الرئيسية » مقالات » هل من يحرض على الطائفية والقتل هو من القتلة أيضاً؟

هل من يحرض على الطائفية والقتل هو من القتلة أيضاً؟

كان الطائفي السياسي في بلادي يخجل من أن يُعرف بأنه أو يتهم بكونه مصاب بمرض الطائفية السياسية, إذ أنها كانت بمثابة شتيمة كبيرة توجه للفرد لا يقبلها الإنسان العراقي لنفسه. وكان الطائفيون يمارسونها سراً ويبثون سمومها, ولكنهم كانوا مرفوضين والطائفية بذاتها مرفوضة. وحين كانت تمارسها حكومات العهد الملكي, كانت تلك الحكومات هي الأخرى مرفوضة من الناس في بلادي, سواء أكانوا من أتباع المذهب الشيعي أم السني. وكان الاحترام لأتباع الأديان الأخرى حالة طبيعية بين الناس في ما عدا ما كانت تحرض عليه الحكومات في عهود سالفة أو بعض الجماعات الدينية والسياسية الشوفينية. رجال الدين من الطائفتين ما كانوا يجرأون التحدث بلغة طائفية لا لخشية من حكم, بل لأن الإنسان العراقي كان يلفظهم ولا يرى فيهم وفي طائفيتهم سوى إساءة للوطن ووحدة الشعب. كان البعض من أئمة المساجد من الشيعة والسنة متلبسين بالطائفية السياسية ويمارسونها بصيغ مختلفة, ولكنهم كانوا قلة, في حين كانت الغالبية العظمى ترفضها.
تعززت حالة الاعتراف المتبادل والتسامح وعدم الإحساس بالطائفية بعد سقوط النظام الملكي ونهوض النظام الجمهوري, حيث أصبحت الطائفية بعيدة عن تفكير الغالبية العظمى من الناس, إذ أن الثورة قد أوجدت مناخاً إيجابياً يعزز وحدة الناس وخلقت موضوعات أكثر أهمية وأكثر فائدة للإنسان من الانشغال بالأمور الطائفية. ولكن سرعان ما تغير الحال حين بدأ الصراع السياسي وتدخلت المناخات غير الديمقراطية, ومن ثم عندما جاء البعثيون أولاً والقوميون الشوفينيون والطائفيون ثانياً, حيث مورست في عهد عبد السلام محمد عارف على أوسع نطاق ودون حياء بل بصلافة مقيتة. وفيما بعد تفاقمت هذه الحالة السلبية في عهد الدكتاتور المقبور صدام حسين. وفي مقابل ممارسة الطائفية من جانب الحكم, انتعشت بعض الأحزاب الدينية الشيعية لتواجه الطائفية السنية بطائفية شيعية. وهكذا بدأ الطائفيون يمهدون الطريق لصراع طائفي. إلا أنه كان صراعاً بين السلطة التي كانت في غالبيتها سنية وبين المعارضة التي كانت متنوعة ولكن غالبية الأحزاب الإسلامية السياسية المشاركة في مناهضة النظام الدكتاتوري كانت من الأوساط الشيعية. ومع سقوط النظام بدأت الطائفية تلعب دورها المحزن, حيث شعر بعض الأوساط الدينية القريبة النخبة الحاكمة السنية أنه فقد الحكم, في حين تصورت النخبة المعارضة الشيعية أنها انتصرت ووصلت الآن إلى الحكم وعليها قطف ثمار ذلك. ولكن هذه الثمار كانت ولا تزال مرة ومحرمة, إنها ثمار الفرقة والموت والخراب, إذ حالما تسود الطائفية في بلد ما, سرعان ما يدمر ذلك البلد ويموت الناس ضحايا رخيصة لتلك الطائفية القاتلة والمقيتة. وها هو الشعب العراقي يجمي ثمار هذه الطائفية السياسية القاتلة التي تقودها مجموعة من الأحزاب السياسية الإسلامية الطائفية التي لا تفكر إلا بالكسب الطائفي على حساب المواطن والمواطنة والوطن. وتشارك فيه قوى إرهابية أخرى ذات وجهة تكفيرية تعمل على الصيد الدولي وتركز نشاطها الآن في العراق.
الطائفية السياسية مرض عضال يمكن أن يسيطر على فكر الفرد أو الجماعة أو المجتمع. ويقود في مثل هذه الحالة إلى دمار وخراب وموت, وإلى بلد تنعق فيه الغربان لتلتهم لحم ضحايا الفتنة الطائفية. ما كان في مقدور الطائفية أن تنتشر وبهذا الشكل لولا وجود أئمة ورجال دين وأحزاب سياسية طائفية, ولولا وجود قنوات تلفزة عربية وغير عربية ومحطات إذاعة وصحافة تبشر بالطائفية السياسية وتدعو لها في الليل والنهار وتعبئ الناس حولها. وهي المعاناة التي يواجهها المجتمع العراقي حالياًُ, ويمكن أن تسود الحالة في بلدان أخرى في المنطقة إن تواصلت في العراق طويلاً.
الطائفية السياسية ليست مرضاً عضالاً حسب, بل هي جريمة بشعة أيضاً ترتكب ضد حرية الإنسان وحقوقه المشروعة وضد التضامن والإخاء والوفاق والتعايش الوطني.
الطائفية هوية الجهلة والمتخلفين والمعاقين فكرياً وسياسياً, هوية المحرومين من الثقافة والواقعين تحت تأثير بعض رجال الدين ولكنهم من غير دين ولا ذمة أو ضمير, لهذا فهم يسمحون للفتنة أن تشتعل بين أهل السنة وأهل الشيعة, وأقطاب الحكم يتفرجون على الحالة غير العقلانية التي كانت سائدة في البلاد.

استمعت قبل يومين إلى خطاب ديني مصور قدمت جانباً منه وإحدة أو أكثر من الفضائيات العربية. كان الخطاب الديني لأحد شيوخ قطر والجزيرة وأحد أعضاء جماعة “الأخوان المسلمين”, إنه الشيخ يوسف القرضاوي. كان الخطاب تحريضاً وقحاً وعدوانياً لحرب مدمرة بين الشيعة والسنة, ومحاول جر الكرد إلى هذا الصراع المذهبي. فهو يطالب المسلمين الكرد بالتدخل لإيقاف القتال بين الشيعة والسنة وأن لم يتوقفوا فعليهم أن يساعدوا السنة في محاربة الشيعة,  لأن الشيعة هم الذي يطاردون السنة ويهجرونهم ويقتلونهم. لقد اثارني هذا الخطاب لسبب أساسي واحد هو أن هذا الرجل قد دأب على التحريض الطائفي عبر قناة الجزيرة على امتداد السنوات المنصرمة وهو لا يزال يمارس هذه المهنة التحريضية التي لا تقود إلى صراع فكري وسياسي فحسب, بل وإلى قتال بين الشيعة والسنة وليس في العراق فحسب, بل وفي أنحاء أخرى من العالم حيثما وجد شيعة وسنة. إن القتلة يا شيخ يوسف هم من الشيعة والسنة في آن واحد, أنهم يستمعون إلى أمثالك وأمثال رجال الدين شيعة فتتأجج الطائفية السياسية وتلتهب الأحقاد ويبدأ الموت يخطف بنات وأبناء العراق وأطفالهم. الشيخ ضاري سكت طويلاً, بل أصيب بالخرس عندما كانت القاعدة والزرقاوي يقتلون الناس في العراق وفي كل مكان, سواء أكانوا من الشيعة أو السنة, لأنهم يشكلون الجزء المتطرف من الأخوان المسلمين, هذا التنظيم الدولي الفاعل حالياً في أغلب الدول العربية والإسلامية.
لا يختلف المتلبس بالطائفية, سواء أكان شيعياًُ أم سنياً, فكلاهما من طينة سيئة واحدة, فهما لا يحترمان كرامة الإنسان وحريته وحقه في اختيار الدين أو المذهب الذي يراه مناسباً له وينسجم مع تفكيره ويتبنى المعتقدات التي يقتنع بها, إن الطائفية السياسية, وليست المذهبية العاقلة, هوية قاتلة ومن يرفعها عالياً يدعو إلى الصراع والنزاع المسلح والقتل العمد. هذا ما يحصل الآن في العراق وربما سيحصل في لبنان وفي بلدان عربية وإسلامية أخرى.
أدرك جيداً بأن الطائفيين السياسيين يقبعون في الطائفتين ويمارسون العمل السياسي التهييجي ضد بعضهما, ولكن الضحية الفعلية يبقى الإنسان المؤمن بمذهبه وغير المتزمت بل يعترف بحق كل إنسان بتبني المذهب الذي يرتأيه.
أتمنى على المؤمنين العراقيين والعرب من السنة والشيعة أن يرفعوا صوت الاحتجاج ضد ممارسة الطائفية السياسية أو الداعين والمحرضين لها, اتمنى على الناس أن يعوا المخاطر الجدية الكامنة وراء ممارسة الطائفية عليهم بالذات, فمن لم تشمله اليوم ستشمله غداً أو بعد غد, ولن ينجو منها أي إنسان عاقل, إذ أن الطائفيين ضد العقل والعقلانية وضد الفكر الحر.

أواخر كانون الثاني/ يناير 2007 كاظم حبيب