الرئيسية » مقالات » كردستان والإشكالية التركية!

كردستان والإشكالية التركية!

يقول المثل الإنكليزي النابت بـ “أن الحقائق صخور صلدة تشج رأس من ينطحها”. وهذا المثل الواقعي ينطبق كلية على مشكلة وعقدة تركيا مع كردستان. فالحكومة التركية ترفض الاعتراف بوجود منطقة في الشرق الأوسط أسمها كردستان موزعة على أربع دول هي تركيا وسوريا والعراق وإيران في آخر تقسيم لها في نهاية الحرب العالمية الأولى, وأن على هذه الأرض الطيبة تعيش أمة واحدة هي الأمة الكردية, وأن جزءاً من هذه الأمة يعيش في تركيا هو الشعب الكردي ونفوسه يودي عن 20% من سكان الدولة التركية, وأن جزءاً آخر منها يعيش في كردستان العراق وثالث في كردستان إيران ورابع في سوريا, إضافة إلى وجود عدة ملايين يعيشون في الشتات بسبب الاضهاد والمطاردة وقسوة التعامل مع الناس الكرد. ولم تكتف الدولة التركية بعدم الاعتراف بكردستان والشعب الكردي فحسب, بل حرمته لعقود طويلة من حقه في الحديث بلغة الأم, اللغة الكردية. كما مارست الاضطهاد والتعسف والقسوة ضد الكرد الذين طالبوا بحريتهم وحقهم في تقرير المصير أو الذين ناضلوا في أحزاب سياسية كردية في ذلك الجزء من كردستان الذي يقع في حدود الدولة التركية. وقادت تلك السياسة ليس إلى ظهور أحزاب سياسية كردية سرية فحسب, بل إلى بروز قوى تطالب بممارسة الكفاح المسلح لنيل الحقوق العادلة والمشروعة وفي المقدمة منها الحق الثابت في القانون الدولي, حق تقرير المصير لكل شعب, إذ أن تشكيل الأحزاب السياسية الكردية كان محرماً وفق القوانين التركية الظالمة, وكانت عقوبتها السجن والتعذيب في أقبية السجون التركية التي لا تختلف كثيراً عن سجون الدولة العثمانية كثيراً, ولم يكن حزباً كردياً واحداً يخوض هذا النوع الصعب من النضال المسلح ضد الحكومة التركية, بل كانت هناك مجموعة من الأحزاب السياسية التي سعت إلى ممارسة السياسة السلمية في نضالها ولكن دون طائل فتحولت في فترة ما إلى الكفاح المسلح.
إن رفض الاعتراف بحقائق الوضع على الأرض في الدولة التركية ومن جانب حكومتها يزيد الأمر سوءاً ويؤجج الصراع القومي والنزاع المسلح. وبدلاًً من قيام أوردغان, رئيس حكومة تركيا, بممارسة سياسة جديدة إزاء الشعب الكردي في كردستان تركيا ومنحه حقوق الإنسان والحقوق القومية المشروعة ومنها حقه في تقرير المصير وإقامة الفيدرالية فيها لكي يحسّوا بأن الكرد مواطنون من الدرجة الأولى وليس من الدرجة الثانية أو الثالثة أو حتى الرابعة, بسبب سوء المعاملة والتمييز والاضطهخاد والتخلف الكبير في المناطق الكردية من حيث التنمية الاقتصادية والبشرية والبطالة الواسعة والفقر المدقع, وبدلاً من كل ذلك, تتهم الحكومة التركية الأحزاب الكردستانية في كردستان العراق وحكومة الإقليم بأنها تساند حزب العمال الكردستاني, في حين أنها تدرك بأن الكرد في كردستان العراق لا يتدخلوا في شؤون الدولة التركية وأنهم غير قادرين على منع حركة الكرد من كردستان تركية على الحدود العراقية التركية الذين يطالبون بحقوقهم, كما كان الكرد في كردستان العراق يطالبون بحقوقهم, أو كما يناضل الكرد في كردستان إيران أو في سوريا من أجل حقوقهم العادلة,
ورغم ما بذل حتى الآن من جهد في هذا الصدد. فالدولة التركية لا تكف عن ممارسة العنف وترفض التفاوض من أجل حل هذه المسكلة وهي أشبه بالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال حين ترى عدوها أمامها. كما ان سياساتها الداخلية تعيق دخولها في الاتحاد الأوروبي لانعدام الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان عموماً وموقفها غير المشروع والمنافي لكل معايير شرعة حقوق الإنسان من القضية الكردية والشعب الكردي في كردستان تركيا.
ورغم أن الحكومة التركية تدرك ذلك تماماً, فإنها تحاول الابتزاز والضغط المتواصل وإعطاء تصريحات استفزازية ضد القوى الكردستانية في كردستان العراق وضد حكومة الإقليم وبالتالي ضد العراق ايضاً. ولم تكتف بذلك فهي تهدد بالتدخل الفظ في شؤون العراق الداخلية واجتياز الحدود العراقية التركية لمطاردة المسلحين من أعضاء حزب العمال الكردستاني, كما كانت تفعل في زمن حكم الدكتاتور المخلوع والراحل صدام حسين سنو ات كثيرة.
وأخيراً أعلن رئيس وزراء تركيا بأن تركيا لن تسكت إذا سيطر الكرد على كركوك. إن هذا التصريح ليس فقط استفزازي بل وتدخل فظ ومرفوض في شؤون العراق الداخلية وإساءة كبيرة للسيادة الوطنية. فالعراق قد حدد في المادة 140 من دستوره الجديد, الذي أقر في العام 2006, صيغة التعامل مع الخلاف القائم حول كركوك. لقد وضعت المادة 140 جدولاً زمنياًً وآلية ديمقراطية لمعالجة المشكلة بعيداً عن الصراع والنزاع الدموي الذي تريد الحكومة التركية, ووبعض الجماعات التركمانية وبعض القوى القومية العربية المماثلة للترك شوفينياً, دفع سكان كركوك إليه. وقد دخل بعض الشيعة العرب على الخط أيضاً لممارسة العنف هناك.
إن الحل الديمقراطي والعقلاني لمسألة كركوك يمر عبر هذه المادة الدستورية وبطرق سلمية ديمقراطية وليس عبر النزاع المسلح والتهديد والوعيد من الخارج.
لقد لعبت الحكومات التركية دوماً دوراً غير إيجابي في معالجة المشكلة الكردستانية في العراق وحاولت تأليب واستعداء الحكومات العراقية المتعاقبة والدول المجاورة ضد النضال التحرري للشعب الكردي, ومارست عقد المؤتمرات الثنائية والثلاثية والرباعية بينها وبين العراق وبينها وبين تركيا وإيران وسوريا والتنسيق من أجل أجهاض النضال الكردي. هكذا كان الأمر في العهد الملكي, وهكذا كان الأمر في العهد الجمهوري, وخاصة في فترة حكم البعث والحكومات القومية ومن ثم في ظل خزب البعث وحكمه المقيت في العراق حتى سقوطه في العام 2003. إلا أن الشعب الكردي استطاع بنضاله الطويل والمرير ووالتضحيات الغالية والكبيرة, وبدعم من القوى الديمقراطية والعقلانية العربية في العراق, أن يقيم إقليماً فيدرالياً ضمن الدولة أو الجمهورية العراقية منذ العام 1992 ومن ثم كرس ذلك في الدستور العراقي في العام 2006 في دولة عراقية اتحادية. وسيحافظ الشعب الكردي على هذا الإنجاز في إطار حقه في تقرير مصيره بنفسه. وعلى تركيا أن لا ترمي بتبعية سياساتها الشوفينية والعدوانية ضد الشعب الكردي في كردستان تركيا على عاتق الشعب الكردي ورئاسة وحكومة وأحزاب إقليم كردستان العراق وكأنهم هم المسؤولون عن النضال العادل الذي يخوضه الشعب الكردي في كردستان تركيا لتأمين حقوقه المشروعة.
وأنا واثق بأن الشعب الكردي في كردستان العراق سيحافظ على منجزاته السياسية وسيواجه بصرامة وجرأة التدحل التركي أو الإيراني وغيره في شؤون كردستان والعراق. وأنا واثق أيضاً بأن قائمة التحالف الكردستانية سوف لن تسمح للحكومة التركية بالتدخل في شؤون كردستان العراق. كما أن الحكومة العراقية سترفض مثل هذا التدخل أو يفترض فيها أن ترفضه, إذ يتناقض مع الاستقلال والسيادة الوطنية العراقية.
وإذ كان هذا التوجه سليماً وعادلاً باعتباره النهج المنشود في العراق الجديد, فالمهمة أيضاً أن تتصدى الحكومة الكردستانية وقائمة التحالف الكردستاني وكل الأحزاب السياسية الكردستانية لمحاولات بعض العناصر أو الجماعات الكردية التي تحاول دفع الأمور في كركوك أو في مناطق أخرى إلى المزيد من التوتر, إذ أنها تصب في طاحونة القوى المعادية لإقليم كردستان والفيدرالية في كل من تركيا وإيران والعراق. إنها مهمة جداً وأملي أن ينهض بها الأخوة الكرد, إذ أنها من مهماتهم المباشرة للمشاركة الفعالة في الحفاظ على السلم الأهلي في كركوك وفي عموم كردستان العراق والعراق. إذ أن معلومات غير قليلة تصل حول تحركات استفزازية يمارسها بعض الكرد, التي يفترض إيقافها, إذ أنها غير سليمة أولاً واساساً, كما أنها تسمح باستخدامها ضد العراق وكردستان العراق أيضاً.
كانون الثاني/يناير 2007 كاظم حبيب