الرئيسية » مقالات » إمنحوا أكراد تركيا حقوقهم بدلا من محاربة حزب العمال الكردستاني

إمنحوا أكراد تركيا حقوقهم بدلا من محاربة حزب العمال الكردستاني

عندما فقدت الإمبراطورية العثمانية نفوذها و سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط و قسم من الدول الأوروبية إبان الحرب العالمية الأولى و بعدها قامت بتشديد الخناق على القوميات الأخرى في تركيا ، حيث بدأت بمذبحتها الشهيرة ضد الأرمن بحجة قيام الأرمن بدعم روسيا في حربها ضد الأتراك ، حيث بدأت بحز رؤوس الأرمن بتاريخ 24 أبريل 1915 .

و في مطلع القرن الماضي ، ساهم أكراد تركيا في الحركة التي أدت إلى الإنقلاب التركي و كذلك بنشاط في الحياة الدستورية ، و شرعوا بتنظيم قواهم في جمعيات و منظمات إجتماعية و سياسية و ثقافية ، حيث أنشأوا عام 1908 جمعية التعاون و الترقي الكردية ، و أصدروا جريدة كورد بمدينة إستانبول بعد إعلان الدستور التركي .

و في عام 1919 ساهم المثقفون و الفئات الواعية من الأكراد في حركة التحرر الوطني التي تزعمها مصطفى كمال و لا سيما من خلال جمعية الدفاع عن حقوق الأناضول الشرقي أي ( كردستان تركيا )، إعتقادا منهم بأن مساهمتهم مع إخوانهم الأتراك في الكفاح ضد الإستعمار ستؤدي إلى نيل حقوقهم القومية و حضر إجتماع المجلس الوطني التركي الكبير في أنقرة عام 1920 إثنان و سبعون نائبا كرديا تعاونوا مع مصطفى كمال كممثلين عن كردستان . و لم يتأخر مصطفى كمال و الكماليون عموما في تقديم الوعود و العهود للأكراد لنيل حقوقهم القومية ن بل انهم كانوا يرددون بصوت عال بأن تركيا وطن الأتراك و الأكراد : ” الأتراك و الأكراد شركاء في هذا الوطن ” ( د . زهير عبد الملك : الأكراد و بلادهم كردستان بين سؤال و جواب ، صفحة ).

و لكن للأسف الشديد ، سرعان ما استتب للكماليين الحكم في تركيا الجديدة حتى تنكروا لوعودهم و عهودهم للأكراد ، و أعلنوا على لسان وزير العدل أن ليس لغير الأتراك في تركيا إلا أن يكونوا عبيدا ، و لم يعد أمام الأكراد و الحالة هذه إلا الثورة المسلحة دفاعا عن وجودهم . فكانت ثورة 1925 بقيادة الشيخ سعيد و الدكتور فؤاد في ديار بكر ، تلك الثورة التي أغرقتها الكمالية في بحر من الدماء و الدموع و سحقتها بوحشية متناهية ، حتى قال جواهر لال نهرو عنها : ” إذ كيف يمكن أن تخمد إلى الأبد ثورة قوم يصرون على نيل الحرية و هم مستعدون لدفع الثمن ” . أورد أمسترونك في كتابه : مصطفى كمال الذئب الأغبر ، ما يلي :
” النار و السيف عملا في كردستان حتى أصبحت قفراءا ، و قتلوا الرجال بعد تعذيبهم ، و أحرقوا القرى و دمروا المزارع و انتهكوا حرمة النساء و الأطفال ، لقد ذبح أتراك مصطفى كمال الأكراد إنتقاما بنفس القساوة و الشراسة التي اسنعملها أتراك السلطان عندما كانوا يذبحون اليونانيين و الأرمن و البلغاريين . وقد دلت الإحصائيات الأولية أن القوات التركية دمرت 8757 بيتا و 206 قرى و قتلوا حوالي نصف مليون كردي ( المصدر السابق ، صفحة 178 ) .
و في عام 1927 ثار الأكراد مرة أخرى بعد تشكيل حزب خويبون ( الإستقلال ) ثورة اندلعت أولا في جبال آرارات بقيادة الجنرال إحسان نوري باشا ، و استمرت هذه الثورة حتى عام 1930 حين استطاعت القوات التركية إجبار الثوار على اللجوء إلى إيران .
نشرت صحيفة الأحوال البيروتية في عددها الصادر يوم 13 / 8 / 1930 قائلة :

” وقد ارتكب الطورانيون ( الأتراك ) جرائم القتل بالجملة و إحراق القرى بالمئات ، ففي المنطقة القريبة من جبال ( أكري – آرارات ) دمروا 220 قرية كردية ، و حشدوا بقية سكان هذه القرى ، حوالي عشرة آلاف ، بين نساء و أطفال و بنات و عجائز ، حشدوهم في وادي زيلان ، و أمطروهم بوابل من مقذوفات الحرائق من الطائرات و المدافع فأحرقوهم و أبادوهم بأفظع نوع من أعمال الإبادة . و في منطقة (وان ) غعتقلت الحكومة التركية مائة من المثقفين الأكراد و أوثقوا أيديهم و أرجلهم ثم ألقوهم في أعماق البحيرة أحياءا ليموتوا غرقا . وقرب جبال تندرك دمروا حوالي 400 قرية كردية .
وفي 1937 اندلعت ثورة كردية في درسيم ( شمال كردستان ) قارعت الجيوش التركية زهاء سنتين . و بعث أهالي درسيم إلى عصبة الأمم في نوفمبر/ تشرين الثاني 1937 طلبا يحتجون فيه على إجراءات الحكومة التركية بغلق المدارس الكردية و تحريم استعمال اللغة الكردية و حذف كلمتي كرد و كردستان من جميع المطبوعات و المتب ، و تهجير الأكراد إلى مناطق تركيا.
و أعلنت تركيا في عام 1946 بأن لا وجود في تركيا لأقلية كردية ، و شطبت بهذا الإعلان وجود شعب بكامله تصل نسبته إلى حوالي ربع مجموع سكان تركيا يعيش في مساحة من بلاده كردستان تصل إلى 216 ألف كيلومتر مربع( 28 بالمائة من مجموع مساحة تركيا ) . ( 4المصدر السابق ، صفحة179 – 180 )

يستعرض الباحث روبرت أولسن في كتابه المسألة الكردية في العلاقات التركية الإيرانية في الفصل الأول : لماذا لم تقم دولة كردية بعد الحرب العالمية الأولى ؟ ، قائلا : ” الكرد شعب يقدر تعداده بـ 20 إلى 25 مليون نسمة يعيش أغلبه في أربع دول شرق أوسطية : تركيا يسكنها حوالي 12 – 14 مليونا و إيران 6 ملايين و العراق 5، 3 إلى 4 ملايين و سوريا مليون نسمة ، يضاف إليهم ما يقرب من 100 ألف إلى 150 ألفا يعيشون في أرمينيا و أذربيجان . و تشير تقارير حديثة العهد إلى أن 300 ألف إلى مليون كردي يعيشون في الإتحاد الروسي . ولما كان أغلب الكرد يعيشون في مناطق مجاورة لشرقي تركيا و جنوب شرقها و شمال سوريا ، فقد نما لديهم شعور بالذات و الهوية الإجتماعية و الأرض المشتركة منذ العصور الوسطى على الأقل . و يستطرد أولسن في موضع آخر قائلا :
” يعد الكرد أنفسهم أحفاد الميديين القدامى الذين اضطروا إلى الهجرة تحت حملات الغزو و هزيمة الإمبراطوريات و سقوطها و استوطنوا في المناطق الجبلية النائية من دول تركيا و إيران و العراق و سورية الحالية قبل ألفي سنة تقريبا . ومن تلك المعاقل الستراتيجية المنيعة حافظ الكرد على مجتمعاتهم و شاركوا في حياة الإمبراطوريات الأرمنية و اليونانية و البيزنطية و العربية و الصفوية و القاجارية و العثمانية التي حكمت تاريخ المنطقة حتى سقوط الإمبراطوريتين العثمانية و القاجارية في نهاية الحرب العالمية الأولى . و وعدت المادتان 62 و 64 من معاهدة سيفر Sevre المبرمة في 10 آب / أغسطس 1920 ، الكرد بإقامة دولة مستقلة لهم .(روبرت أولسن : المسألة الكردية في العلاقات التركية الإيرانية ، صفحة 11-12 ) .

يتضح لنا مما تقدم بأن الشعب الكردي عريق في القدم أكثر من ألفي سنة ، له أصالته و قوميته و لغته الخاصة ، يعيش كالسابق في المناطق الجبلية المذكورة أعلاه . و قد ساهم في كافة المجالات الحضارية و الثقافية و الدينية في كافة المراحل التي عاشها تحت الإمبراطوريات و أنظمة الحكم المختلفة .
و في القرن السادس عشر أصبح الأكراد كبش فداء بين الإمبراطوريتين الفارسية و العثمانية ، حيث استمالت تركيا الأكراد السنة إلى جانيها و أعطتهم وعودا بتأسيس حكم ذاتي لهم على الأقل ، و كسبت إيران الأكراد الذين اعتنقوا الدين الإسلامي و المذهب الشيعي .
وقد كافح الشعب الكردي كفاحا مريرا من أجل الحصول على حقوقه المشروعة في مناطقهم لا سيما بعد معاهدتي سيفر و لوزان و اتفاقية سايكس بيكو سازانوف التي أدت إلى تقسيم الجسم الكردي إلى خمسة أو ستة أقسام وزعت على تركيا و العراق و سوريا و إيران و ارمينية و أذربيجان .
يبلغ عدد سكان الأكراد يتراوح ما بين 40 إلى 50 مليون نسمة ، والأكراد هم رابع أكبر شعب من ناحية عدد السكان بعد العرب و الأتراك و الإيرانيين . لا توجد إحصائية دقيقة عن عدد نفوسهم لأن الدول المعنية تحاول التقليل من نفوسهم فلم تجري أية إحصائية دقيقة لهم . و حسب علمنا و اطلاعنا أن تركيا قد استعملت للأسف الشديد أقسى الضغوط على الأكراد بتغيير أسمائهم و هوياتهم الكردية ، وهذا أمر غير إنساني لا يمكن السكوت عنه باستئصال جذور أو هوية شعب . ومثل هذه الأعمال التعسفية اللاإنسانية تخالف إتفاقية جنيف و قرارات هيئة الأمم المتحدة و منظمات حقوق الإنسان في العالم المتحضر .
لا نريد ذكر كافة عمليات القتل الجماعي و ملاحقات الأكراد في مناطقهم المختلفة بحجج مختلفة و اعتبارهم إرهابيين لإنتمائهم إلى حزب العمال الكردستاني الذي يرأسه عبد الله أوجلان الذي اختطفته المخابرات التركية منذ عدة سنوات و المسجون في عزلة في إحدى جزر تركيا .
و السؤال الذي يطرح نفسه متى و لماذا أسس حزب العمال الكردستان ؟
لم توقف القوات العسكرية التركية عمليات ملاحقة و قتل الأكراد و ترحيلهم من مناطقهم و تدمير مزارعهم لحد الآن . و كرد فعل على عمليات القتل و الإبادة الجماعية تشكل حزب العمال الكردستاني قبل أكثر من ربع قرن ليقوم بالدفاع المسلح عن الأكراد ، كما كان يقوم الحزبان الكرديان الرئيسيان الحزب الديمقراطي الكردستاني و حزب الإتحاد الوطني الكردستان اللذين يرأسهما السيدان مسعود البارزاني و الدكتور جلال الطالباني . كانت الحكومات العراقية السابقة و النظام المخلوع تطلق على قوات البيشمركة بالإرهابيين .
و لكن بعد تحرير العراق و سقوط النظام البعثي الشوفيني ساهم و يساهم أعضاء الحزبين في الحكومة العراقية الذين أثبتوا جدارتهم و حرصهم على دعم الحكم الوطني العراقي و الدفاع عن العراق و تقوية الروابط الأخوية بين الأكراد و إخوانهم العرب الشيعة و السنة و التركمان و بقية القوميات و الأقليات .

قامت و تقوم الحكومة التركية بنفس الأخطاء عندما تتهم قوات و أعضاء حزب العمال الكردستاني بالإرهابيين و تستمر بملاحقة و قتل الأكراد بمجرد الشك في ولائهم أو إنتمائهم لحزب العمال الكردستاني .
لسنا بصدد الدفاع عن حزب العمال الكردستاني ، بل يهمنا الشعبين التركي و الكردي .
لا يمكن أن تستمر التهديدات التركية للأكراد في تركيا والعراق التي سمعنا و قرأنا عنها بملاحقة و قتل الأكراد و ربما عرقلة الإستفتاء المزمع إجرائه حول مصير مدينة كركوك العراقية . فلو كانت الحكومة التركية تعامل الأكراد كمواطنين من الدرجة الأولى كإخوانهم الأتراك ، لما تشكل حزب العمال الكردستاني .
ليس صحيحا إعتبار حركات المقاومة الوطنية لشعب ما ضد الظلم و الإستعمار حركات إرهابية كما اعتبرت منظمة التحرير الفلسطينية أو المقاتلين الشيشان و أفراد قوات حزب العمال الكردستاني و غيرهم بالإرهابيين .
يعيش في تركيا ما بين 18 إلى 20 مليون نسمة من الأكراد و يشكلون نسبة حوالي 20 % من عدد سكان تركيا . لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يستمر العنف التركي ضد الأكراد ، لأن العنف يولد العنف المضاد ، معنى ذلك ستراق دماء المسلمين الأتراك و الأكراد هدرا .
إن الحل الوحيد هو بيد الحكومة التركية الموقرة و ليس بيد العسكر ، و سبق أن زار رئيس وزراء تركيا السيد رجب طيب أردوغان ديار بكر ، قلعة الأكراد ، و ألقى كلمة وعد فيها الأكراد : ” أن تركيا لا تريد إعادة الأخطاء الماضية مع الأكراد ” .
وقبل أكثر من شهرين أعلنت فصائل حزب العمال الكردستاني من جانب واحد بوقف العمليات المسلحة ضد القوات العسكرية التركية و عرضت على الحكومة التركية إستعدادها للحوار السلمي و حل القضية الكردية بالطرق السلمية و الديمقراطية ، إلا أن الحكومة التركية لم ترد على هذا الإقتراح .
نقول و بكل محبة و احترام ، و نوجه نداءنا إلى السيد أردوغان ، أوقفوا عمليات العنف ضد الأكراد و صافحوا اليد التي تمتد إليكم من حزب العمال الكردستاني و اجلسوا معهم على طاولة المفاوضات لحل النزاع الدموي بين الأكراد و القوات التركية العسكرية ، فو الله أن الفائدة ستعم على الشعب التركي و إخوانه الأكراد .
أما موضوع كركوك فهذا أمر عراقي يحله الدستور العراقي و البرلمان العراقي و الإستفتاء الشعبي عليها ، كما قال السيد بوش و الرئيسان الدكتور جلال الطالباني و مسعود البرزاني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *