الرئيسية » الآداب » نحو توثيق الحركة المسرحية الكوردية في بلدان المنافي

نحو توثيق الحركة المسرحية الكوردية في بلدان المنافي

تمهيد:
المسرح ذلك العالم السحري الذي يجعل من الصعلوك ملكاً ومن الفقير اميراً وحاكماً يملء هذا العالم السحري حنايا افئدة المشاهد بحرارة الامل، وهي مدرسة للنشئ الجديد يربي فيهم القيم الانسانية النبيلة , مدرسة ثقافية عريقة الاصول ترجع الى الماضي السحيق حتى قبل ايام الاغريق الذين اشتهروا بمسرحياتهم وكتاب المسرح العظماء. ولا ريب ان الكثير من المصطلحات المستخدمة في عالم المسرح اليوم ترجع في اصولها الى تلك الايام وقد نلاحظ نكهتها اليونانية غالبة عليها.
لقد تطور المسرح والاداء المسرحي وفنون النشيد الكورالي الجماعي والرقص في المعابد، وكانت ترافق الطقوس الدينية دوما، وقد نرى انعكاسات ذلك في العديد من الديانات والعقائد لحد يومنا هذا في كل ارجاء المعمورة. ففي الصين واليابان نرى المسرح الصيني والاداء المسرحي الصامت الرمزي (بانتومين)ٍ وفن الاوبرا والغناء والرقص المسرحي الذي يرجع الى عهود الامبراطورية الصينية القديمة، كان يوسع المسافة الواقعة بين السماء والارض، وفي الشرق نرى الرسوم الجدارية السومرية والاشورية والبابلية والعيلامية والمصرية القديمة، مليئة بمشاهد الطقوس الدينية من رقص وغناء وآلات موسيقية ترافق اداء تلك الطقوس الدينية القريبة من الاداء المسرحي والالقاء من سجع الكهان والمزامير والشعر الديني المنتشر عند العديد من العقائد الدينية الموجودة في الشرق لحد يومنا هذا. العراق القديم شارك في اغناء الثقافة العالمية بالعديد من الملاحم الشعرية كملحمة (كلكامش) الشهيرة التي تمثل صراع الانسان على الارض وجريه الدائم نحو الخلود وربما كان كل ذلك يمثل في المعابد بمرافقة صوت القيثارة السومرية والناي والقانون والدف وتعتبر ملحمة” مم وزين” للشاعر الراحل” احمدي خاني ” احد الملاحم التراثية الكوردية التي تغنّى حتى يومنا هذا في كوردستان في ليالي وأمسيات لقاء تنشد فيها تلك الاشعار حيث تستمر الى ايام عديدة يجيد فيها الفنانون المطربون الشعبيون اداء تلك الاشعار.
المنهل التاريخي:
اهمية التوثيق قد لا تقتصر على الحفاظ على الارث الثقافي فحسب بل تتعداها الى كونها عملية ذاتية للاستمرار على العطاء وتحفيز الاجيال المتعاقبة من الاستفادة من التراكمية الثقافية للبلاد وتعتبر بحد ذاتها منهلا للباحث والدارس. الثقافة المحلية جزء متكامل من الثقافة العالمية وتعتبر لبنة من لبنات ذلك الصرح الثقافي.
التمثيل المسرحي الكوردي في بلدان المنافي جزء من الحركة المسرحية العراقية , طور على يد رواد الحركة الفنية المسرحية الكوردية بصورة عامة في ظروف استثنائية مر بها الشعب العراقي في تلك المرحلة.
ان دراسة الحياة الاجتماعية والسياسية للمهاجرين في تلك الفترة التاريخية مهمة جدا لمعرفة مدى حاجتهم الروحية والنفسية الى فعاليات تغذي روحهم وتعيد فيهم الامل بالمستقبل. حيث كان الياس والقنوط يظل بظلاله السوداء على افئدتهم وقد كنت شاهدا على تلك الظاهرة حينما كنت احل ضيفاً على العديد من المهاجرين في العديد من دول اوربا انذاك، خاصة الشباب منهم، وربما كان النقاش والجدال السياسي على اشده تلك الاعوام ولم تكن مأساة “حلبجة” و”الانفال” قد حلت بالشعب الكوردي بعد بينما كان معظم اعضاء قيادة الفصيلين الكورديين السياسيين الاساسيين في دول المنافي وكانت بين الحين والاخر تصل اخبار من الوطن عن فعاليات قوات البيشمه ركه فيعيد الجدل والنقاش بين المهاجرين كتلك النسمة التي تهب على الجمرة المختبئة تحت الرماد فتهيجها.
مقهى الملتقى:
كان العديد من الشباب الكوردي المهاجر يلتقون في الاماسي في كافيتيريا وسط العاصمة استوكهولم في المركز التجاري المسمى “جالاري” وكان مالكها أحد اليونانيين المهاجرين , هناك تجري الاحاديث حول الاخبار الواردة من الوطن بينما يشرب آخرون القدح التالي من القهوة المسماة “بو تور” . اذا حل ضيف عليهم يقدمون له يد العون والمساعدة ومحاولة طرد وحشة الغربة عن قلوبهم العليلة. هنا تجدر الاشارة الى دور بارز قام به احد الفنانين الكورد في بلورة مشروع لتشكيل فرقة مسرحية كوردية الا وهو الاستاذ الفنان الكاتب “طه الباراوي” حيث اجتمعت عصبة طيبة من الشباب الجاد والمثقف في فرقة مسرحية سميت ب ” فرقة المسرح الكوردي”.
ظهور وغياب(_كوناي) المفاجئ:
كان لصعود نجم المخرج والممثل التركي والكوردي الاصل” يلماظ كوناي” في اوربا اثر كبيرعلى الفنانين الكورد بصورة خاصة بعد حصول فلمه “الطريق” على جائزة السعفة الذهبية في “كان” وهو من الفنانين ذوي الباع الطويل في عالم الفلم. وقد ترك ميراثاً ثقافياً كبيراً للسينما التركية .
انعكاسة التراث الثقافي في الحياة الفنية في المهجر:
ان المهاجرين في دول المنافي في تلك الفترة لم يكونوا بذلك الزخم الكبير الذي هم عليه الآن. وكانت مشاكل الوطن الأم تنعكس بصورة مباشرة على الحياة الاجتماعية والثقافية للمهاجر الكوردي. والجدير بالذكر ان التراث المسرحي الكوردي في كوردستان ذو تقليد عريق وقديم وقد يمكن اعتبار المرحوم” رفيق جالاك” فنان الشعب الكوردي رحمه الله شاعرا ومسرحياً ومطرباً وكاتباً وقد شاهدت له العديد من الصور الفوتغرافية وهو على خشبة مسارح السليمانية. ومنذ العهد الملكي حيث التمثيل الصامت والاداء البانتومي الرمزي، عهدته ذا صوت ونبرات قوية شاهدته مرات عديدة على المسرح وهو يقدم البرامج في احتفالات الحادي عشر من اذار على المسرح القومي في كرادة مريم حيث كنت أجلس مع بعض ابنائه في المقصورة بالقرب من الشهيد الوزير” صالح اليوسفي” ورجال الدولة و السياسة في ذلك العهد . كانت جدران القاعة الكبيرة تهتز لصوت عميد ورائد الحركة المسرحية الكوردية رحمة الله ورضوانه عليه والجدير بالذكر ان ابنة البكر” جالاك” يحمل ذات المواصفات الفنية في صوته ولكنه لم يتجه الى الفن مع الاسف الشديد. هذا الارث والمناخ الثقافي لمدينة السليمانية كانت حاضرة في روح تلك المجموعة الطيبة التي شكلت النواة الاساسية لفرقة المسرح الكوردي في السويد. اذكر منهم السيدة المطربة” مرزية” زوجة فنان الشعب” ناصر رزازي” والفنان” قاسم عزيز” والزوجان “خجة” و”تحسين” و”فخر الدين كويي” و”عدنان كلي” و”هنونر جلال” و”جواد كركوكلي” و”عادل عبد الله” و”سولاف شاكر” و”طيب باراوي” وآخرون.
فضلاً عن تلك الفرقة كان هناك فرقة مسرحية اخرى يقودها الفنان الكبير والكاتب والمخرج المسرحي الاستاذ الدكتور” فاضل جاف” وهو من خيرة اساتذه الفن المسرحي الشرطي. اخرج عملا مسرحيا للكاتب البولوني “سوافومير مردجيك” حمل عنوان ” في اعالي البحار” وقد ترجم الى الكوردية ونشرته دار الثقافة والنشر الكوردية وقد ذكر لي الفنان والكاتب الكوردي المعروف “عصمان فارس” انه قام باخراج المسرحية بنفسه في تلك الفترة بالذات في بغداد في منتدى المسرح العراقي 1987. وتدور احداث المسرحية حول الصراع بين الضعيف والقوي واشكالية ذلك الصراع الذي يطرح تساؤل النهاية. لم احضر تلك المسرحية بل شاهدتها على شريط فيديو واعجبت بالقدرة الفنية الكبيرة لاداء الممثل “بشكو سعيد ناكام” وهو من عائلة كوردية قدمت للثقافة الكوردية جل الخدمات خاصة والده رحمة الله الاستاذ “سعيد ناكام” حيث كان كاتبا ومترجما جليلا ورأس تحرير مجله “شمس كوردستان”. وللفنان اخ كاتب مسرحي ورسام كبير يعيش في فرنسا اسمه “سمكو سعيد ناكام” ولكن الذي يؤسف اليه انه قليل الانتاج.
لقد كان الجدال والسجال السياسي على اشده عند عرض تلك المسرحية، وكما ذكرت سابقا لم اتمكن من حضورها وقد قابلت المخرج في احد المدن السويدية وهو يحضر لتقديم مسرحية للاطفال ثم قرأت عنه انه حصل على شهادة الدكتوراه من المعهد الفني للتمثيل العالي في بطرس بورك “ليلينكراد سابقاً” ويعمل محاضر في جامعات المغرب، وقد اخرج مسرحية مستوحاة من الف ليلة وليلة على مسرح الدولة في مدينة” هلسنبورك” وفي مدن سويدية اخرى.
اما المخرج الثالث من تلك الفترة التاريخية فهو الاستاذ “سلمان فائق الكاكايي” احد رواد الحركة المسرحية العراقية منذ الستينيات شهدت له مسرحية “رسالة الى الله” في تلك الفترة 1967 على مسرح اعدادية كركوك. كانت تدور حول الفقراء واليتامى قدمها بعض الطلبة الموهوبين بمناسبة حملة التبرع بمعونة الشتاء السنوية وقامت الفرقة الموسيقية لفناني كركوك بمصاحبة المسرحية. وقد ازداد انتاج فناننا الكبير مع افتتاح محطة تلفزيون كركوك حيث افتتحت بخطاب رقيق وجهه رئيس الجمهورية انذاك السيد عبد الرحمن عارف الى جماهير كركوك. كانت تلك فاتحة خير للفن والفنانين الكورد والتركمان والكلدو اشوريين والفنان” سلمان” من خريجي معاهد التمثيل العالية في رومانيا وقدير جدا في ادارة الممثلين الهواة منهم، فقام باخراج عمل تمثيلي باسم “اسو- الشفق” مع الكاتب الكوردي المعروف “فهمي الكاكايي” بدات التحضيرات لها عام 1988 وانتهى العمل بها عام 1989 . مثل العديد من الممثلين الهواة وعوائلهم في هذا العمل الفني اذكر منهم عائلة المناضل الكوردي المرحوم” قادر دانساز” و”شوان ئاواره” و”صباح البرزنجي” وآخرين.
الجدير بالذكر ان النص المسرحي الكوردي فقير جدا وعدد الكتاب المسرحيين قلة اذكر منهم الاستاذ” محيي الدين زنكنه” في اسلوبه السردي البعيد عن التعبيرية الرمزية والمخرجين السادة الجاف والكاكايي واميد من مدينة العذابات كركوك التي شاركت وبفعالية في اغناء الادب والثقافة العراقية باسماء لامعة وقد يكون من المفيد هنا ذكر مجموعة “جماعة كركوك” * تلك الجماعة من الكتاب والشعراء والفنانين اللذين يمثلون وبحق التركيبة الاثنية والقومية العقائدية لتلك المدينة الصابرة هؤلاء اغنوا التراث الثقافي العراقي عبر السنين واذكر حصرا الاستاذ الكاتب المسرحي الكبير ” جليل القيسي” الذي التقيته في السبعينيات وهو على حافة الكآبة التي دخلت فؤاده العليل من اوسع ابوابه فبات يداعب الثالث في البيت كلبه الحنون.
)راس المملوك جابر) بالكوردية:
قام الفنان الكبير “طه الباراوي” بتكريد مسرحية الكاتب” سعد الله ونوس” ” راس المملوك جابر” فتحول النص روحاً وكلمات الى الكوردية في عمل مسرحي كبير قدمته “فرقة المسرح الكوردي” في استوكهولم تحت عنوان “كه له ي قاله”. قال عنها الشاعر الكبير” شيركو بي كس” عند نقده النص بانه: احد اكمل النصوص المسرحية الكوردية المعاصرة.
خلال لقائي المتكرر معه في بيت الفنان “طة الباراوي” الذي كان يتجمع فيه كذلك العديد من اعضاء الفرقة بعد كل” بروفه” ويدور حديث ثقافي ذو شجون طوال الليل والجدير بالذكر ان الفنان” الباراوي” احد المثقفين الكورد ذو المام كبير بالثقافة المسرحية وله تجربة تعود الى الستينيات حيث قدم العديد من الاعمال المسرحية الخالدة في المسرح الكوردي قبل لجوءه الى الغرب. وقد تم عرض هذا العمل الفني في النمسا حيث تم دعوة الفرقة الى فينا من قبل “المركز الكردي” في النمسا.
وقد باءت بالفشل جهود الفرقة لتسجيل ذلك العمل المسرحي للتلفزيون في غياب التقنية والخبرة وقد كان الفنان الموسيقي الكوردي “هيوا زندي” قد ابدع في اضافة الموسيقى التصويرية للمسرحية وتلحين مقاطع شعرية غنائية في المسرحية.
كان معظم الممثلين يعملون في النهار ويتوجهون بعد انتهاء ساعات العمل الى اقرب قاعة للمسرح يحجزونه من اجل اجراء البروفات, فترى لوحة عائلية رائعة يشترك فيها جميع افراد العائلة وحتى الأطفال احياناً. والجدير بالذكر ان العديد من اعضاء الفرقة تزوجوا من صبايا كورديات من سوريا بعد ان زاروا منطقة” الجزيرة ” ومدينة” القامشلي” حيث لم تكن هناك امكانية للعبور الى الجهة العراقية ولم تكن انذاك وكما هو معلوم مناطق للحظر الجوي قائمة وبذلك تم توحد جديد بين كورد سوريا وكورد العراق.
عن تلك السنوات اتذكر زيارة الفنان المخرج الكردي “مهدي اميد” للمسرح الذي كانت ا لفرقة تؤدي بروفاتها المسرحية على مسرحية “كه له ي قاله” وقد وعد الفنان القيام بعمل فني مشترك وكان حينها لا يزال يدرس في روسيا. ولم يكن قد استقر في السويد والفنان من عائلة فنية معروفة فهو الاخ الاصغر للفنان الكبير” حسن كرمياني” ومن مخرجي الافلام السينمائية القلة من الكورد شاهدت له عرضا خاصا لفلمه الطويل “تونل” في شقته في احد ضواحي العاصمة استوكهولم، واثنيت على المعالجة الفنية والتقنية العالية للفلم الذي يعتبر حقا من الافلام القليلة التي صورت بتقنية فنية عالية لم تنل النجاح المرجو ربما لكثرة اللقطات التعبيرية الرمزية ذات الحوار القصير في حركات مسرحية رمزية شاركت فيه ساحدى فرق الباليه الروسي وممثلين كورد وروس.
ارجو ان يكون ندائي في كتابتي هذه مقدمة وحافزا الى الفنانين الكورد في المنافي من اجل توثيق الحياة الثقافية للمغتربين في دول المنافي حيث يقوم عدد من الاساتذه مشكورين بتجارب رائعة في هذا المضمار اذكر منهم الاخ “مهدي الجاف” و”سيروان رحيم” والاخ” هاوري.


التآخي : العدد 4917 التاريخ 12/12/2006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *