الرئيسية » شخصيات كوردية » سعيد قزاز مرة أخرى

سعيد قزاز مرة أخرى

 أيلاف الثلائاء 5 أكتوبر GMT 7:15:00 2004

نشرت جريدة التآخي البغدادية الصدور والكردية الجذور عرضا لكتاب (سعيد قزاز ودوره في سياسة العراق) بعددها 4312الصادر يوم 15/9/ 2004 وعلى صفحتها السابعة ويتبين من العرض انه دراسة أكاديمية في الأصل لنيل الإجازة العلمية العليا في التاريخ المعاصر من أحدى الجامعات العراقية وقد تم التركيز في عرض ومناقشة الكتاب التركيز وإبراز شخصية المرحوم سعيد قزاز باعتباره شخصية من الشخصيات الكردية التي تركت أثرا طيبا في تاريخ العراق السياسي وحسب. وفي رأيي المتواضع لو كان سعيد قزاز على قيد الحياة وطالع المكتوب والتأكيد على كرديته فقط لرفض هذا التقييم وشجبه وذالك لسبب بسيط كونه عراقيا أولا وأخيرا والمتتبع لمسيرة هذا العملاق الإدارية والسياسية ولحين محاكمته امام محكمة الشعب( المهداوي) سيلاحظ ويقتنع بذلك فكل الذين عاصروا هذا الرجل عن قرب لم يجدوا فيه تعصبه أو تركيزه على كونه كرديا من عدمه بل وجدوا فيه الاصالة والوطنية العراقية وشديد حبه لهذا البلد الطيب. وبعد هذا الإيجاز البسيط لابد من ذكر الأسباب والمناسبة للكتابة عن هذا الرجل العملاق وأقول:
منذو فترة ليست بالقصيرة تراودني فكرة الكتابة عن الشخصية العراقية الوطنية سعيد قزاز رحمه الله لكثرة ما سمعت عن حنكة و نجاعة إدارته وحزمه في اتخاذ القرار المناسب وفي الوقت المناسب. أقول سمعت عن هذا الرجل ومآثره وأنا في عمر المراهقة وبداية مطالعتي وشغفي بالصحف والأدب والتاريخ بصورة عامة وتاريخ بلدي ومدينتي الموصل بصورة خاصة فضلا عن مجالستي ومعرفتي بعدد غير قليل من رواد الصحافة والفكر والسياسة ومثقفي مدينتي لاحقا من أمثال الأساتذة عبد الباسط يونس النشط الرائد في مجال الصحافة الموصلية الأستاذ غربي الحاج احمد الصحفي و الوزير والمحامي رحمة الله عليهما وكذلك الأستاذ الفاضل المحامي والصحفي الرائد محمود ألجلبي أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية غيرهم كثير ممن عاصروا هذا الرجل وكان لهم معه أكثر من وشيجة.
وشخصيا فتنت بهذه الشخصية رغم عدم معاصرتي لها كوني ولدت في ستينات القرن الماضي إلا ان حبي لهذا الرجل كانت من خلال المطالعة والاستماع فقط ولا اكتمكم القول ان الحافز الرئيس والمهم إضافة لما تقدم أعلاه مناقشة وحوار هادئ جرى بيني وبين احد الزملاء والأخوان ممن يحسبون أنفسهم ضمن التيار الكردي المعتدل ولااظنه كذلك. وكانت مناسبة هذا الحوار هو استقالة أو إقالة محافظ الموصل الأسبق السيد غانم البصو وفتح باب الترشيح لمنصب المحافظ ووفق شروط تم وضعها من قبل مجلس المحافظة وكان من بينها ان يكون المرشح عربيا ومن مدينة الموصل حصرا حيث كان اعتراض زميلي المهندس والمثقف الكردي (لماذا لا يكون محافظ الموصل كرديا؟!) وكان متزمتا في فرض رأيه وعندها أدركت ان صديقي المهندس يجهل الكثير من تاريخ هذه المدينة التي يقطن فيها ويعمل في احد دوائرها منذو فترة ليست بالقصيرة. وأجبته بكل هدوء ان محافظة نينوى اولواء الموصل سابقا ومنذو نشوء الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي ولغاية 9/4/2003 لم يعين فيها متصرفا أو محافظا من مدينة الموصل باستثناء اثنين الأول اسمه سعيد الشيخ حيث عين محافظا للواء الموصل فترة ستينات القرن الماضي وتحديدا فترة عبد الرحمن عارف والثاني الفريق الركن عبد الجواد ذنون في بداية التسعينيات بعد حرب الخليج الثانية وقيام السلطة بعسكرة وزارة الداخلية والمحافظين وكان يتناوب على إدارة المحافظة أو المتصرفية العديد من الشخصيات العراقية ومن مختلف القوميات ومن شتى أنحاء العراق فعمل في إدارة محافظتها الكردي والعربي والتركماني وابن الشمال والوسط والجنوب ولحين انهيار النظام في 9/4/2003 حيث كان المحافظ رجل عسكري من جنوب العراق وبعدها حدث الذي حدث وتولى إدارة المحافظة مجلس محافظة يمثل كافة الشرائح الاجتماعية والدينية والقومية وينتخب محافظا من أهالي الموصل ووفق شروط ومؤهلات معينة لا مجال لذكرها كما إنني لست بصدد تقييم هذه التجربة من عدمها ولكن أركز على الناحية التاريخية لدحض ادعاء زميلي وصديقي الكردي ليس ألا.
فترات مميزة للمحافظة:
ولعل من الموضوعية ان نذكر فترات مميزة في تاريخ هذه المحافظة ابرزها الفترة التي تولى إدارتها المرحوم سعيد قزاز لما تركه من بصمات طيبة وناصعة في تاريخ مدينتي الموصل. وشرحت لزميلي إنجازات وأفعال هذه الشخصية وأثرها في نفوس أهالي المدينة لحد ألان والتي تترحم عليه كلما ذكر. وعندها بهت ولم يعلق على شئ.
وصفت فترة عمل هذا الرجل في الموصل بالفترة المميزة وبناء على هذا التوصيف سأذكر بعض مآثر سعيد قزاز الموثقة والمعروفة لدى ألقاصي والداني وقبل التكلم عنها لابد لي من التطرق إلى لواء الموصل في عهد المرحوم سعيد قزاز من الناحية الإدارية والجغرافية وكذلك السكانية.
أما من الناحية الإدارية والجغرافية فكان اللواء يبتدئ من تكريت جنوبا إلى زاخو شمالا أي انه كان يضم ثلاثة محافظات وهي صلاح الدين ونينوى ودهوك مع قسم كبير من أقضيتها ونواحيها وعليه كان لواء متعدد الأعراق والأديان والقوميات هذه الاثنيات أفرزت في بعض الأحيان احتقانات بين الإدارة وهذا النسيج الاجتماعي أو بين هذه الاثنيات وكان له الدور الحاسم في اتخاذ الإجراء المناسب وفي الوقت الناسب أيضا ولعل حسن إدارته رشحته ليكون وزيرا للداخلية فيما بعد.
من اشهر ما يروى عنه وعن شجاعته القضية الشهيرة باعتقاله للشيخ والنائب في العهد الملكي (ديوالي اغا الدوسكي) وهو شيخ من مشايخ الأكراد في قضاء دهوك وكذلك نائبا في البرلمان العراقي عن هذا القضاء أيام ارتباطه إداريا بلواء الموصل فضلا عن جبروت هذا الشيخ الناتجة من مركزه الاجتماعي هناك وقد اتهم هذا الشيخ بقضية جنائية وصدر أمر بالقبض عليه إلا انه استعصي تنفيذ القبض لخشية الشرطة منه ومن أتباعه وعندها انبرى سعيد قزاز شخصيا لتنفيذ أمر القبض بحق الشيخ ديوالي بعدما استحصل الموافقة الأصولية بإسقاط الحصانة البرلمانية عنه وخرج إليه مع عدد قليل من أفراد الشرطة من الموصل إلى دهوك وألقى القبض عليه ووضعه في الحوض الخلفي (للمسلحة) وهو مقيد وسار به في السوق وأمام أنظار الناس واتجه به إلى الموصل وأيضا وبنفس الطريقة قامت مفروزة الشرطة بإنزاله في سوق المدينة واقتياده إلى المركز العام وأمام الأشهاد ليكون عبرة لكل من يعصى القانون ويتمرد على الدولة وليفهم الجميع ان القانون فوق الجميع ولا مجال هنا لذكر تفاصيل هذه الحادثة وردود أفعال الناس تجاهها.
وحادثة أخرى رواه لي الأستاذ المحامي والصحفي محمود ألجلبي متعه الله بالصحة وأطال عمره عندما قال لأحد الشخصيات الكردية المرموقة والنافذة في الموصل بعد اتهامه بتهمة جنائية (إنني استنكف من إرسال شرطيا معك إلى المركز لتوقيفك) اذهب لمركز الشرطة وقل لهم إني موقوف.
وفعلا خرج هذا الشيخ من مبنى المتصرفية إلى مركز الشرطة وقال لهم إنني موقوف بأمر المتصرف. ويضيف الأستاذ محمود ألجلبي في سنة 1948 كنت في قضاء سنجار لحضور دعوى توكلت فيها هناك وكانت الأولى لي خارج مدينة الموصل بعد تخرجي وعملي في المحاماة وصادف وجودي هناك حدوث حالة من التمرد ومشاكل في القضاء. فإذا بي أشاهد المتصرف سعيد قزاز حاضرا بنفسه رغم خطورة الموقف ضمن تلك المنطقة واستطاع بحكمته وحزمه إنهاء الإشكال بعدما عجز عن حله القائم مقام، ويقول أيضا تطورت علاقتي مع سعيد قزاز بحكم عملي في الصحافة وصاحب جريدة في ذلك الوقت وكنا نتفق ونختلف نتيجة الطرح الصحفي إلا ان هذا لم يؤثر على علاقتنا وقد قلت له والكلام لا يزال للأستاذ محمود ألجلبي ( من يعمل في لواء الموصل وينجح في عمله وإدارة اللواء يكون مستقبله وزيرا) إلا انه كان يعتبر ذلك مجاملة أو على سبيل المزاح وتدور الأيام ويقع الاختيار على سعيد قزاز ليصبح وزيرا وفي أية وزارة( وزارة الداخلية ) والتي تعتبر من أدق واعقد الوزارات وبقي وزيرا للداخلية رغم تغيير رئيس الوزراء لأكثر من مرة لغاية قيام ثورة 14 تموز 1958.
سعيد قزاز وزيرا:
عمل سعيد قزاز وزيرا للداخلية بذات النهج والحزم في إدارته عندما كان متصرفا للموصل واستطاع ان يفرض النظام والقانون في ربوع العراق وكان ديدنه حبه للعراق والعراقيين ووطنيته النابعة من حبه لهذا البلد ولم يذكر عنه افتخاره بكونه كرديا رغم كونه من عائلة معروفة وعريقة في السليمانية واعتقد انه من عشيرة الجاف وحتى عندما مثل أمام محكمة الشعب كان يقول ويردد انه عراقي ويعتز براقيته وخدمته للعراق.
ولعل من أهم إنجازاته كوزير للداخلية سيطرته على العاصمة بغداد آذ بان الفيضان الذي اجتاح بغداد في بداية خمسينيات القرن الماضي وكذلك معالجة هذه الكارثة خصوصا بعدما طرحت فكرة نقل عوائل بغداد من جانب إلى أخر تفاديا للغرق وما رافق ذلك من انتشار الغوغاء وترويج الدعايات لغرض العبث والسرقة بعد ان يترك الناس دورهم، وكان موقفه الحازم رفض هذه الفكرة وقام بالاستعانة بالجيش وكذلك الشرطة وجند طلاب المدارس لهذا الغرض وعالج الموقف بمنتهى الحكمة والشجاعة وحافظ على العاصمة وأهلها.
نزاهة الرجل:
أما عن نزاهته وعفته فلم نسمع عن أي شائبة تجاهه بل العكس تماما واليكم هذه الواقعة والتي يرويها احد الأشخاص ممن له صلة مباشرة بها وهو عميد الشرطة المتقاعد السيد هاشم الشماع ويقول:
بعد انتقال سعيد قزاز إلى بغداد واستيزاره انتقل من دار إلى أخرى والعادة والعرف الجاري تقضي ذهاب الأقارب والأصدقاء لغرض المباركة وتقديم الهدايا سواء أكانت عينية أم نقدية وترد الهدية بأخرى وعادة تكون أكثر منها عند حصول مناسبة لمقدمها باعتبارها دين بذمة من يتلقاها (والمثل الشعبي يقول كل شئ دين حتى دموع العين).وكان لسعيد قزاز صديق قديم من التجار الكبار جذوره من الموصل ويسكن بغداد واسمه( حسن توحلة) وهو خال السيد هاشم الشماع راوي هذه الحادثة المشهورة والذي كان يتردد ويعيش في دار خاله في ذلك الوقت وبينهم علاقات شخصية وعائلية فأرسل التاجر عائلته لغرض المباركة وأرسل معهم هدية قيمتها تزيد عن مبلغ(80) دينار بهذه المناسبة إلا ان سعيد قزاز رفض الهدية وابلغ زوجته بإعادة المبلغ، وعندما علم بذلك صديقه أصابه شئ من الزعل والعتب وفسر رفض هديته بأسباب عديدة لاسيما وعلاقتهما الوطيدة والقديمة. وعندها اتصل به سعيد قزاز وطيب خاطره وقال له (إني موظف دولة وصاحب راتب وعندما اقبل منك هذه الهدية كيف أستطيع ردها أليك!!!) هذه هي أخلاقيات سعيد قزاز رحمة الله عليه وهذا ما قدمه للعراق ابتداء من مدير ناحية إلى ان أصبح وزير وبعدها شجاعته عندما أصر على البقاء في العاصمة وعدم مغادرتها بعد ثورة 1958 رغم انه كان يستطيع ذلك ووقفته الشهيرة في المحكمة ودفاعه المشهور وعبارته الشهيرة (سأصعد إلى المشنقة وارى الكثير ممن لا يستحقون الحياة تحت أقدامي).
ومما يذكره أيضا السيد هاشم الشماع ان سعيد قزاز وهو في السجن وقبل تنفيذ حكم الإعدام به وصله خبر عن عزم زوجته التوسط لغرض تخفيف الحكم عنه عن طريق مراجعة بعض الشخصيات، وعندها أرسل رسالة إلى بيت صديقه السيد حسن توحله التاجر ومفاد الرسالة علمه بتنفيذ حكم الإعدام به وانه غير نادم على ما فعل وفي حالة قيامها بالتوسط اعتبار نفسها مطلقة منه ويقول السيد هاشم الشماع انه شاهد على هذه الرسالة لوجوده في بيت خاله كما يقول حيث تم تبليغ الرسالة لزوجة سعيد قزاز.
بقي ان أقول ان شخصية سعيد قزاز الفذة لم تنل حضها الكافي من الدراسة رغم وجود بعض الكتابات هنا وهناك عنه وعلمت من الأستاذ والزميل زهير كاظم عبود ومذ كان قاضيا وبعدها محاميا في الموصل عزمه لإصدار كتاب عن سعيد قزاز وبدا فعلا بجمع المصادر والتقى بشخصيات عاصرت سعيد قزاز وبعدها غادرنا إلى خارج العراق ولا يزال ولا اعلم ان رأى مؤلفه النور من عدمه رغم ثقتي بعزم وصبر الأستاذ زهير على البحث في مثل هذه المواضيع.
وختاما أرجو ان يعلم صديقي المهندس والذي هو السبب في الكتابة عن هذه الشخصية العراقية أولا والكردية ثانيا وليس العكس كما يحلو للكثير ان يصفه في الوقت الراهن ويقيني لو أمد الله في عمره لحد ألان لبقي على عراقيته وحبه للعراق الموحد الذي طالما دافع عنه.
وأمنيتي ان تحضى الحكومة العراقية بأمثاله لخدمة العراق الجريح. 

المحامي / فارس عبد الستار البكوع/ الموصل

تعليق واحد

  1. باختصار يا اخ فارس :سعيد قزاز لا يستحق البحث و الكتابه عنه لانه كان كرديا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *