوى بالوقوف, بقينا على هذه الحالة حتى الصباح حيث نقلنا إلى سجن الكوت الشهير والذي تتوفر فيه كافة المرافق الضرورية رغم قدمه.

بعد منتصف ليلة الثامن عشر من شباط تم استدعاء مجموعة منا , حيث طُلب منهم ارتداء ملابسهم للذهاب خارج السجن , وعند الفجر عاد قسم منهم , و تخلف آخرون , وكان العائدون في حالة يرثى لها من شدة ما بهم من ألم , ناجم عن التعذيب البغيض الذي مارسته عليهم لجنة التحقيق المدنية , من البعثيين والقوميين في دائرة الأمن … وكانت عمليات التحقيق تتم في كل ليلة , وفي كل ليلة من تلك الليالي تتخلف فيها مجموعة من المعذبين ،وتعود المجموعة الأخرى محملة بآلامها و أوجاعها , وعلى الرغم من انتهاء التحقيق مع كافة الموقوفين بعد انقضاء عدة أيام, إلا أنه لم يعد مع العائدين إلى السجن من اولئك الذين كانوا يتخلفون بالعودة بعد التحقيق …كما لم يعد أي منهم وقد انقضى ثلاثة أربعون عـاما…
وبعد إن أصبح الشعب العراقي شذر مذر ,كما توقع عبد الكريم قاسم في خطابه بعيد شفاءه من إصابته أثناء محاولة اغتياله , في العملية الإرهابية التي شارك فيها رئيس جمهورية العراق (المخلوع ومن ثم المعدوم) صدام حسين , علمت هنا في أوربا في ذلك الحين إنه بعد سقوط سلطة البعث الأولى في الثامن عشر من تشرين 1963 , تم العثور على مقابر جماعية , بأجساد آدمية متحللة بملابسها الكاملة … كانت تلك الأجساد الآدمية المتحللة أجساد للمعذبين الذين كانوا يذهبون للتحقيق دون عودة مجددة إلى زنزانات السجن , في تلك الليـالي الرمضانية البعيــدة القريبـــة, لأن أيادي جلاديهم التي أخذتهم للتحقيق غيبتهم بملابسهم عن الوجود كله …
رحم الله عبد الكريم قاسم وكل الذين ذهبوا ولم يعودوا…