الرئيسية » مقالات » حقوق المرأة وإشكاليات المجتمع الذكوري!

حقوق المرأة وإشكاليات المجتمع الذكوري!

حققت المرأة في جميع أنحاء العالم تقريباً نجاحات جديدة في استعادة بعض حقوقها المغتصبة من جانب الرجل منذ قرون طويلة. ولكنها حتى الآن لم تبلغ حتى في أكثر الدول تقدماً وتطوراً في العالم على حقوقها كاملة غير منقوصة, رغم أن الجانب النظري وما تتضمنه دساتير وقوانين تلك الدول المتقدمة على المساواة التامة بين الجنسين. وهذه الحقيقة ترتبط بواقع وجود مجتمع ذكوري يرفض كلياً أو جزئياً التراجع عن اغتصاب حقوق المرأة والاعتراف العملي, وليس النظري فقط , بحقوقها المشروعة والعادلة والطبيعية ومساواتها التامة بالرجل, إضافة إلى مساواتها التامة في الواجبات أيضاً. إلا أن واقع التخلف الكبير والاضطهاد الشديد الذي تتعرض له المرأة في العالمين الإسلامي والعربي يتجاوز حدود المعقول والعالم يعيش حضارة القرن الحادي والعشرين ومع النجاحات والمكاسب الكبيرة التي حققتها المرأة في استعادة الكثير من حقوقها التي كانت مغتصبة في العالم الغربي.
تشارك المرأة في الكثير من دول العالم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتلعب دوراً أكبر في النشاط الاقتصادي وإنتاج الدخل العالمي والمشاركة في العمل والإنتاج وفي الخدمات, بما فيها مجالات العلم والتقنيات الحديثة وغزو الفضاء والآداب والصحافة والرياضة والموسيقى وجميع فروع الإنتاج الإبداعي. ورغم ذلك فهناك, حتى في أكثر الدول تقدماً تمييزاً في احتلالها المراكز القيادية في الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة ..الخ أو في العمل والأجر …الخ.
إلا أن كل الدلائل تشير إلى أن المرأة على الصعيد العالمي تنتصر يوماً بعد يوم لقضيتها وتقتنع ذاتياً بحقوقها وبضرورة الحصول عليها وتلعب باستمرار دورها المباشر في النضال الدؤوب من اجل تلك الحقوق. ومثل هذه القناعة تعتبر العامل الحاسم في التقدم الذي سوف تقتطعه المرأة في السنوات القادمة نحو المزيد من ممارسة الحقوق والواجبات. وأهمية دور المرأة يبرز أيضاً في كونها تشكل ما يقرب من نصف سكان العالم, حيث بلغت نسبة الرجال 50% : 49,7% في العام 2006 من مجموع سكان العالم البالغ تعدادهم 6,525 مليون نسمة. وفي بعض دول الشرق الأوسط تزداد نسبة الإناث على الذكور.
والمرأة في العالمين الإسلامي والعربي تحقق هي الأخرى مكاسب غير قليلة, رغم المقاومة الشرسة التي يبديها كثرة من الرجال للوقوف بوجه حصول المرأة على تلك الحقوق. فالمجتمعات العربية والإسلامية ما تزال تعتبر ذكورية بالتمام والكمال, وبالتالي فكسر هذه المقاومة ليست سهلة بسبب سيطرة الرجال على الدولة والنظم السياسية والتشريع ووضع القوانين والمراسيم والتعليمات والقضاء والقوات المسلحة, أي هيمنتها على السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية, وكذلك على الاقتصاد والثقافة …الخ. ورغم هذا فأن الطلائع المقدامة من النسوة يشقن دربهن الصعب والمرير بعزم ثابت وخطوات مهمة نحو الأمام.
المعركة الراهنة المحتدمة التي تعيشها المرأة في العالمين الإسلامي والعربي ليست هينة بل معقدة جداً, لأنها معركة سياسية واجتماعية وثقافية, وفي الجوهر اقتصادية وحضارية. إذ يسعى المجتمع الذكوري إلى دفن واقع ومضمون الصراع باعتباره صراعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً حول دور ومكانة المرأة ومساواتها بالرجل, وطرح المسألة وكأنها قضية دينية بحتة. وهي لعمري دناءة من جانب أولئك الذكور الذين يسعون إلى تغييب المشكلة الفعلية, وهم بذلك يمارسون غريزة النعامة حين تدفن رأسها بالرمال حين ترى الحقيقة أمامها ناصعة تفقأ العين.
الدين, من حيث المبدأ, لا يقف حائلاً بين تمتع المرأة بحقوقها كاملة غير منقوصة ومساواتها التامة بالرجل في الحقوق والواجبات, بل أن من يضع عراقيل على هذا الطريق هم جمهرة من رجال الدين, وليس العلماء منهم, هم الذكور الذين لا يرغبون أن يروا في المرأة إلا أداة للاستئناس أو الجنس والإنجاب والطبخ وغسل الملابس وخدمة البيت والذكور فيه , وأن لا تكون نداً لهم متساوياً معهم ومستقلاً عنهم في آن واحد .
لا شك في أن هناك فوارق بايولوجية بين المرأة والرجل, ولكن هذه الفوارق لا تقلل من إنسانية المرأة ولا تضعف دورها ومكانتها في المجتمع ولا تقلل من قدرتها وكفاءتها على إنجاز المهمات التي تناط بها. ولا يجوز استخدام هذه الفوارق الطبيعية للتميز بين المرأة والرجل بحجج واهية, وأن تعذر عليهم ذلك توجهوا صوب الدين ليستخدموه ضد المرأة, ولكنهم في ذلك يسيئون إلى الدين والمرأة والمجتمع في آن واحد.

خلال الأيام الأخيرة تابعت الكثير من المواقع الإلكترونية والصحافة العربية وبعض خطب أئمة المساجد في بعض الدول العربية, وخاصة في السعودية والخليج, فوجدت أمامي حفنة كبيرة من أئمة المساجد يشنون حملة شعواء ويمارسون السخرية القاسية ويكفرون باسم الإسلام والشريعة أولئك الناس الذين يطالبون للمرأة حقوقها المشروعة باعتبارها إنساناً كامل العقل والبصيرة ويدعون إلى مساواتها بأخيها في الإنسانية, بالرجل. كما أن هذا الهجوم وتلك السخرية اللاذعة يتوجهان أيضاَ ضد المرأة والرجل في أوروبا أو الغرب عموماً وضد ما أحرزته المرأة من حقوق في المجتمعات الغربية, التي لا تختلف من الناحية النظرية عن حقوق الرجل, وكذلك بالنسبة للواجبات. وفي هذا الهجوم وتلك السخرية ما تقشعر له الأبدان ويخدش الآذان ويسيء إلى سمعة الناس ودياناتهم, بسبب منافاته للآداب العامة والتقاليد المرعية في كتابة المقالة أو الخطبة في مسجد أو حسينية أو في حديث صحفي.
لا شك في أن الذكور في المجتمعات الذكورية, التي نعيش في ظلها وتحت خيمتها, لا يريدون التنازل عن الحقوق التي اكتسبوها عنوة عبر الزمن على حساب حقوق المرأة, وهي التي خسرت الكثير من حقوقها منذ أن بدأ الرجل بالسيطرة على المجتمع وفرض إرادته بالقوة على المرأة والعائلة بصيغ مختلفة.
لقد استمعت على مضض إلى بعض خطباء الجمعة وهم يلقون بمواعظهم في جموع غفيرة من الناس بعد الصلاة. والسؤال هو عن ماذا كان هؤلاء الخطباء الفطاحل يتحدثون؟ وما هي الحجج التي كانوا يقدمونها حول حق الذكر في اغتصاب حقوق المرأة؟ سألخص بعض تلك الأفكار وبأمانة تامة, ويمكن لمن يريد العودة إلى أصل تلك الخطب المسجلة على فديو وتذاع في موقع الذاكرة:
• يقول أحد خطباء الجمعة: واجب المرأة الشرعي هو تحضير وتقديم الطعام لزوجها والابتسام له عند تناول طعامه والتزام الهدوء عند منامه والعناية براحته وصحته وسعادته. ويقصد هنا بلا شك إرضاء شهواته الجنسية ثم إنجاب الأطفال والعناية بهم وخدمتهم.
• خطيب آخر يتحدث فيقول بصوت مرتفع: إن المساواة لا تتم إلا بين أشياء متشابهة كالقول بأن هذه السيارة مشابهة ومساوية لتلك السيارة, ولكن لا يمكن القول بأن هذه السيارة مشابهة ومساوية لتلك الثلاجة, وهكذا لا يمكن القول بأن هذه المرأة مساوية لهذا الرجل. كأني به يريد أن يقول بأن المرأة ليست من جنس البشر.
• وخطيب ثالث يؤكد باسم الإسلام والشريعة: إن من يطالب بالمساواة بين المرأة والرجل هو رجل كافر وخائن لدينه. ثم يتلفظ بكلمات بذيئة ضد من يدافع عن حقوق المرأة. ثم يؤكد تفوق الرجل على المرأة ولا يجوز طلب المساواة, وأن معشر البشر ليس مساوياً لمعشر الفيلة حيث تقود أنثى الفيل قطيع الفيلة…!
• أما الخطيب الرابع فيتحدث عن الفرق بين المرأة والرجل بقوله أن المرأة تتكلم قبل أن تفكر, في حين أن الرجل يفكر قبل أن يتكلم. وهلمجرا …
هذه جملة من أحاديث وخطب رجال دين فقدوا وعيهم وإنسانيتهم وضمائرهم وغاصوا في مستنقع التخلف وشددوا من غيهم ومن اتهامهم بالكفر والإلحاد لمن يدعو إلى تحرير المرأة من عبودية الرجل والتقاليد البالية.
إن المرأة في بلداننا لا تتعرض لاضطهاد الذكور في البيت والمحلة والعمل والشارع فحسب, بل وتتعرض إلى اضطهاد الدولة ورجال الدين في آن واحد, ويتجلى ذلك في التشريع والتعليمات وما إلى ذلك.
أن أي إنسان عاقل وسليم الطوية حين يستمع إلى أفكار مماثلة في خطب دينية أو مقالات وأحاديث يمكنه أن يؤكد دون تردد بأنها لا تمت إلى الدين بصلة وأنها تجسد بؤساً وتخلفاً فكرياً وسياسياً واجتماعيا وثقافياً, تجسد تدنياً حضارياً وغياباً للتنوير الديني والاجتماعي لدى هؤلاء الخطباء وكتاب المقالات. إن مستوى ومضمون الفكر والمقارنات التي يطرحها هؤلاء الرجال يعبر عن واقع نسبة عالية من الناس في المجتمعات في الدول الإسلامية والعربية وواقع الضحالة في الثقافة المتدنية التي تنشر وتعمم في هذه المنطقة من العالم بحيث يمكن بمثل هذه الأقوال والتصريحات تعبئة الناس البسطاء ليكونوا ضد حقوق المرأة, بل حتى تعبئة المزيد من النسوة ليكن ضد حقوقهن المشروعة والعادلة. لا يريد هؤلاء الناس أن يتذكروا القول الصادق الذي نطق به عمر بن الخطاب حين قال: “كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”. وكلمة الإنسان أو الناس تعني النساء والرجال معاً وليس الرجال فقط من ناحيتي اللغة والمضمون. إن الإشكالية الكبيرة تكمن لا في مثل هذه الجمهرة المتخلفة من رجال الدين الذين يفسرون الدين على هواهم ووفق مصالحهم الذكورية فحسب, بل وإن العيب يكمن في الحكومات التي تسمح وربما تؤيد بحرارة مثل هذه الطروحات وتسعى إلى تكريس مفاهيمها البالية في المجتمع وفي الثقافة العامة للإنسان. إن المشكلة التي تعاني منها مجتمعاتنا, والمرأة في المركز من هذه المعاناة, تكمن في:
• التخلف الاقتصادي وسيادة العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية والزراعة بأساليبها وأدواتها البالية وعلاقتها المتينة بالحياة القبلية والبداوة الفكرية والسلوكية.
• تخلف القطاع الصناعي وضعف الطبقة البرجوازية والفئات المتوسطة والطبقة العاملة وتأثير ذلك على استمرار تخلف الوعي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. فالاقتصاد والمجتمع وجهان لعملة واحدة.
• تراجع دور علماء الدين المتنورين أمام تنامي دور رجال الدين غير المتنورين والتفسير غير العقلاني للنصوص الدينية, للقرآن والسنة, وتراجع الاجتهاد في القضايا الأساسية المرتبطة بحياة الناس. الدجل منتشر اليوم ويتجلى لدى القوى الإسلامية السياسية المتطرفة لا في استخدام السيف والبندقية وكاتم الصوت والقنبلة والمفخخات فحسب, بل وباستخدام الكلمات والتفسير الدجلي للآيات القرآنية والسنة النبوية.
• البطالة الواسعة التي تشمل نسبة عالية من الرجال ونسبة أعلى من النساء. والمرأة لا تمتلك في مثل هذه الحالة استقلالها الاقتصادي, بل هي تابعة اقتصادياً للرجل الذي يجلب المال إلى البيت, وما على المرأة إلا خدمة جالب المال للدار.
• وجود نسبة عالية من الجهل والأمية بين أفراد المجتمع, وخاصة بين النساء, مما يجعلهم بعيدين عن الثقافة والحضارة الحديثة واستيعاب ما جرى ويجري حولهم وفهم حقوقهم الأساسية.
إن المرأة أيها السادة لا تشكل نصف المجتمع في بلداننا والعالم فحسب, بل يفترض فيها أن تلعب دورها الفعال في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وحفظ الأمن وحماية الوطن, أن تساهم في الإنتاج الصناعي والزراعي وفي التجارة والاتصالات والعلوم وبقية مجالات النشاط الاقتصادي, وفي إنتاج الدخل القومي وزيادة الثروة الوطنية وفي النشاط الإبداعي بمختلف فروعه. ولا يمكن لأي بلد أن يتقدم خطوات ثابتة نحو الأمام دون مشاركة المرأة ليس في تربية أطفالها وتنظيم شؤون المنزل, وكلا المهمتين يفترض أن ينهضا بها المرأة والرجل سوية, حسب, بل وكذلك في مجمل جوانب الحياة الأخرى.
نأمل أن يشترك المزيد من الكتاب, وخاصة علماء الدين, في دحض افتراءات تلك الثلة من رجال الدين غير المتنورين والمتخلفين ليس دفاعاً عن المرأة وحقوقها المشروعة حسب, بل ودفاعاً عن الدين والتفسير المتنور الذي يؤمنون به, وهو مخالف لما يتقول به هؤلاء, وإلا انحشروا معهم في خانة واحدة, شاءوا ذلك أم أبوا.
2/2/2007 كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *