الرئيسية » مقالات » البعد الكردستاني للشرق الأوسط الجديد ( 2 – 2 )

البعد الكردستاني للشرق الأوسط الجديد ( 2 – 2 )





الكرد في ملف الشرق الأوسط الجديد
هدفنا في هذا المبحث ليس تقييم الموقف الأمريكي أو أي طرف آخر حيال الكرد بقدر قيامنا باستطلاع رؤا اللاعبين الرئيسيين في سياسة الشرق الأوسط وفي مقدمتهم أمريكا وأوروبا بالدرجة الثانية الذين يتمتعون بمواقع اقتصادية وعسكرية وسياسية تؤهلهم بالمشاركة الفاعلة الى جانب شعوبها في اعادة تشكيلها من جديد بصورة ديموقراطية وتقرير مصيرها ومن ضمنها الشعب الكردي المجزء والموزع على اربعة دول مفصلية مؤثرة الذي ينتظر مثل تلك الاجراءات بفارغ الصبر فأين الكرد من عملية بناء الشرق الأوسط الجديد ومن أجندة صانعيه ؟.
بما يتعلق الأمر بالعنصر الاقليمي ليس من شك هناك تحالف واسع قيد النمو من قوى شعبية متجذرة ورسمية معتدلة تنشد التغيير الديموقراطي السلمي والاصلاح تبدأ من العراق وتنتهي في فلسطين مرورا من لبنان وتقف في صفها قوى المعارضة الوطنية في جميع دول المنطقة كما تقف من على مسافة منها مجموعة من الدول المعتدلة مثل السعودية ومصر والاردن التي ترى في ” محور الممانعة “المعرقل الرئيسي لعملية التغيير والمكون من نظامي سورية وايران ومنظمات الاسلام السياسي الأصولية والموسومة بالطائفية والارهابية خطرا أكبر على مصالحها بل معادية لها , وليس هناك من شك أيضا أن قوى التغيير الديموقراطي بشكل عام بدأت تقترب من اتخاذ الموقف السليم من الكرد وقضيتهم العادلة .
أما العنصر الدولي فسنبدأ في محاولتنا هذه من بداية مرحلة ما بعد الحرب الباردة وتبوء الولايات المتحدة الأمريكية موقع القطب الأعظم والتي تزامنت مع بداية الانفتاح الغربي العام على القضية الكردية وظهور مدى الترابط بين الحالة الكردية وبين ازالة الأنظمة الشمولية الدكتاتورية في العراق وايران وسورية خاصة اذا علمنا أن موضوعة الشرق الأوسط الكبير منها والجديد تشمل الكرد والدول والأنظمة الأربعة المقسمة لكردستان منها شمولية أو من محور الشر أو مارقة مع ظهور حقيقة أخرى وهي أن القوى الكردية السياسية أينما كانت تقف في الصف الأول بمواجهة الاستبداد والارهاب وفي مقدمة قوى التغيير الديموقراطي وتكون بذلك في صفوف الجبهة العالمية الباحثة عن السلام والاستقرار واحقاق الحق والعدل وبالتالي فان الكرد جزء مستفيد وفاعل في اعادة تشكل الشرق الأوسط من جديد .
كان النظام العالمي الذي انبثق عن نتائج الحرب العالمية الثانية ومساومات القطبين وبالا على الكرد حيث ذهبت جمهورية مهاباد ( 1946 ) ضحية مصالح الآخرين كما اصيبت الحركة الكردية في العراق بانتكاسة أليمة عام( 1975 ) بعد اتفاقية الجزائر التي جسدت المساومات الدولية على حساب الكرد وكان من تبعاتها المؤذية ادراج القضية الكردية في جميع بلدان المنطقة في طي النسيان والتجاهل واغلاق أبواب العالم أجمع في الشرق والغرب أمام المناضلين الكرد من أجل الحرية وساد الصمت في المجتمع الدولي حيال ابادة الكرد ( حلبجة ) على سبيل المثال واضطهادهم وحرمانهم من الحقوق وتصفية نشطائهم ( تركيا وايران ) وتهجيرهم من ديارهم وتنفيذ مخططات التعريب ( العراق ) و- الحزام العربي – ( سورية ) أما النظام العالمي الذي بدأ بالتشكل منذ هزيمة القطب السوفييتي في العقد الأخير من القرن المنصرم فعلى ما يبدو بصدد التكفير عن ذنوب الماضي وأعادة الاعتبار للكرد كشعب وقضية في سياق اعادة النظر في بنية الشرق الأوسط برمتها وتجديدها وذلك اعتمادا على قراءة وفهم الأحداث والمواقف والسياسات التالية :
ظهرت بداية الانفتاح الدولي والتعاطي الايجابي مع الملف الكردي خلال الهجرة المليونية لكرد العراق وتجسدت في عملية – الملاذ الآمن – منذ أول تسعينات القرن العشرين التي تزامنت مع قوة الدفع الامريكي في مؤتمر السلام العربي الاسرائلي في مدريد ( 1991 ) كنوع من التوازن بين القضايا العالقة في المنطقة وتطورت الى درجة التدخل الامريكي لاصلاح ذات البين بين الفصيلين الكرديين الرئيسيين في كردستان العراق المتوج – باتفاقية واشنطن – ( 17 5 1998 ) .
حتى الآن ليس في متناولنا وثيقة تحدد الموقف الرسمي من دول الغرب تجاه الحقوق الكردية ماعدا المواقف العابرة والتصريحات المقتضبة تجاه بعض المسائل الانسانية والأحداث العابرة وفي مؤتمر الكرد والبحث عن الهوية الذي مررنا على ذكره قال الدبلوماسي الأمريكي – ريتشاردوني – في كلمته مخاطبا الحضور : ” لن تسمعوا مني تصريحات خاصة بسياسة الحكومة الأمريكية تجاه الكرد ليس هناك وجود لتصريح رسمي أمريكي خاص بالسياسة تجاه الكرد لأنه ببساطة ليس هناك حاجة لذلك فالكرد لاعبون بدون دولة ولهم علاقات دولية أنجح من الأنظمة ” وكما هو معلوم فان أصحاب القرار في الغرب عموما وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص يعتمدون في ادارتهم لسياسة بلدانهم على معلومات وتحاليل ودراسات ومقترحات المؤسسات الاستخباراتية والعلمية ومراكز الأبحاث الجامعية والمستقلة وخبراء السياسة والاستراتيجيا التي يخصص لها جزء هاما من الأموال من الميزانية القومية العامة ومن المفيد عرض مقتطفات من تقريرين تعطي انطباعا واضحا عن التفكير الأمريكي تجاه الكرد ضمن اطار الشرق الأوسط الجديد وسيشكل بالتالي منطلقا للسياسة الأمريكية على المديين المتوسط والبعيد كما هو متوقع :
الأول : تقرير من – 32 – صفحة قدمه الخبير الاستراتيجي الأمريكي – بول مايكل فيبي الى الرئيس بوش – بعد جولة في المنطقة برفقة ثلاث خبراء اعتبارا من كانون الثاني 2001 ويمكن ايجاز مضمون التقرير بعدد من الاستنتاجات والمقترحات ومنها : البحث عن زعامة فلسطينية جديدة والتخلي عن خيار – أوسلو – مع خيارات عسكرية , مراجعة العلاقات الأمريكية المصرية بعزل النظام , تقوية ودعم المحور الاسرائيلي – التركي بضم الأردن , الرأس الرابع في المربع الذي يسميه فيبي – مربع القوة – سيكون – آذربيجان – بسبب موقعه بالقرب من روسيا والنفط والغاز و- كردستان – أما اقليم كردستان فهو الباب الى العراق وايران والخليج ومن الرأس الرابع ينطلق التغيير للأنظمة القديمة البالية التي تشكل خطرا على المصالح الأمريكية وتحويل آذربيجان وكردستان العراق الى قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة ومتطورة وجعل كردستان مستودعا عسكريا للأسلحة على غرار – قطر – مع تطمين الحليف التركي ويطلق – فيبي – على الرأس الرابع : – رأس التغيير – كما يدعو التقرير الى استعمال القوة لاسقاط نظام بغداد ومن ثم – طهران – وتقطيع أوصال العراق بوضع اقليم كردستان تحت ادارة مدنية تابعة للأمم المتحدة لفترة انتقالية تمهيدا للاستقلال على غرار – تيمور الشرقية – واقليم – كوسوفا – , كما يدعو الى ضربة عسكرية لاجراء التغيير في السودان , وحول سورية يدعو الى بحث الوجود السوري في لبنان وطلب انسحابه وفرض عزلة اقليمية عليها واقامة مشروع مياه تمد تركيا كلا من الأردن واسرائيل لزيادة الضغط ودفع الخليج لفرض العزلة عليها ويخلص التقرير الى أن تطبيق هذه المقترحات سيؤدي الى ظهور شرق أوسط جديد , وكما يتضمن التقرير فان جهات أخرى شاركت في اعداده ومن بينها : مجلس المخابرات القومي الأمريكي المكون من عدة مؤسسات أمنية وجامعة ميريلاند ومعهد بوتاميك وجامعة جورج تاون وريتشارد هيس من مؤسسة بروكنز وخبراء من هارفارد ومؤسسة كارينجي للسلام في واشنطن .
الثاني : تقرير من – 61 – صفحة أصدره – سي آي اي – في العام 2000 يتناول استشراف مستقبل العالم لخمسة عشر عاما شبيه بالأول بما يتعلق بالشرق الأوسط وبالكرد بشكل خاص وأميل الى التشاؤم بخصوص الجماعات المتطرفة .
وقد احتوت الوثيقتان اللتان قدمهما السيد – ريتشارد بيرل – عام 2002 عندما كان يشغل منصبا رفيعا في وزارة الدفاع احداهما بعنوان : ” وثيقة التسوية العراقية ” والثانية تحت عنوان ” وثيقة الاختبار العراقي ” نفس الرؤا والتوجهات الواردة في التقريرين السابقين مع تشديده على فدرالية كردستان ومسالة التعددية والعلمانية في العراق وتحوله نموذجا للتغيير الديموقراطي في جميع بلدان المنطقة حتى الحليفة منها لأمريكا .
الأوساط الغربية ( الأمريكية والأوروبية ) تتفق من حيث الجوهر حول نفاذ صلاحية النظام السياسي القديم ومبدأ التغيير الديموقراطي في الشرق الأوسط وقد تختلف حول الوسائل كما تتوحد في تشخيص الأزمات والتحديات القائمة القديمة منها والحديثة الظهور بعد مرحلة الحرب الباردة والتي تهدد مصالح الجميع مثل : الارهاب الأصولي والأنظمة الشمولية الاستبدادية وأسلحة الدمار الشامل والنزاعات القومية والفقر ومخاطر الابادة العرقية والمواجهات الطائفية وفي الغالب تشعر بمسؤولياتها التاريخية وبشكل أخص الدول الأوروبية الاستعمارية عن القدر الكبير من هذه الأزمات أقله منذ انهيار الامبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى ( 1914 – 1918 ) وابرام اتفاقية – سايكس – بيكو – وتنفيذ وعد – بلفور – وتقسيم كردستان وعدم الاستجابة لارادة سكانها في التمتع بحق تقرير المصير لقد تميز الموقف الأمريكي حينذاك ومنذ مبادىء – ولسون – الآربعة عشر ( 1916 ) بدعم مبدأ حق تقرير مصير الشعوب وخاصة الرازحة منها تحت نير الامبراطورية العثمانية وبينها الكرد بخلاف الأوروبيين الذين بحثوا عن سبل انتداب واستعمار وتقسيم تلك الشعوب وبعد حوالي قرن كامل تعيد الولايات المتحدة اعادة رسم سياستها من جديد وتتخذ نهج المناصرة لقضايا الشعوب والقوميات التي مازالت محرومة في الشرق الأوسط وبكل أسف تقف أوروبا الرسمية مترددة وحائرة وعاجزة عن اتخاذ الموقف الحاسم بل وتزرع العراقيل بين الحين والآخر أمام الفعل الأمريكي كما حصل في العراق لأسباب مصلحية ضيقة بعكس المواقف الايجابية التي نلمسها في أوساط الرأي العام في بلدانها وكذلك الصحافة وحركات المجتمع المدني والمؤسسات البرلمانية .
في الختام لابد من الاشارة الى أن الشرق الأوسط بمختلف صيغه الذي نحن الكرد جزء لايتجزء منه مقبل على تحولات عميقة ولم تتوقف بعد عجلة التغيير والاحتمالات كلها مفتوحة وممكنة الوقوع من أحسنها الى أسوئها وفي مثل هذه الحالات تقع مسؤوليات جسام على نخب الشعوب السياسية والفكرية والثقافية ومنها الشعب الكردي في مختلف أماكن تواجده لتستشرف آفاق المستقبل وتقرأ بواقعية الرأي الآخر بما فيه المخالف وتحدد السبل لانجاز المكاسب والحفاظ على المصالح القومية والوطنية وتشخص الى جانب ذلك التحديات والمصاعب وتقدم البدائل والخيارات واستخلاصات الأهداف القريبة والبعيدة عند ذلك يمكن للكرد أن يكونوا طرفا في معادلة بناء الشرق الأوسط الجديد ويساهموا في تحقيق السلم والديموقراطية في ساحته ويتمتعوا بموقع لائق في حاضره ومستقبله .


• – ورقة قدمت في الحلقة الدراسية التي نظمتها رابطة كاوا للثقافة الكردية بالمركز الثقافي لجامعة صلاح الدين في هولير عاصمة اقليم كردستان العراق بتاريخ25 – 30 10 2006 وشارك فيها نخبة من الأكاديميين والمثقفين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *