الرئيسية » التراث » ملحمة ( ممو زين ) – لاحمد خاني -2

ملحمة ( ممو زين ) – لاحمد خاني -2

الطبيبة السائحة


لم تعد العجوز هيلانة – بعد مغادرتها لذلك الشيخ – إلى القصر ، وإنما بادرت في إعداد العدة وتهيئة الوسائل لكي تصبح طبيبة . وبعد حين أصبحت ذات منظر جديد وشكل غريب … حيث ارتدت فوق ثيابها رداء سابغا فضفاضا قد شق من أمامه فبدا من تحته ما علقته على كل من جنبيها من الحقائب التي ملأت بعضها بزجاجات وعقاقير . .. وحشت بعضها الآخر مباضع وهنات مختلفة من كل ما يحتاج إليه الطبيب الماهر .. ثم استوت على ظهرها وانطلقت تطوف بالأحياء ، وتؤم المجالس والبيوت ، تتسمع خبر أي مريض مطروح أو متألم موجوع ، لكي تأخذ طريقها إليه متبرعة بمعالجته ومواساته .
وهكذا بدأت توحي إلى الناس بأمكر أسلوب مبلغ ما اوتيته من براعة في فن الطب بمختلف أنواعه…
ولم تمض سوى برهة حتى كان اسمها قد انتشر في كثير من أنحاء الجزيرة ، وتسامع الناس بأن عجوزا سائحة قد وصلت إلى الجزيرة ، تعالج أنواع الامراض والأدواء المختلفة بمهارة فائقة . وكان ممو وتاج الدين إذ ذاك قد سائت بهما الحال أكثر من الأول وأصبح كل منهما نهبا لأفكار وآلام متواصلة مما لفت إليهما أنظار ذويهما بل معظم أصحابهما ولكن دون أن يعلم أحد بحقيقة الأمر أو يدرك شيئا مما حدث لهما .
ولم يكن – في الواقع – منشأ تلك الآلام والأفكار واحداً بالنظر اليهما ، بل كان مختلفا إلى حد بعيد . أما ممو فقد كان السبب في ذلك زيادة تعلقه وتفاقم وجده .. فلم يكن يقر له قرارا أو يلين لجنبه مضجعا منذ عرف أن التي ضاع عندها رشده إنما هي أميرة الجزيرة .. ومنذ أخذ يفكر كيف أن تلك الغادة الحسناء رأفت بقلبه ورقت لحاله ، فتركت خاتما الدري في يده لكي ينوب إشراقه عن ابتسامتها عندما يغيب طيفها عنه ، ولكي يقوم مقامها في مواساته إذا تلظى منه القلب . كان ذلك التفكير يستحيل نارا تتقد في أحشائه وتسعر كل مشاعره وأحساسيه ، وكانت تزداد ثورة هذه الآلام في نفسه حينما يقعد ليفكر في شخصه وفي مركزه البسيط الذي لا يجعله اهلا لأن يتقدم إلى الأمير زين الدين لخطبة أخته . بل لا يعقل من الأمير أن يقبل مثله صهرا له من بين مختلف أفراد حاشيته ووزرائه . فكان ذلك يزيد في آلامه مرارة اليأس , ويسلمه إلى زفرات طويلة تكاد تشق صدره .
أما تاج الدين فعلى الرغم من أنه أيضا كان متعلق القلب بصاحبة الخاتم الذي في يده ومنصرفا بمشاعره نحوها إنصرافا تاما ، إلا أنه لم يكن يقاسي في ذلك مثل آلام ممو وثوراته النفسية . ويبدو أن السبب في ذلك هو أنه كان ذا أمل قوي في الوصول إليها ، ولم يكن يخامره شك في أن الأمير لن يتردد في قبوله صهرا له .. فهو ابن وزير الديوان ، وهو أحد أشقاء ثلاثتهم عمدة الأمير في كثير من الظروف والاحوال ، والأمير نفسه يدرك أن مصلحته تقضي بإكرامهم وتقريبهم منه .
ولكن تاج الدين كان يعاني أفكارا أخرى تؤلمه وترهق مشاعره إرهاقا شديدا ، ولا يهتدي إلى مخلص منها ! فقد كان ممو كما قلنا صفيه الوحيد من دون الناس كلهم ، وكان ينزله من قلبه منزله شقيقه .. بل أسمى من ذلك وأعظم .. ولم يكن يخفى عليه ما يقاسيه من وجد وتحرق ..فكان يقعد ليفكر في أن مركزه كسكرتير للديوان لا يؤهله لأن يتقدم إلى الأمير بطلب يد أخته منه ، ولكن لا يعقل أيضا أن يمضي هو متنعما بمراده تاركا خليله الوحيد وراء ظهره يتقلب في ناره . فكيف التدبير وما العمل ؟! .. أيضحي بقلبه وسعادته من أجل صديقه ممو ويظل إلى جانبه يواسيه ويقاسمه ضره ؟ أم يبحث عن سبيل لإمكان وصولهما معا إلى أمنيتهما المنشودتين ؟ ولكن كيف العثور على هذا السبيل الخفي الشائك ؟؟!! ..
وهكذا أضحى كلا الخليلين مظهرا للقلق والتفكير الدائم مما جعلهما محورا لتفكير الاهل والأقربين ، والحيرة في شأنهما .
وذات أمسية ، وبينما كان ممو و تاج الدين جالسين في ركن من قاعدة الضيافة التابعة لدار تاج الدين وشقيقه مع زمرة من الأهل والأصحاب يتسامرون ، مرت من أمامهم الطبيبة العجوز وألقت التحية عليهم ، وكانو قد سمعوا باسمها وتذاكر معظمهم في استدعائها لعرض حالة ممو وتاج الدين عليها ، فردوا عليها التحية وطلبوا إليها الجلوس معهم بعض الوقت . وبعد أن استقر بها المجلس سألها عارف قائلا : ’’ من أين أنتي ايتها الخالة وما شأنك ؟‘‘ .
– ’’ أما أنا فمن قرية صغيرة تقع وراء ذلك الجبل وتبعد عنه قليلا ، وأما شأني طبيبة أسيح في أنحاء البلاد لإغاثة المرضى ومعالجة شوؤنهم ..‘‘.
– ’’ وما هي الأمراض التي تعالجينها ؟؟ ‘‘ .
– ’’ الواقع أنني اشتهرت في المهارة في معالج الأمراض النفسية والروحية فقط. غير أني استطيع بحكم مراني الطويل معالجة غير ذلك أيضا من الأمراض البدنية ..‘‘.
وهنا فاجأها تاج الدين من ركن بعيد في المجلس قائلا :
– ’’ مذا تعرفين من الأمراض الروحية ايتها الطبيبة ؟؟ ‘‘ .
فالتفتت العجوز صوبه واخذت تلحظه بعينيها الضعيفتين حينما كأنما تريد أن تعرف من هو هذا الذي يسأل عن الروح وأمراضها .
ثم قالت له وقد خالها شك في أن يكون هذا أحد اللذين تبحث عنها :
-’’ أعرف يا ابني من هذه الأمراض أنواع كثيرة ، كنت قد عالجتها في كثير من الناس ، فهل تشكو – لا سمح الله – شيئا منها ‘‘.
وقبل أن يجيبها تاج الدين بادرها ممو قائلا :
-’’ ما هو أشد أنواع هذه الأمراض أيتها الخالة ؟؟ وهل لكي أن تصفيه لنا وتحدثينا عنه ؟ ‘‘.
فنظرت اليه وقد قوي شكها وغلب على ظنها أنها أمام ضالتيها المنشودتين . ثم تنهدت بعمق وقالت له :
’’ أشد أنواع هذا المرض يا بني ، نوع – لا أذاقك الله إياه – يسري من الألحاظ . ويسلك طريقه في الألحظ .. ثم يتخذ مستقره في القلوب . هو في أول أمره رعدة في المشاعر ، ودقات بين ألواح الصدر ، وتلون على ملامح الوجه . فإذا نمى وترعرع فهو برق يستعر وميضه في الأحشاء ، تتلظى الجوانح بناره من غير لهب ، ويشوى الفوائد في وهجه من غير جمر . ثم إذا استقر وتمكن فهو نهش وفتك لسويداء القلب ، يجرحه بلا مبضع ، وينزعه من غير سنان . فهناك يشخب دمه منهمرا من العينين ، ويذوب الجسم بين بوتقة الحشا وزفرات الصدر . وهناك لا يغني الطبيب ولا عقاقيره ولا يجدي سوى أن تتضامن الروح وتتطأ النار ببرد الوصال ‘‘ .
وسكتت العجوز هنا .. فقد لاحظت نشيجا قويا بدا يتعالى من صدر ممو الذي لم يعد يملك دموعه ، واصفرارا شديدا تلطع به وجه تاج الدين الذي أطرق ذاهلا ، واتفتت إلى بقية الجالسين وقد خشعت ملامحهم ، وداخلتهم رقة شديدة من أجل ذينك المسكينين الذين لم تعد تشك في أنهما ضحيتا الأميرتين في اليوم التاريخي الفائت .
ثم أنها قامت من مكانها تؤم الركن الذي كانا يقبعان فيه وربتت على كتفيهما قائلة :
’’ لا بد أنكما يا ولدي تعانيان مجهودا أو ألما من هذا النوع ، ولكن لاضيرعليكما ، فإن دوائكما عندي ‘‘.
ثم توجهت إلى بقية الحاضرين وقالت :
-’’ لا بد لي من تشخيص أمر هذين الشابين ، ولابد أن يكون ذلك على خلوة معهما ، فهل أستطيع أن التمس منكم الموافقه على ذلك !! ‘‘ .
وبعد قليل .. كانت الغرفة قد أصبحت خاليه إلا من المريضين .. وطبيبتهما التي أخذت تسرح فيهما وتقلبه لتجد شابين رائعين لم يتخطيا ربيع العمر ، تبدو على مخايل كل منهما معاني العز والمجد ، إلى جانب ما يظهر في شكليهما من سيما الروعة والجمال ، على الرغم مما اصطبغت به ملامحما من مظهر الكآبة والإنكسار .
وبعد أن مضت تواسيهما مستدرجة لهما في الحديث عن شأنهما وقصتهما إلى أن فهمت كل شيء ، فابتسمت قائلة :
’’ ليطب خاطركما يا ولدي ولتقرعيناكما فما أنا والله إلا رسولا من أميرتي بوطان إليكما لأسري عنكما وأواسي جرحكما ، وها هو ذا خاتم كل منكما …
ولم تكد العجوز تنطق بهذه الكلمات وتمد يدها لتريهما الخاتمين حتى دار بكل منهما فضاء ، وغشيتهما موجة شديدة من الذهول لم يستطيع ممو أن يثبت بأعصابه أمامها فهو كطفل صغير يقبل إلى أحضان العجوز يقبل أذيالها ويتشبث بأطرافها دون أن يملك رشدا . بينما ظل تاج الدين فترة من الوقت مشدوها يحملق في العجوز دون أن يستطيع نطقا أو يملك حراكا ..
أما العجوز .. فما إن أبصرت منظرهما ذاك ، وما آلت إليه حالهما ، حتى داخلتها رقة شديدة من أجلهما ، وفاض قلبها حنانا لهما ورحمة ، فأخذت بيمين كل منهما قائلة :
’’ لا داعي إلى كل هذا الهم والغم يا ولدي … فوحق الله المعبود لم أدعكما ما حفلني التوفيق حتى أبلغ بكل منكما إلى أمنيته وهواه .. ولن يطيب لي الموت إلا بعد أن أراكم أنتم الأربعة … وقد جمعكم الشمل وأظلكم نعيم الوصال وما على كل منكما الآن – لكي أستطيع الشروع بالمهمة منذ الساعة – إلا أن يخبرني عن اسمه ويطلعني على شأنه ومركزه في هذه الجزيرة . كما وأرجو وقد اتيتكما بخاتميكما أن تسلماني هذين الخاتمين لأعود بهما إلى صاحبتيهما تجنبا لإفتضاح الأمر .. ولن تطول غيبتي عنكما ، بل لا بد أن أعود إليكما قريبا بالجواب .
فتهللت أسارير تاج الدين ، وقام فأعطاها خاتم ستي الذي كان معه بعد أن عرفها باسمه وشأنه ، أما ممو فإنه أطرق قليلا ثم قال للعجوز :
’’ لعلكي يا سيدتي تعذرينني إذا قلت بأنه ليس بوسعي إعطاء هذا الذي تريدين .. ولعلكي تصدقينني إذا حلفت لكي بأن هذا الخاتم الذي عندي هو اليوم بقية روحي التي تخفق بين جنبي ! ومن ذا يستطيع أن يعمد إلى روحه فينتزعها ؟! … لا يا سيدتي … إنني أتشفع إليك بناري التي تذيب أحشائي ، وأتوسل إليك باسم ( زين ) أن تتركيها في هذه البقية من الرمق ، وتدعي هذا الخاتم في يدي …‘‘.
وسكت قليلا كأنما يغالب آلاما تثور في نفسه . ثم مضى في حديثة يقول :
’’ والآن دعيني يا أماه .. وأنتي رسول قلبي الضائع … أبثك رسالة نفسي إلى ربة هذا القلب : قولي لها أنه مسكين من الناس … لا يبلغ أن يكون كفؤا لذوي الإمرة والسلطان . غير أن سهام الحب طائشة .. لم تكن تفرق يوما ما بين فؤاد مسكين وأمير ، وهو اليوم لا يتطاول إلى مركز ليس أهلا له ، ولكنه يتطلع إلى عطف من شأن الامراء أن يشملو به عامة الناس ، وحسبه من هذا العطف أن تخطريه على بالك بين وقت وآخر .. وأن تسالي عن حاله ولواعجه بين الفينة والأخرى ‘‘…
فتأثرت العجوز من لهجة كلامه ، ولم تجد بدا من أن ترحمه فتدع الخاتم في يده . وبعد أن حاولت مواساتهما فترة من الوقت قامت فودعتهما .. ووعدتهما في العودة بأقرب حين .


إنه الحب


ولنسرع الآن إلى القصر قبل عودة العجوز ، لنعلم ما الذي آلت إليه حال ستي و زين ، منذ أن خرجت من عندهما ولم تعد .
والواقع أنهما أخذتا تنتظرانها على أحر من الجمر ، وترقبان رجوعهما بين كل ساعة وأخرى . فقد تركتهما لتذهب فتستكشف لهما السر المخبوء ، وتأتيهما بالخبر اليقين عن حقيقة تينك الجاريتين اللتين شغلتا قلبيهما و فكريهما ، ولكنهما ذهبت ولم تعد .. ! وبطول غيبتها عنهما استبد بهما القلق وزاد اضطرابهما ولم يعد يقر لهما قرار ، ويهنأ لهما مأكل أو مشرب ، وأخذ الفكر يذهب بكل منهما مذاهب متشعبة فيما يمكن أن يكون السبب في تأخر عودة العجوز !
وبينما كانتا ذات يوم جالستين في إحدى مقصوراتهما الخاصة من القصر تتحدثان ، إذا بطارق يستأذنهما في الدخول . وما إن توجه نظرهما نحو الباب ، حتى أبصرتا العجوز بوجهها المتغضن وظهرها المنحني واقفة أمامهما ، ترمقهما بابتسامة عريضة ذات مغزى …
وهبت الأميرتان تطوقانها ، وتبثانها شوقهما ، ثم أسرعتا فأجلستاها بينهما ، وأخذتا تسألانها عما استطاعت أن تصل إليه في كل هذه الغيبة من المعلومات ، وعن مدى ما كشف لها علمها وبحثها عن سر تينك الجاريتين ومكانهما .
فقالت لهما وهي لا تزال تلهث من التعب :
-’’ أقسم لكما أميرتيّ بالخالق الذي أولاكما هذا السحر والجمال أنني آتية الآن من عندهما . وإن قلبي لا يزال يخفق رحمة وحنانا لمنظرهما . وا كبدي لهما يا ابنتي … كلما سمعا باسم ستي وزين التهب فيهما الدم نارا ، وتمشت في أوصالهما رعدة تثير الرحمة لهما والإشفاق .
هما والله يا ابنتي خير شابين أبدعهما الله لطفا وجمالا وشهامة وكمالا . وما عجبي من ذلك بمقدار عجبي من أنكما – فديتكما – كيف وفقتما لانتقائهما . واهتديتما في ذلك الجمع الحاشد إلى مكانهما ! فهما والله – سواء أكانا أميرين أم زعيمين أم بسيطين من الناس – خير كفؤين لكما ، ولائقين لجمالكما .‘‘
وكان طبيعيا هنا أن تتملك كلا من ستي وزين حيرة بالغة وتطوف بهما دهشة شديدة من هذا الكلام . فقد كانتا تتصوران كل محتمل لشأن الجاريتين ، سوى أن تكونا رجلين من الناس قام في ذهنيهما ذلك اليوم مثل ما قام لديهما أيضا من التنكر وإخفاء الحقيقة … فلم يكن ذلك الأحتمال ليتطرق إلى خيالهما قط .
واستفاقتا من حيرتهما ودهشتهما لتشعرا بلواعج حب شديد قد ظهرت في مشاعرهما ، وأخذت تتضرم سعارا في قلب كل منهما . كانت في الماضي آلاما واضطرابات حول السر المخبوء الذي لا تعرفانه ، ولكنها اليوم أصبحت حقيقة أخرى ذات خطورة أشد .. فهي الحب .. الحب الذي بدأت رعدته تسري في مشاعر كل منهما من الفرق إلى القدم !
ثم أنه لم يطل التفكير في الموضوع بعد أن شرحت العجوز لهما عن تاج الدين وممو كل شيء .. وبعد أن نظرتا حولهما فلم تجدا سوى العجوز التي قد أضحت خبيرة بحالهما مطلعة على سرهما . فقالت لهما إحداها :
– ’’ لعله ليس خافيا عليك – أيتها الخالة – أن خبرك هذا زاد في قلب كل منا آلاما طارئة .. وأرهق مشاعرنا بإحساسات جديدة .. ولسنا نرى غيرك الطبيب لآلامنا ، ولن نجد إلا لديك العلاج لقلبينا . ولن نقدر أن نتصرف في شىء من هذا الأمر إلا بسعيك ، ولا نتكلم عنه إلا بلسانك . فهل لك أن تتحملي من أجلنا شيئا من الجهد وتكوني لساننا الناطق في هذا السبيل !‘‘.
فأجابت العجوز متهللة :
’’ إنني منقادة يا أميرتيّ كل ما تبغيانه وتأمرانني به . وأي جهد هذا الذي سيلحقني في سبيل إسعادكما ؟ بل أية راحة سأشعر بها ما دمتما معذبتين كما أرى ؟ ‘‘
فقالتا لها :
’’ إن كل ما نبغاه هو أن تسرعي فتعودي إلى ذينك الشابين لتنوبي عنا في مواساتهما ومعالجة شأنهما ، إذ لا ريب أنهما الآن يعانيان مزيدا من الآلام التي حدثتنا عنها . هدئي أيتها الخالة من كربهما ، وامسحي بدلا عنا بيمينك زفراتهما ، قولي لهما : انعما بالاً ، فلستما وحيدين في هذه المشاعر والآلام . إن تينك اللتين صرعكما حبهما في ذلك المساء … بين تلك الشعاب … تذوقان معكما على البعد مثل ذلك . كان قبل اليوم عطفا عليكما ورقة من أجلكما ، وهو الآن حب يخفق به قلبيهما كما يخفق منكما ذلك وتقاسيان منه كما تقاسيان ولئن استطعنا أن نكتم هذه اللواعج إلى اليوم ، فإن ذلك لسلطان الحياء و حاجبه المسدل علينا .. و لقد آن لهذا الحجاب أن يزاح عنكما .. لتعلما أننا قد ارتضيناكما رفيقني لحياتنا حسب الإختيار الذي دل عليه خاتم كل منا منذ لقائنا في ذلك اليوم المشهود . ولكل منكما إذا شاء أن يتقدر اليوم إلى الأمير لخطبتنا منه . فيسع إليه عن كل منكما أناس يعرضون عليه الخطبة . وآخرون من ذوي الشأن يتوسطون إليه في رجاء القبول . أما المكان والشأن .. والغنى والمال والمهر .. فقولي لهما أنهما رضيتا من ذلك كله بالحب الذي خفق في قلبيهما منذ ذلك اليوم واتضح مدى إخلاصه .
وكل ما امتدت إليه طاقتهما بعد ذلك من الدنيا وأسبابها فهو منهما مقبول وجميل .. هذه هي رسالتنا – أيتها الخالة – بلغيها عنا إليهما على أحسن وجه ، فعسى الله أن يكون مقدرا لنا في أزله سعادة الواصال ، كما قدر علينا في غيبه ارتشاف كأس هذا الحب . ‘‘ .
البشرى

ليس أجمل لنفس العليل المدنف الذي تسعرت جوانحه في سموم الحب من ساعة تفجؤه ببشارة الوصل والرضى ، وتحمل إليه من محبوبه صوت الحنان والعطف فينتفض قلبه بذلك من مرارة اليأس وآلامه . إن فيها لحنا تعجز عن أداء مثله الأوتار ، وجمالا لا يشع مثله من منظر الخمائل والزهور ، وفيها نشوة لا ينبعث سرها من سائر أنواع الخمر .!
إنها تلك الساعة التي طنت دقاتها في مسمع ممو وتاج الدين حينما عادت العجوز إليهما بمظهرها الأول حيث أهدتهما البشارة على أحسن وجه ، وبلغتهما رسالة الأميريتن بالنص . ولم تكن رسالة وبشرى فقط بل كانت بلسما لدائيهما ، وروحا جديدا سرت في جسميهما .
وغمرت العاشقين لحظات من النشوة والفرح ، وطاف بهما من حديث العجوز أريج عطري بديع ، وتموجت في سمائهما من صداه أنغام سحرية سرت في مشاعرهما ، وأسكرت لبهما . ثم قام فنفح كل منهما طبيبته المبشرة ما استطاع من الهدايا والمال لقاء تلك البشرى التي زفتها إليهما .
وهب الصديقان يسرعان إلى الأقارب والأصحاب يقصان عليهم لأول مرة قصة حبهما ، ويبلغانهم البشرى التي وصلتهما . فعمهم الابتهاج والفرح ، لا سيما عارف وجكو اللذين كانا في حيرة بالغة من أمر أخيهما تاج الدين وصديقه .
وفي صباح اليوم التالي تألف منهم جمع من وجوه الجزيرة وأعيانها وعلى رأسهم شقيقا تاج الدين ، وانطلقوا متوجهين إلى قصر الامير زين الدين ليكلموه في الشأن ويلتمسوا منه قبول هذين الصديقين صهرين له . ولكنهم رأوا فيما بينهم أنه لا بد لكي يضمنوا إجابة الأمير لخطبة ممو أيضا أن يلتمسوا أولا يد الأميرة ستي لتاج الدين دون أن يذكروا شيئا عن صاحبه ، فإذا ما أجاب اتخذوا من ذلك فيما بعد وسيلة لالتماس يد الأميرة زين لممو ، وسيمهد ويهيئ لذلك ما سيحدث من احتكاك ممو بالقصر وتقربه إلى الأمير بسبب ما بينه وبين تاج الدين من المودة والعلاقة الشديدة.
ودخل الوفد ديوان الأمير .. وأدوا أمامه مراسم التحية والإجلال .. وبعد أن استقر بهم المكان نهض عارف مستأذنا الأمير في الكلام ثم قال :
– ’’ مولاي صاحب السلطان : إن لنا في عطفكم الذي امتد ظله مع امتداد سلطانكم الشامل ما يشجعنا على أن نعرض في رحابكم هذا الرجاء :
لا ريب يا مولاي أن العزيز منا من شرفته بعنايتك ، ولا يفيده بعد ذلك أن تحاول الدنيا إذلاله ، والمهين من حرم من عطفك ، ولا تغنيه بعد ذلك أي قوة يركن إليها أو سلطان يعتز به .
وإن تاج الدين يا مولاي وإن كان له في سلالته فخر الإمارة والمجد إلا أن شيئا من لك لا يقدمه إن لم يشرفه فخر النسبة إليك .. وهو اليوم يأمل من مولاه أن يتفضل عليه بفخر هذا النسب .. ملتمسا منه يد الأميرة ’’ ستي ‘‘ ولقد سعينا إلى رحابكم لعرض رجائه هذا مع عرض أملنا عليكم في قبول هذا الرجاء . فهو يا مولاي أخلص خادم يستأهل عطفكم ، ولعله أليق شاب بالتشرف بمصاهرتكم . ‘‘.
ثم عاد عارف فجلس في مكانه . وتعلقت أنظار الجميع بشفتي الأمير ينتظرون جوابه . ولكن الأمير لم يطل تفكيره ، بل سرعان ما نظر إليهم قائلا :
’’ الحق أنه ليس لدي ما يمنعني من الإجابة إلى ما تطلبون ، بل أنا سعيد بموافقتكم فيما أجمعتم على رؤيته لائقا وموافقا . فليتقدم إلينا من كان وكيلا عن تاج الدين في هذا . واطلبوا لنا القاضي الذي إليه إبرام العقود ، فقد قررنا عقد نكاح ستي على تاج الدين منذ الآن . ‘‘.
فهب جكو من مكانه منكبا على يد الأمير يقبلها ويشكره بحرارة ولهفة وتابعه الجميع يشكرونه على تفضله وعطفه . بينما تابع الأمير حديثه قائلا :
’’ لا ريب أن هذا الشاب قد أمضى أياما طويلة في خدمتنا ووقف حياته بإخلاص لنا . وإن من شروط الوفاء علينا أن نقدر فيه إخلاصه ، ونؤديه حق خدمته ، وأن نقوم بواجب هذا الوفاء له اليوم . ولا بورك لي في الإمارة والسلطان إن لم أعطه حقه كاملا غير منقوص ، وإن لم أجعل له في رحاب قصري هذا محفلا تزدان فيه الولائم والأفراح ليالي وأياما ‘‘ .
ثم التفت فاستدعى رجال القصر قائلا :
’’ عليكم أن تبادروا من الآن في إعداد العدة وتهيئة الوسائل والأسباب لإقامة الأفراح ومجالس الصفو والمرح . هيئوا لها كل ما طاب من أنواع الشراب ، وادعوا إليها كل أصحاب الطرب والغناء ، فلسنا نضمن من الحياة إلا هذه السويعات التي حولنا .لسنا ندري وليس أحد يدري أسوف نظل في مثل هذا الحين من الغد نملك حياتنا ، أم سيتخفطها منا القدرالمحتوم .
هذه الحياة وبهجتها ، وهذا السلطان وأبهته ، وهذا الفلك الدائر من حولنا ، كل ذلك مظاهر لااطمئنان إليها ولا أمان لها ، هذه الأشكال التي يتضرب فيها النور الساطع بالظلمات القاتمة ، وهذه الصور التي تمتزج فيها النور الساطع بالظلمات القاتمة ، وهذه الصور التي تمتزج فيها مباهج الأفراح والأعراس بمآسي المآتم والأحزان ، كل ذلك يحذرنا من تفويت الفرص بعد حلولها وينبهنا إلى تدارك ساعات اللذه قبل غروبها . فالدهر لم يكن يوما ما يفرق في خداعه بين شيخ وأمير ، وسلطان وفقير ‘‘.
ثم التفت إلى شقيقي تاج الدين ومن معهما ، وابتسم قائلا :
’’ فلأكن واحدا منكم من أجل تاج الدين اليوم . ولتحسبوني من جملتكم في السعي إلى هذا الطلب ، والقيام في سبيل إرضائه ..‘‘
وفي مساء اليوم التالي كان القصر قد أمسى قطعة من الفردوس ، مما كان يتألق فيه من مظاهر البهجة والزينة وتتراقص في كل أنحائه كل معالم المرح والترف ، كما غص كل نواحي القصر وأطرافه بمختلف الطبقات والأشكال من الناس . وأقيم في ردهته المتسعة خوان عظيم امتد به الطول والعرض امتدادا شاسعا ، وصفت من فوقه عشرات الطباق الفضية التي استدير بعضها على شكل نجوم ، وقوس بعضها الآخر على شكل أقمار ، وأقيم فوقها قباب من أغطيه فضية تتألق في هندسة ما تحتها وشكله ،وقد كمن تحت كل منها خروف مشوي لم تمس هيأته ولم يتغير شكله ، كما حشر بين ذلك مئات من أطباق الفاكهة والحلوى ومختلف ألوان الطعام و نثرت في سائر الأطراف كؤوس يترقرق فيها ألوان الشراب .
ولم يكد العشاء يرتفع حتى بدأ الحفل من جديد ، واتخذ الناس أمكنتهم في الشرفة الواسعة التي تطل على حديقة القصر . وجيء بمختلف ألوان الشراب في أباريق مفضضة بديعة ، يديرها غلمان قد أفرغوا في أروع قالب من اللطافة والخفة والجمال . وأدير أرق أنواع العطور ، فانتشر شذاها في الحاضرين متهاديا مع نسيم الليل وأضوائه . ومع حفيف ذلك النسيم أخذت أصوات الغناء تنساب إلى الآذان في جو حالم خلاب بألحان الفرح والبهجة . فرادى حينا ، وحينا تنساب أصواتهم جميعا في مقامات وألحان سحرية تتردد أصؤها حلوة بديعة بين حفبف تلك النسمات العطرة التي تداعب القوم في سكون حالم .
وفي تلك الأثناء أخذت أنظار الجميع ترتكز على مقعد في صدر المكان ، حيث كان يجلس فيه تاج الدين ، وقد بدا في عينيه بريق الأمل السعيد ، وتجلت في ملامح وجهه فرحة السعادة . وكان كل من يدقق في نظرته يدرك بسهولة أنه لا يكاد يرفع بصره عن ناحية بعينها في ذلك المجلس ، فإذا ما تبع بصره إلى تلك الناحية رأى هنالك ’’ ممو ‘‘ وقد جلس جلسة تدل على أنه منطو على نفسه انطواء تاما ،فهو لا يكاد يشعر بشيء مما حوله . ونظرة في عينيه الذابلتين ، وفي ملامح وجهه الذي أماله وأسنده على ظهر كفه في إطراقة طويلة – تدل على أن شيئا من سحر ذلك الجو وجمال تلك الأوتار والألحان لا يلامس نفسه ، اللهم إلا لمسة عابرة غير مبالية ، كأنما تقول له : ’’ لا أعرفك … ولست من أجلك ..‘‘
و بينما الناس في تلك الأثناء إذ سكت كل شيء .. وهب الناس جميعهم قياما .. فقد دخل الأمير في تلك الساعة . وقبل أن يصل إلى الصدر الذي كان يجلس تاج الدين في بعض مقاعده نهض هذا من مكانه مسرعا فقبل يده . فأخذ الأمير بيمينه ومضى به فأجلسه إلى جانبه بعد أن أشار إلى الحشد الكبير بتحية باسمة .
ولم يكن يخفى على الأمير أن بين تاج الدين وممو ودا شديدا ومحبة صادقة ، فأخذ يجيل النظر في هدوء باحثا عنه إلى أن عثرت عيناه عليه ، ورآه ساهما مطرقا . فأدرك أنه ربما أوحشه أن يكون بعيدا عن صديقه في هذا الحفل الذي يقام من أجله ، فاستدعاه إليه ثم قال :
’’ أنت صديق تاج الدين وصاحب وده . وليس ثم أقرب منك إليه وأليق بأن يكون ’’ حفيظه ‘‘* منذ الليلة إلى آخر أيام عرسه . فتعال واجلس إلى جانبه هنا .‘‘
فانحنى ممو للأمير قائلا :’’ أمر مولاي .‘‘ ثم تراجع وجلس إلى جانب تاج الدين .
وعاد الطرب والغناء ، وعادت الكؤوس تدور . وكانت ليلة رائعة أضفت على كل الحاضرين سعادة وأنسا . وامتدت تلك الليلة السعادة امتداد الليل ، حيث كانت نهايتها أول أساس في بناء عرس تاج الدين . وكان ذلك الأساس هو عقد نكاحه على الأميرة ’’ ستي ‘‘ .

* حفيظ العريس هو ذاك الذي مكانه بجانبه ويمشي ورائه كأنما هو حارسه. وهي عادة من عادات الأكراد في أعراسهم . ويختار الحفيظ من أخلص أصحاب العريس وأقربهم إليه .


العرس


ونعود الآن مرة أخرى إلى رحاب قصر الأمير بعد أن مضت مدة على نكاح تاج الدين ، وانهمك خلالها في إعداد العدة وتهيئة اسباب العرس . وقد غصت ردهة الطابق العلوي منه بعشرات الوصيفات اللواتي أخذن في تهيئة شتى وسائل الزينة والتجميل للأميرة العروس وأختها ، وليضفين على فتنتها روح الأناقة ، ويزدن في سحرها روعة الصنعة .
وأقبلن إلى العروس يسرحن النظر أولا في شعرها … شعر كستناوي في نعومة الحرير .. قد تموج من سائر أطرافه في غزارة منسابا إلى ما تحت المنكبين في بهاء وفتنة … وتمايلت من أعلاه خصل ملتوية فوق الجبين في دلال ولطف ، بينما استدار سائره أمام الصدغين وحول الوجه في تجاعيد رائعة ذات سحر . تصميم إلهي بديع لا يستطيع أي مخلوق أن يلمس في روعته نقصا ليكمله ، أو خطأ ليعدل فيه .
وانتقلت أبصارهن إلى العينين … عينين واسعتين تنظران بسهام الفتك ، تحت حاجبين ينطلق منهما مثل ما ينطلق من كبد القوس وأهداب ناعسة سوداء في سواد الليل … تسترخي على تلك المحاجر استرخاء شاعريا يفعل في الألباب ما تفعله الخمر . هذه الفتنة من الكحل الإلهي العجيب ، وهذا البريق الساحر المنبعث من هذه النظرات ، أي إثمد أو صبغ في الدنيا له أن يغير من ذلك ويبدل ؟!
ثم استدارت أنظارهن إلى القوام .. قوام مياد أفرغ في أروع قالب من التناسق والجمال ، وصمم في أدق تكوين إلهي معجز . فجاء منسجما من كل أجزائه وأطرافه ، يبعث بعضه الفتنة في بعض . فأي يد من أيدي التقليد والصنعة تزعم أنها ستزيد فيه روعة وإبداعا ؟
ووقفت الوصيفات من حول ستي في جمود وذهول يمجدن خالق هذا الجمال ، وقد اعترفت حيرتهن بأن الجمال الذي صورته يد الخالق لا سبيل ليد المخلوق في تغييره .
ثم رأين أن ليس لهن إلا أن يتوجن ذلك الجمال بإكليل رصع بالدر وأثمن أنواع الماس . يضعنه فوق جبينها المشرق وبين أمواج ذلك الشعر الحريري الرجراج . أما قوامها فقد تركن فتنته تشع من خلف ثوب من القطيفة البيضاء ، سرت فيه نقوش رائعة من خيوط الذهب الخالص ، وقد التف من الاعلى على جسمها التفافا يبعث السحر . بينما اتسع من الأدنى اتساعا كبيرا ، وترك له ذيل طويل يتهادى من حولها على الأرض . أما نحرها وما دون ذلك إلى الصدر فقد ترك إشراقه باديا ليتألق فيه عقد من الماس تدلت من سائر أطرافه على النحر حبات اللؤلؤ النادر .
وانصرفن بعد ذلك إلى ’’ زين ‘‘ ولكنها كانت أغنى من أختها عن التجميل المصطنع لقد كانت هي وحدها الآية التي دلت على أن للإبداع الإلهي أن يسو على فتنة ’’ ستي ‘‘ وجمالها فلم يكن الشأن في تزيينها يحتاج أكثر إلى مما قمن به بالنسبة لأختها ..
ولم تمض سوى مدة قصيرة حتى انبعث من قصر الأمير موكب يتهادى من وراء صفين من الخيول المزينة ، موكب يزدان بأفخم مظاهرالجمال . عشرات من الوصيفات والجواري يتمايلن في أبدع أنواع الزينة والحلي ، تتوسطن غادتين لو أن الشمس الساطعة في السماء انقلبت إلى انثى من بنات حواء لما استطاعت أن تكون في سحرها وجمالها ! من ورائهن عشرات الغلمان الذين أفرغت عليهم كأس الزينة بأنواعها ، يحملون أطباقا متألقة ملئت بالحلوى والنفائس والتحف .
وبدأ الموكب الرائع يعوم في يمٍّ متلاطم من الخلائق ، الذين تدفقت بهم الجزيرة من شتى نواحيها ، يتطلعون في ذهول إلى تينك الغادتين اللتين طالما سمعوا بهما ، وحرمهم القصر رؤيتهما . ومضى الموكب يمخر العباب … ويتهادى في وسطه ، والأعين كلها شاخصة في مشرق تلك الفتنتين إلى أن رسا أمام قصر تاج الدين … وهو قصر شيده على أبدع ما تخيله من طرز . رفع أعمدته وفرش أرضه وجدرانه بأفخر أنواع المرمر المتألق ، وجعل أبوابه ونوافذه من الصندل والأبنوس النادر ، ثم حلىَّ أطرافه وسقفه بنقوش دقيقة من ماءالذهب الخالص .
وما إن دخلت العروس إلى الردهة الخارجية للقصر حتى رفعت فوق عرش فخم من الأبينوس كان ينتظرها هناك .
وفي مثل طرفة العين اعتلى ذلك العرش فوق عشرات الأيدي والأكتاف . يتهادى وسط ذلك الخضم من الناس ، وبين صخب ممتزج من الزغاريد وأصوات الدفوف والمعازف وعبارات الدهشة والإعجاب ، حيث صدِّر أخيرا في بهو الطبقة العليا من القصر ، بينما كانت الجموع الحاشدة من المدعوين يجلسون في جناح آخر منه ، تطوف عليهم كؤوس الشراب ، وقعد إلى جانبه ’’ ممو ‘‘ وقد بدا في مثل أناقته ومظهره . وراحت جزيرة بوطان كلها تسهر في ثمل ومرح . وتتمايل في أحضان اللهو والطرب . وتوارت من وجه الدهر كآبته ، وأخذ يطل على الناس بخالص من مظهر الصفو والسعادة . كؤوس الراح تدور ، ورنات العيدان وصوت الغناء والدفوف يشق جو السماء ، ومئات الجواري والشباب يرقصون رقصات جماعية فتانة تتهادى معها القلوب والمشاعر . وظهرت في تلك الأثناء أطباق فضية فوق أكف رجال من حشم القصر قد فاض كل منها بأكوام من الذهب والفضة وكرائم التحف ونفائسها ، حيث أخذوا ينثرون تلك الأكوام من علو فوق تلك الجموع المحتشدة في سائر جهات القصر و أنحائه ، فتتفرق فيما بينهم في بريق كأنها النجوم تتهاوى عليهم في غزارة من السماء . وعم كرم الأميرجميع الناس . وأدخل الفرحة والبهجة إلى جميع القلوب . فكم من فقير في تلك الليلة استغنى ، وكم من عديم أيسر ، ولك تزل هذه الأفراح على هذا المنوال قائمة لا تهدأ إلى سبع ليال كانت كلها مجمعا للصفو والمرح ، ومقدمة بين يدي ساعة العمر … ساعة الوصل بين ستي وتاج الدين .
وفي ساعة السحر من الليلة السابعة ، والأفراح دائرة وقلوب الناس مستطيرة – كان قد بلغ الشوق بالعروسين أشده ، واستعرت نار الشوق في ضلوعهما ، وامتزج وهجه بندى ذلك السحر ونسيمه ، وأخذ كل مظاهر الأنس والبهجة من حولهما يلمس فؤاديهما لمسة كاوية . يلتف بها النسيم ، ويقام من حولها الخشيم ، لا بد أن تتوهج وتتلف …
هنالك … وفي لحظة من تلك للحظات المتموجة في نسمات ذلك السحر – انفتح بابا تلقاء الأريكة التي كان يجلس عليها تاج الدين ظهرت ورائه مقصورة مزينة تميس في فتنة حالمة … وقد فاح من أركانها أريج العطر ، وأقيم في سائر أطرافها شموع تشع بأضواء مختلفة الشكل تنتشر في جوها نورا ناعسا ذا جمال وسحر ، كما نظمت في بعض جهاتها أطباق صغيرة مذهبة شُكل فيها ألوان الحلوى ووسائل التسلية . ثم ظهرت في أيدي جمع من ذوي العروسين شمعة باسقة ، في طول القامة . وقد وشيت أطرافها بأغصان من ماء الذهب ، وتوج أعلاها بإكليل من الزجاج المنقوش يشع من ورائه لسان من النور المتوهج .. حيث أقاموها في وسط تلك المقصورة تلقاء نظر تاج الدين ، لتقول له بلسان حالها :
’’ أيها العاشق الذي أفقده الشوق صبره وقراره .. يبدو أنك مثلي فما أقاسيه من ألم واحتراق ..
إذن فقم من مكانك هذا الذي سئمته إلى حيث تنتظرك عروسك …
قم فقد آن أن تذوق بعد هذا الذي عانيته – نعيم الوصال …
قم فإن شمعتك مثلك في الإنتظار .. تقاسي مثل ما تقاسيه جوانحك …
من نار الإصطبار …
حسبك مثلي ذوبا واحتراقا … وكفاك مثلي دموعا وتسكابا …
إن ذلك النور الذي ضاع ورائه قلبك .. هو ذا أمامك اليوم … فلترتم في أذياله ، كما تفعل الفراشة الملتاعة .. إذ تنثر روحها على أذيال اللهب .
أيها الساعي … طالما أتعبت قدميك ابتغاء الوصول إلى هذا المطاف ..
أيها السالك .. كم أظمأت كبدك قصدا إلى الطواف …
لقد قدر الله لك كل ذلك في سهولة … وحققه من أجلك في يسر …
ها هي كعبتك .. قد سعت نحوك . وها هو ذا مطافك قد تدانى إليك …
أيها العاشق السعيد .. قم لتطوف وتلتزم .. وتقبل وتستلم …
أيها العاشق الظمآن .. قم ، فالكأس مترعة .. وخمرتك في الإنتظار … ‘‘ .
وأدرك تاج الدين من هذه الإشارة وملابساتها أن قد حانت ساعة الوصل ولاح فجره .. فنهض من مكانه في سكينة وهدوء ، وسار نحو المقصورة التي فتح بابها في انتظاره ، وإلى جانبه ممو صديق سروره وأحزانه ، يده في يده وقلبه مع قلبه ، وقد اشتمل على سيف في جنبه ، وهو شأن ’’ حفيظ ‘‘ العروس في العادة . وعند الباب وقف ممو منحازا ليودع خليله ويشير إليه بالدخول ، وكانت لحظات … توارى من بعدها تاج الدين وراء الباب الذي ما لبث أن أغلق ، بينما ظل صاحبه واقفا في مكانه ذلك كأنه حاجب أمين .
ودخل تاج الدين إلى المقصورة ، ليجد عروسه جالسة من وراء تلك الشمعة التي حدثته بدموعها حديث الحب والوصال .. حيث تصافحت عيناهما في سكون حالم وتعانق قلباهما في ذهول طويل ، وتبدلت نار ضلوعهما شهدا وخمرا . وباركت لهما تلك الشموع التي تحترق كؤوسا مترعة من الرحيق .. وشهدت وحدها أجمل لحظات الدنيا لدى الأحبة …
وظل العروسان ثلاثة أيام في انشغال عن الدنيا وما فيها ، يرقدان في مهد الأحلام ، ويستيقظان على الأحلام ، غذاؤهما شهد الوصال ، وشرابهما كوثر الشفاه

أما ممو فإنه لم يشأ – حتى بعد أن انفض الجمع ، وانصرف الجميع – أن يبارح مكنه من قصر صديقه ، إذ كان سعيدا بأن يتولاها لصديقه المحبوب ، تقضي – إذا أريد أن تكون في أسمى درجات الإخلاص – بأن يظل مكانه كأي حاجب مخلص إلى أن يخرج العروس في اليوم الثاني أو الذي يليه ، ليتلقاه ويكون أول من يهنئه من أصحابه
وهكذا اتخذ ممو مكانه في ناحية من فناء صرح تاج الدين الذي كان عبارة عن حديقة غناء تحيط به من سائر جهاته وحملته دواعي إخلاصه على أن يلازم المكان طوال تلك الأيام الثلاثة ، فلم يكن يبارحه إلا بعد منتصف الليل ، أو إلى شأن ضروري له ، ثم لا يلبث أن يعود مسرعا إلى مكانه في انتظار خروج صديقه ليهنئه بحبه الذي سعد به .
والحق أن شعور ممو في تلك الفترة لا سيما بقية الليلة الأولى عندما انفضت حشود الناس ، وطوى بساط ذلك الأنس والصخب ، ولم يبق سواه واقفا عند ذلك القصر وسط سكون الليل – كان شعورا ثائرا ألهب شوق فؤاده ، وأحاطه بمعنى الوحشة والغربة ، وأيقظ آلامه التي بين ضلوعه، وأثار حبه العنيف الذي كان من غير شك أشد من حب تاج الدين . فإذا علمت أيضا بأنه كان قد لمح مليكة قلبه في تلك الليلة والليالي التي قبلها ولمحته أكثر من مرة ، ورأتها عيناه وهي غارقة إلى جانب أختها في أبهى زينة وحلي – أدركت أن شعوره إذ ذاك جديرا بأن يحدث أثرا جبارا في نفسه ، ومن بعيد أن يتحمله مهما آتاه الله وأمده به من جلد وصبر .
غير أن بردا من الآمال المنعشة كانت تسري إذ ذاك في مشاعره ، فتخفف مقدارا من الآلام والثورة في نفسه وتجعل فكره ينشغل بنشوتها عن الإنتباه إلى تلك اللواعج الشديدة .
فلقد كان لا يفتأ – وهو يجوب كالحارس في أطراف القصر وبين حدائقه – يفكر في الك الملاطفة التي أبداها الأمير نحوه تلك الليلة والليالي التي قبلها ، وقد أخذ يتراءى له من ذلك أكثر من دليل على أن آماله قد راحت تزدهر .
إذ هل يمكن أن يعتبر شيء من ذلك التقدير الذي أبداه لما بينه وبين تاج الدين من علاقة الود والخلة ، أو اختياره له خاصة أن يكون قرينه وحفيظه إلى جانبه في عرسه ، أو تلك الملامح الخاصة المفاجئة التي ظهرت في عنايته وعطفه عندما امره بأن يقعد إلى جانب تاج الدين ويتتزين بمثل زيه وحلته ، هل يمكن أن يكون شيء من ذلك إلا أكبر برهان قاطع على أنه لن يمانع أبدا من أن يسعد هو الآخر ب’’ زين ‘‘ وعلى أن يتزوجه بها ، ويقيم لهما مثل هذا الحفل الرائع عند أول إشارة أو رجاء ؟!….
بل من يدري ؟ فقد يكون الأمير لاحظ طرفا من هذا الحب المتمرد في فؤاده وأدركته رقة ورحمة لحرمانه من هذا الحفل البهيج الذي ينفرد فيه صديقه بالسعادة والهناء ، فأراد أن يشعره بالأمل ، ويدخل إلى قلبه البشرى ، فجعل من تصرفه هذا ألطف إشارة إلى ذلك .
وأخذت هذه الآمال الجميلة تجعله يشرع في تصوير حياة سعادته وبناء أحلام حبه . وراح يفكر كيف أنه سيحاول تشييد صرح جميل كصرح صديقه ، وسيجعله يزدان بأبهى أثاث ويحيطه بفتنة خضراء كهذه الحديقة . بل لقد حدثته نفسه بأنه لا بد من أن يشرع في التفكير لتدبير كل هذا من الآن فما أضيق الوقت إذا تقدم إلى الأمير بعد أيام لخطبة حبيبة فؤاده ، وعاجله الأمير في كل شيء كما عاجل تاج الدين ، وما أشد على نفسه الصبر بعد ذلك في انتظار تهييء الجهاز وتدبير الأسباب .
والخلاصة أن حالة ممو النفسية في تلك الأيام الثلاثة التي كانت أول عهد فراقه عن تاج الدين ، والتي قطعها منفردا في فناء قصره ينتظر خروجه ورؤيته – كانت أشبه ما تكون بقوس قزح من ألوان مختلفة من المشاعر والأحاسيس ، لا يمكن أن يسمو إلى تصوريها أي بيان . فلقد امتزج الحب القاسي العنيف بأد لهيب من الشوق وخالطهما الأمل المزدهر في أجمل صوره وأصدق إشراقه ، ثم انبثت كل ذلك مجتما في سائر مشاعره ، وراح يخلق له من بين ضرام الواجد أحلاما سعيدة ، ونشوة عطرة ، وابتهاجا بفرحة صديقه ووصوله إلى مبتغاه .

وفي صبيحة اليوم الثالث خرج تاج الدين … وكان أول ما دعاه إلى الخروج هو تذكره لممو . فلقد طالت غيبته عنه ، واشتاق إلى أن يراه ويطمأن على حالته مع قلبه الجريح .
خرج من القصر .. وأخذ يسير في الحديقة متجها نحو بابها الخارجي قاصدا دار ممو دون أن يعلم أنه لا يزال واقفا هناك ، ولم ينتبه إلى وجوده إلا بعد أن لمحه على البعد وأسرع يجري إليه ..
وهناك امتزج الصديقان في عناق طويل ، ونظر تاج الدين إلى وجه صديقه ، فأدرك أن هناك آلاما ولواعج في نفسه ، قد حاول طيها وجمعها في زاوية صغيرة من قلبه لكي يتسع للابتهاج التام بفرحة أخيه … فتنحى به جانبا من الحديقة وأخذ بكفه قائلا :
’’ أقسم لك يا صديقي أنني لو وجدت أي سبيل لتقديم سعادتك على سعادتي ولو ظهر لي أي طريق يمكنني أن أفتدي فيها هنائي وحبي بلحظة واحدة من حبك وسعادتك لما توانيت عن ذلك . ولكنك تعلم أن هذه هي السبيل الوحيدة لوصول كلينا إلى آمالنا التي علق القضاء قلبينا بها . وثق أنني لن أستسيغ طعم سعادتي التي تهنئني بها إلا بعد أن يسعدني التوفيق في إيصالك إلى مناك وآمال حبك .‘‘
وهكذا ظل الصديقان برهة من الوقت يتبادلان التهنئة والمصابرة . هذا يهنئه من كل قلبه ويشعره بفرحة فؤاده من أجل سعادته ، وذاك يواسيه ويحمله على الصبر ، ويبشره بقرب وصاله هوأيضا .

الصديق …؟؟؟؟ ألا ما أثمن الصديق الذي يتسع قلبه المحروم للابتهاج بسعادتك ، ويقيم وراء صدره المكلوم عرسا يوم فرحك .
هذا الصديق الذي منحتك الدنيا مثله فإفده بسائر مظاهرها ومن فيها ، فإنما هو سراج من أجلك في الظلماء ، وهو أمل لقلبك عند اليأس .


الفتنة


الكون كله منذ فجر الحياة مسرح للصور المتضاد والمظاهر المتناقضة . فهذا الليل والنهار ، والنور والظلام ، هذه الشمس المتوهجة والظلال الوارفة ، هذا الهجر والوصال ، والمآتم والأعراس ، هذه المآسي والأفراح ، وهذا البؤس والنعيم ، هذه الورود الناعمة بين أشواكها الدامية – كل ذلك نماذج لمشهد هذا الكون المتناقض أبدعه الله كذلك ليوجد في كل من الخير والشر معناه ، وليستبين كل منهما بالآخر ويتميز كل عنصر بنقيضه ثم لكي تشيع في الكون روح الحركة والكفاح ولترتبط هذة الخلائق بنظام السعي والتعاون .
ويأبى هذا السنن في الكون إلا أن يجري في قصتنا أيضا ، فيجمع فيها عنصري الخير والشر ويمزج فرحة السعادة بدموع البؤس … وعنصر الشر في هذه القصة هو حاجب خاص لديوان الأمير ، أما اسمه ’’ بكر ‘‘ وأما اسم أبيه فلم يكن يعرف من هو حتى يعرف اسمه . كانت لهذا الحاجب نفس تنطوي على أشد ألوان الخبث والمكر . وكأنما غذيت روحه بحب الفتنة فهو يتعشق الولوج فيها حيثما لاح له بابها . ولم يكن في مظهره قصيرا وقميئا فقط ، بل كان إلى ذلك أجرد الشكل باهت السحنة ذا عينيت تشعان بمزيج من الحقد والكراهية والحسد .
وكثيرا ما كان يقترح تاج الدين للأمير أن لو استغنى عن هذا الماكر الخبيث واستبدل به آخر يكون أليق بالقصر ، وأشرف منه خلقا وأصلا . وكان يقول له عنه فيما يقول :
’’ … إن الحاجب يا مولاي وإن كان لا يرجى منهم فوق ما يرجى من أن الكلاب فيها طبيعة الإخلاص والوفاء أما هذا فإنه لا يعنيه شيء سمى أن يكون وغدا خبيثا …‘‘
فكان الأمير يهز رأسه لكلامه ، ثم يبتسم إليه قائلا :
’’ إن حياتنا يا تاج الدين تضطرنا إلى سفيه من هذا النوع … فإن لنا خارج هذا القصر شؤونا ومصالح … ولنا أيضا هناك مشكلات ذات عقد … قد نحتاج إلى متاعب كثيرة في حلها لو لم نحو من حولنا سفهاء من هذا القبيل . وإن كل هؤلاء الحجاب والحراس الذين تراهم من حول قصور الأمراء والحكام ، لا يراد منهم أن يكونوا حجابا بمقدار ما يراد منهم أن يكونوا أداة بارعة لتسيير شؤونهم وحل معضلاتهم . أما أنه غير ذي نسب وأصل ، فلن يضير شيء من ذلك في مصالحنا ما دامت تقضى ، وأما أنه ذو فتنة و خبث فإن شيئا من خبثه وفتنته لن يتطاول إلينا بمكروه أو ضرر .‘‘
وهكذا أصر الأمير على استبقائه ، ولم يستطع تاج الدين أن يقنعه بوجود ما يدعو إلى طرده والاستبدال به .
ومضت الأيام لك يَخْفَ فيها على بكر أن تاج الدين يكنُّ له كراهية وبغضا ، فطوى في قرارة نفسه أمرا ، وراح يضع بين عينيه خيوطا لفتنة يثيرها على رأس تاج الدين … ومضى يتحين لذلك الفرص السانحة ، إلى أن كانت ذات أمسية ….
كان الأمير إذ ذاك جالسا على انفراد في جانب من حديقة قصره ، وليس من أحد حوله إلا حاجبه بكر الذي كان منهمكا على مقربة منه في تقليم بعض الأغصان اليابسة من أشجار الحديقة وتنسيقها .
ولاحت لبكر فرصة سانحة عندما سأله الأمير : ’’ أجاء تاج الدين في ذلك اليوم إلى القصر أم لا ؟ ‘‘ … فقد أجابه قائلا :
’’ إن تاج الدين يا مولاي لم يمر بالقصر منذ أربعة أيام .‘‘
وسكت هنيهة ، ثم عاد فقال :
’’ كأني أرى يا مولاي أن تاج الدين لم يعد يفرغ للتردد على الديوان كسابق عهده ‘‘ !
فسأله الأمير :
’’ وما الذي أصبح يشغله ؟ ‘‘
’’ لا أدري ، قد يكون مجرد أنه لم يجد داعيا لأن يتردد كثيرا …‘‘ ثم انتهز فرصة تفكير بدت ملامحه على وجه الأمير ودنا إليه قائلا :
’’ الواقع يا مولاي أنه لم يكن يمكن أحد من الناس أن يصدق بأن الأميرة ستي يمكن أن تقدم رخيصة بهذا الشكل لمثل تاج الدين في حين أن جميع أمراء كردستان وسلاطينها كانوا يتمنون هذا الشرف لقاء جميع ما تمتد أيديهم من مجد ومال ‘‘.
فأجابه الأمير وقد بدا عليه التقزز من كلامه:
’’ ومن يكون هؤلاء الذين يحسبون ويظنون ..؟ بل من يكون أولئك الأمراء والسلاطين أمام كل من تاج الدين وشقيقيه ..؟ إن كل واحد من هؤلاء الأشقاء الأبطال يساوي عندنا في يوم واحد من أيام الحرب الكريهة جميع ذلك الركام من الأموال والسلاطين ‘‘.
فلما سمع بكر هذه اللهجة من الأمير أيقن أن ذلك الإسلوب لن يفيده فيما يريد . فغير مجرى الحديث وقال وهو يتشاغل بما بين يديه :
’’ لا شك أنه يجمل بالسادة أن يشجعوا غلكمانهم على المزيد من الاستقامة والخدمة عن طريق إكرامهم وإشراكهم في مجالس صفوهم وأنسهم ، ولكن بشرط أن لا ينسيهم الأنس حقيقتهم ولا يسكرهم عن أداء واجباتهم ، وأن تظل انحناآتهم للأوامر في ساعات الصفو والمرح ، موجودة بنفسها عند الشدائد وفي ساعة الكر والفر .
غير أنني أخشى يا مولاي أن يكون بعض هذا التفضل منصرفا إلى غير أهله فتكون نتيجته الكفران والطغيان . إن البخيل يا مولاي لا تليق بين يديه النعمة والثراء ، والحقير لا يلائمه …‘‘
وهنا قاطعه الأمير بحدة شديدة قائلا :
’’ صه أيها الاقذر ، فما الحقير غيرك . إنني أعلم من هو تاج الدين في حبه وإخلاصه ، وأعلم ما يجب عليَّ فعله ، فلا تتماد فيما ليس من شأنك ‘‘ …
فتصاغر بكر حول نفسه ، وتمتم قائلا :
’’ لقد كنت أظن فيه هذا الإخلاص …لولا أني اطلعت منه على أمر لعل مولاي الأمير لم يطلع عليه ..‘‘
فقال له الأمير في اشمئزاز :
’’ وما هو هذا الذي اطلعت عليه ؟ ‘‘
– ’’ لقد أصبح يا مولاي منذ أوليتموه شرف هذا القرب يستقل بالتصرف في كثير من شؤون القصر الخاصة … ولقد كان أول ما أذهلني من تصرفاته في ذلك هو أن راح يقدم الأميرة ’’ زين ‘‘ إلى صديقه ممو ، ويعده بتزويجها منه …!‘‘
وما إن سمع الأمير هذا الكلام حتى أخ الذهول منه كل مأخذ ، وهب من مكانه يدير عينيه فيما حوله من الفضاء قائلا :
’’ ماذا ؟ تاج الدين … يتصرف في مثل هذا الشأن دون أن أعلم ..؟ تاج الدين يقوم بتزويج شقيقتي لمن يريد . دون أن يستشيرني على الأقل ؟ أم يبدو والله قد أسرفت في العطف عليه حتى لم تبق في نفسه أية رهبة مني ولا خوف ‘‘.
فدنا منه بكر قائلا :
’’ أليس يدري مولاي من هو تاج الدين ..؟ إنه ذلك المعتز بنفسه ، المغرور برأسه حتى قبل أن يحظى من مولاي بهذا العطف … فكيف وقد نُفح غروره اليوم ؟ وإن أشد ما أخشاه والله يا مولاي أن يكون هذا الرجل يهدف من وراء استبداده الطائش إلى غرس نفوذه ونفوذ ذويه في رحاب القصر عن طريق المناسبة والمصاهرة ، ليعلم بعد ذلك الإمارة لنفسه ، ويسلسلها من لدن آبائه وأجداده ..‘‘
وعاد الأمير فجلس في مكانه وهو يقول :
’’ لقد كان لي عزم والله على أن أجعل زينا من نصيب ممو ، وأن أقيم أفراحهما عما قريب . ولكن ها أنذا أقسم اليوم بفخر أجدادي فوق هذه الأرض ألا أدع ذلك يكون ، ولو جرت في سبيله سيول من الدماء حولي . فليتقدم إليّ إن شاء كل من ضجر من حمل رأسه ليتوسط أو يستعمل نفوذه في ذلك .‘‘
وهكذا أقام الأمير ، بفتنة حاجبه الخبيث ، أصلب حاجز بينه وبين كل من كانوا يريدون أن يتوسطوا إليه في تزويج ’’ زين ‘‘ لصديق تاج الدين ، وهدم آخر ساف من الأمل في إقامة فرح هذين الحبيبين ، ولكن دون أن يعلم ممو أو تاج الدين أو أي واحد من أصدقائهما هذه الوشاية التي تسببت في ذلك .. وهذا الدور الخبيث الذي لعبه بكر للوصول بالأمير إلى تلك القسوة في الموضوع . غاية الأمر أنه كان يصد إليه كل من كان يفاتحه في هذا الشأن ، أو يحاول الرجاء أو التوسل إليه لتزويج ممو من شقيقته زين وكان آخر ما قاله في مجلس ضم تاج الدين وشقيقيه وجمعا كبيرا من أصدقائهم ، يحاولون فيه استرضاءه بشتى الوسائل ، هو أن قال :
’’ … تأكدوا جميعا أنه قد يمكن أن تظل زين طوال حياتها عزبة في القصر ، ولكن لا يمكن أبدا أن أجعلها يوما ما من نصيب ممو ولا داعي أيضا إلى أن تعرفوا سببا لذلك أكثر من أنني هكذا أردت . ولا داعي أيضا إلى أن تعيدوا بعد اليوم إلى سمعي هذا الحديث ، إلا إذا رأيتم داعيا إلى إثارة شر أنتم اليوم في غنى عنه ..‘‘
ولقد كاد تاج الدين أن يعلن للأمير إذ ذاك أنهم ليسوا في غنى عن هذا الشر ما دام هو وحده الثمن لما تقدموا إليه برجاء تحقيقه ، لولا أنه كان ذا أمل في تطورات المستقبل التي قد تسهل الموضوع ، ولولا أنه كان يرجو استرضاء الأمير يوما ما عن طريق السياسة واللين عوضا عن الثورة والشدة .


في محراب الأحزان


الأيام تمر على ستي وتاج الدين صافية مشرقة ، والدهر يبتسم لهما بألوان من الصفو والسرور ، ويمد من حولهما حياتهما الجديدة ظلالا وارفة من النعيم ، ويقدم كؤوسا مترعة من السعادة التي أنستهما أيام اللوعة والفراق .
والحبيبان الآخران لا يزالان في لظى من نار صبرهما وحرمانهما . يقضي كل منهما الليالي والأيام في صومعة انفراده لا يبصر من حوله أي مؤنس ولا ينتهي إلى سمعه صوت أي راحم .
والهموم إذا لم تجد صاحبا يخفف من آلامها ، والزفرات إن لم تصادف مواسيا يبرد من حرها ، فأنى لصاحب هذه الهموم والزفرات أن يتحمل ؟ وأنى للتجمل والهدوء أن يجد وسيلة إلى القلب ؟ لا بد للأفراح لكي تصبح مشرقة ، ولا بد للأحزان لكي تكون متحملة من صاحب وشريك فيهما . وإلا فما أحرى بالهموم التي تحيط بها الوحشة والأنفراد أن تصبح سببا للهياج والجنون .
كان تاج الدين فيما مضى أليف ممو لدى سروره وأحزانه فكان خير طبيب ومواس لقلبه كلما هاج به الشوق . وكانت ستي أيضا هي وحدها مأوى الآلام والأفراح لأختها زين ، فمدامعها لا تنسكب إلا بين أحضانها ، وسرورها لا يتم إلا إلى جانبها .
أما اليوم فقد مضى هذان الاثنان إلى سبيل سعادتهما ، وانشغل كل منهما بالفرحة بالآخر … وبقي ممو لوحدته الموحشة ، يشكو فلا يجد من حوله من يتوجع إله ، ويتأوه فلا يرى أمامه من يواسيه . كما بقيت زين أيضا منطوية على آلامها دون أن يدرك أحد ما بها ، فهي دائما مختلية في غرفتها ، تسكب مدامعها بين ظلمات الوحشة والنفراد ، تتأوه آنا من وحشتها في ذلك القصر ، وتبكي آنا آخر حظها التعس المشؤوم .
ومضى على زين من عرس أختها أربعون يوما … وهي تقاسي آلاما ولواعج تحرق ضلوعها ، ولا تكشف إلى أحد من المخلوقات سرها .
أربعون يوما … كانت زين في خلالها شاردة اللب ، قد اتخذت من غرفتها محربا للبكاء والزفرات ، طعامها كله غصه ، وشرابها مزيج بالدموع .
أربعون يوما … بدت من ورائها تلك الغادة التي طالما سحر جمالها وأسكر ، وقد ذبل منها ذلك الجمال وتهدل ، وعاد كأنه البدر إذ يسري بعد تألقه نحو الرقة والذوبان .
ولم يعد يخفي على إحدى فتيات القصر وجواريه ما انتهى إليه حالها . فكن يعجبن من أمرها ، ويرثين لشأنها . ولم تكن تشك إحداهن في أنها تقاسي هذه الآلام لفراق أختها التي تحبها حبا شديدا .. فكانت كثيرا ما تنتهز إحداهن المناسبات لتخفف عنها وطأة هذه الذكرى لشقيقتها ، ولكن دون أي جدوى .
وفي ذات يوم تجمعن كلهن ، وذهبن إليها في غرفتها التي تظل مختلية فيها ، وجلسن من حولها يواسينها ويقلن لها في رقة وعطف :
’’ كم لك أيتها الأميرة الصغيرة تسكبين هذه الدموع في غزارة وألم ؟! وإلى متى تعيشين مع هذه الأحزان وتتوسدين هذا الهم ؟!
إن أختك وإن تكن فارقتك غير أنها انطلقت سعيدة مبتهجة بشريك حياتها . فبأي سبب تتقلب هي هناك في سعادتها وأنسها ، وأنت ههنا تجلسين بين الدموع والأحزان ؟
حسبك يا مولاتي … حسبك هذا الجزع الذي لا داعي إليه . قومي .. فاقتلعي من قلبك هذه الهموم والآلام ، وأزيحي عن مفاتنك قتام هذه الأحزان . جففي لحظيك من هذه الدموع ليعود إليهما سحرهما ، وأزيلي عن وجهك ضباب هذه الوحشة ليرجع إليه إشراقه … اغسلي عن هذا القدح الرقراق من آثار الدموع ليمتلىء كما كان بياوقت الرحيق ، فقد آن أن تعود السكرة إلى الرؤوس وتطوف النشوة بالقلوب . دعي هذه الغرفة التي جعلت منها بزفراتك جحيما ، ولينبعث كم هذه القوام رشاقته وسط أبهاء القصر وقيعانة فقد طالت عليه فترة الكمود . مزقي عن الورود حجاب هذا الإنقباض ليتجلى بهاؤها . دعي هذه الجدائل تنفرد متهادية على كتفيك في دلال ، وائذني للسوالف من حول صدغيك والخصل الملتوية من فوق جبينك أن تهتز بهما نسمات الإغراء . أعيدي إلى رونق هذا النحر عقده ، وليتدل على الجانبين من ليل هذا الشعر قرطاه .
هذه الدنيا وزينتها … هذه الطبيعة وبهجتها .. هذه الأيام من العمر التي تطل عليك بثغر ملؤه البهجة والسعادة .. لا تدعي كل ذلك يفوتك وأنت مطرقة.. لا تسكري نفسك عنها بكؤوس الدمع والأحزان .
الحياة جميلة يا مولاتي ، وأنت أجمل منها . والدنيا من حولك مشرقة ، وإشراقك أتم منها . فانهضي … وافرحي .. وابتسمي .. ليتم في الحياة الجمال .. ويتكامل للدنيا الإشراق ..‘‘
وهنا سكتت الفتيات وقطعن حديثهن . فقد أخذ يتغلب على كلامهن نشيج صدرها ، واختلطت أصواتهن في صوت بكائها ، وراحت تجيب حديثهن بوابل من الدموع لم تسكب مثله إلى ذلك اليوم .
ولا بدع ، فالشوق نار في الفؤاد لا تزيده النصيحة إلا اتقادا ، وهو سر مستكن في الجوانح لا يفيده العتب واللوم إلا افتضاح . لا سيما إن كان هذا الناصح لا يدري سر الحزن والألم فيمن ينصحه ، فهو يلقي على سمعه كلاما بعيدا عن دنيا قلبه وآلامه ، لا ريب أن ذلك ا يزيد في نفسه إلا شعور بالغربة وإحساسا بالوحشة والآلام .
ووجمت الفتيات في حزن وأسف … وتعلقت أنظارهن بشفتي زين ينتظرن منها أية كلمةتشير بها إلى سبب كل هذه الحرقة والعذاب . ولكن عبرات عينيها ، ونشيج صدرها ، لم يكن شيء من ذلك يدع لها فرصة لأي حديث .
ثم نهضن جميعا في ندم شديد مما أقدمت عليه … وتسللن من غرفتها الواحدة تلو الأخرى في هدوء ، وقد ارتسمت على ملامحن مظاهر الدهشة والإنكسار .
وأغلق باب غرفتها بعد أن خرجت آخر واحدة منهن … فرفعت وجهها تحدق النظر فيما أخذ يحيط بها من رهبة الوحشة والانفراد ، وأخذت تتراءى من حولها أطياف تلك الفتيات ، وقد انقلب كل واحد منها إلى أشباح متجسدة من الهموم والغموم .. وأحست من قرارة قلبها المحطم أن هؤلاء هم وحدهم أصدقاؤها الذين ألفوها وألفتهم ، وخالطوا كل حبة من قلبها ونفسها . فراحت تتأمل من حولها تلك الأشباح ، وأخذت تحدثها قائلة :
’’ مرحبا بكم أيها الأصدقاء .. أيها الأصدقاء للنفوس البائسة والندامى للقلوب المكلومة .. أيها الشركاء في سرِّ ما رواء الجوانح المعذبة ، وأطياف الوسن لعيون الخواطر الحزينة … يا كوؤس الراح للحلوق المريرة ، ومظهر البهجة أمام العيون القريحة …
العشاق جميعهم قد وصلو إلى محاريب آلامهم ، والسالكون كلهم قد انتهوا إلى مباهج أنسهم وسعادتهم . وها هو ذا قلبي المهجور ساكن فيما بينكم خال من اجلكم ، لا يجوب أحد غيركم في أركانه .
لكم اليوم أن ترتعوا فيه كما تشاؤون وان تتصرفوا به كما تريدون ، وأن تتجازوا ذلك إلى كل جهة من مشاعري وطرف من جوارحي . عيناي … سأتخذ منكم شعاع رقادهما ، شفتاي … سأملأ منكم كؤوس خمرها ، أفكاري … سأجعل إليكم في أيامي السود ، وما أشد شوقي إلى الأنس بكم في ليالي الظلماء .‘‘
ثم يلوح لعينيها بين أشباح تلك الهموم خيال ’’ ستي ‘‘ وكأنها جالسة إليها ، تتواسيان وتتشاكيان كما كانتا في أيامهما السابقة ، فتتألق عيناها نحو ذلك الوهم ، وتمضي إليه لتعانقه قائلة :
’’ أختاه … يا روح زين ونور بصرها ، يا جليسة أفراحي وهمي ، وشريكة سر قلبي ، يا عيش احزان نفسي وجناح المسرة لروحي . لله هذا الدهر الذي جمع نفسينا في طبيعة واحدة ، ثم فرق بيننا في الحظ والسعادة ؟ ما أعظم شكري لله على أن آتاك الحظ الذي تريدين ، وأسعدك بالطالع الذي كنت تحلمين . فليبتسم لك الدهر ، فإن في ابتسامته عزاء لهمي . ولتسعدك الحياة ، ففي إسعادها تهوين لشقائي .
أما حظي ، فمهما اشتد سواده الذي به فلن يتجاوز القسمة التي يجب أن أرضى بها وأسكن إليها . كانت قسمتي في الأزل هذه الهموم التي تحيط من حولي ، والبؤس الذي يقيم في نفسي . ذلك هو المقدر المسطور .. صفو الحياة وأفراحها من أجلك ، وحزنها وآلامها لقلبي . لك تاج الدين الذي أعطاك الدنيا فيه أفراحها ، ولي ممو الذي قدمته إليَّ في همومها وشقائها . فللّه مني ما شاء من قبول بحكمه ورضى بقسمته .‘‘
أما الليل فكانت في معظم أوقاتها تأبى أيضا إلا أن تسهر مختلية في غرفتها . وكثيرا ما كان يحلو لها أن تجلس إلى جانب شمعة من الشموع المتقدة في أنحائها ، تتأمل احتراقها ، وقطراتها التي تجري كالدمع من جهاتها ، وسيرها نحو الذوبان والنتهاء . فتشعر في أسى ولوعة ليمة قد غدت شمعة أخرى بين هذه الشموع ، تسير مثلها نحو الاضمحلال و الانطفاء . ثم تثبت نظرها مطرقة في تلك الشمعة وتحدثها قائلة :
’’ أيتها الأخت القائمة حيالي ، المحترقة بمثل ناري . لك أن تغتبطي وتحمدي الأقدار على ما بين آلامي وآلامك من فوق مثل ما بين مشرق الشمس ومغربها . نارك إنما تعلو ظاهرا منك فقط ، وناري يتأجج لهيبها من أعماق قلبي وباطني . نارك إنما تمس منك خيط هذا اللسان ، ثم لا تتجازه ، وناري يسري لظاها وراء جميع مسالك روحي ، ويقيم لهيبها حربا في كل جوانحي وجسمي .
هو في أعلاك نور يشع من حولك بهجة وضياء . وهو في باطني دكنة تملأ ما حولي ظلمات وقتاما .
هو في لسانك سحر من البلاغة والتعبير والبيان ، وهو في جوانحي وبين ضلوعي آلام كاوية تفقدني النطق والكلام .
ثم أين أنت من أجيج ناري وزفرات نفسي إذ ترقدين منذ لمعة الفجر إلى المساء ، زفرات كاوية … ولظى مستعر .. وأجيج متقد .. لا يكاد شيء من ذلك يريح نفسي ساعة من ليل أو نهار ، ليس من فم يطفئه ، أو نسمة تخمده .‘‘
وتلمح أثناء اطراقتها في ذلك الليل فراشات تطوف حول تلك الشموع ، فتنظر إليها بعينين زائغتين بالدمع قائلة :
’’ أيها الطائر الهارب من عش الفراق ، والبلبل المولع بأزاهير اللهب ، أيها الحجة الصائبة على المدعي الكاذب ، والباذل روحه رخيصة في شجاعة وشوق .
قل لي ، ألا يدركك الملال ساعة من هذا الدوران ، ألا تشعر بتعب من هذا السعي المرتعش الدائب حول هذا المطاف ؟
ولكن أسفا .. أسفا أن يقارن المتجه نحو الموت برزانة وجأش بذاك الذي يسعى إليه في ضجر مرتعش .
كان عليك أن تعلم أن هذا الهلع في السعي مظهر للجزع المعيب ، وأن ارتعاشك الدائب طيش لا ينبغي ، وأن تعجلك للفناء قبل أن ينضج منك الجسم بشوقه إنما هو تخلص من الصبر وآلامه .
هلا قعدت تصبر مثلي ، إلى أن يذوب الجسم في بوتقة الحشا ، وتتلاشى المادة في ضرام الروح ؟ إذا لبدلت منك هذه الحقيقة الأرضية بروح القدس والخلود ، ولعادت روحا صافية في كأس شفافة من النور . وإذا أمكنك أن تعانق هذا اللهب من دون احتراق وأن تتقلب في جنباته من غير اكتواء .‘‘
وهكذا كانت تمر حياة زين … خلوات مع الأشباح والأطياف وحديث مع الخيالات والأوهام ، يطوف كل ذلك بها ، ثم يستقر في ذهنها وقلبها وكل مشاعرها شيء واحد … هو اسم ممو … هو حظها المنكوب الذي أبعدها عن أليف روحها ، وأخرجها من أفراح الدنيا ونعيمها .


المصدر: باخرة الكورد