الرئيسية » مقالات » عنجهية حكام تركيا وتدخلهم في شؤون العراق الداخلية

عنجهية حكام تركيا وتدخلهم في شؤون العراق الداخلية

تصرفت وتتصرف الحكومات التركية بشكل غير طبيعي وغير مقبول مع مبدأ حسن الجوار بين الأقطار وكأنها مسؤولة عن العراق وشعبه واعتباره في بعض الأحيان وكأنه محمية أو ارض تركية وبالذات الموصل أو كركوك وحجتها البائسة الأخيرة حماية الأخوة التركمان من الغول المتربص بهم من قبل الكرد ، إخوتهم على مدى قرون طويلة ، عاشوا سوية بسلام وأمان واشتركوا في السراء والضراء على الرغم من الدسائس والمؤامرات التي كانت وما زالت من اجل خلق الفتنة بينهما وضرب وحدتهم التي هي امتداد للوحدة العراقية ، هذا التصرف لم يختصر على بعض الوسائل الإعلامية التركية إنما تم تجاوزها على ألسنة العديد من المسؤولين الأتراك وتصريحاتهم النارية وتهديداتهم بالتدخل بدون مراعاة لمشاعر الشعب العراقي بجميع طوائفه.. وما تصريح وزير الخارجية التركي عبد الله غول ” أن بلاده لا تستطيع تجاهل مصلحة الأقلية التركية في شمال العراق والتي تنحدر من أصول تركية وتشكو من تعرضها للاضطهاد من جانب الكرد ” إلا تأكيداً ودليلاً قاطعاً على سوء التصرف المرفوض للتدخل في شؤون العراق الداخلية .

لا نعرف إلى حد هذه اللحظة كيف يفكر حكام تركيا التي أصبحت دولة علمانية منذ زمن كمال أتاتورك بخصوص ما يسمونه ولاية الموصل ويعتبروها جزء من تركيا والتي استقطعت منها ، لكنهم يغضون النظر عن لواء الاسكندرونة العربي المقطوع من الجسد السوري قسراً ، أما قضية الموصل وعلى الرغم من مرور سنين طويلة ولا سيما بعد الاستفتاء الذي حسم الموقف إلى جانب العراق فان هؤلاء الحكام وعلى امتداد تاريخ تركيا استمروا بتكرار دعواهم ومطالبتهم بعودة الموصل إلى تركيا وبخاصة بعد سقوط النظام واحتلال العراق. إضافة لتصريحات البعض منهم وعيونهم على كركوك أيضاً ويدل ذلك التصريح الاستفزازي الذي أدلى به رئيس الوزراء رجب طيب اردوغال ” لن نقف مكتوفي الأيدي إذا سيطر الكرد العراقيين على مدينة كركوك الغنية بالنفط في شمال العراق ” وكأن نفط كركوك ملك أجدادهم ولهم حصة فيه ، أما المقولة البائسة التي أطلقها وزير الخارجية عبد الله غول حول انحدار القومية التركمانية العراقية لا يمكن أن تتوازن مع عرب الاسكندرونة السوريين وحقهم بالعودة إلى وطنهم المنحدرين منه ، أما الملايين من الكرد في تركيا الذين لا حق لهم بالانتماء القومي وعليهم الخضوع للعقلية التورانية التي تؤمن بتتريك القوميات الأخرى في بودقة القومية التركية وكأننا مازلنا نعيش عهد الإمبراطورية التركية القديم الذي لقبت في نهاية أيامها بالرجل المريض وكانت السبب الرئيسي في تردي الأوضاع في الأقطار العربية وتخلفها عن باقي الحضارة العالمية.

فهل يقبل حكام تركيا أن تتدخل أرمينيا في شؤونهم الداخلية بسبب اضطهاد الأرمن وعدم الاعتراف بحقوقهم وآخرها اغتيال الصحفي الارمني ؟ وهل يوافقوا على تدخل سوريا للدفاع عن عرب الاسكندرونة والمطالبة بإرجاعها كونها مقتطعة من سوريا ؟ أو تدخل حكومة الإقليم وغيرهم من الكرد للدفاع عن كرد تركيا المهضومة حقوقهم أصلا ؟ فإذا قبلوا التدخل في شؤونهم الداخلية فنحن لا نقبل أن يتدخلوا في شؤون بلدنا لا من بعيد ولا من قريب .

يلح حكام تركيا بأنهم أوصياء على ” الأقلية التركية ” حسب تصريح وزير الخارجية عبد الله غول ويعتبرون أنفسهم قيّمون عليها وهذا لا يمكن قبوله بل رفضه وبالذات من الإخوة التركمان العراقيين لأنهم يدركون جيداً انتمائهم للعراق، وليس لتركيا وحكامها الحق في هذه التصريحات غير المدركة المضرة بقضية الحقوق القومية للتركمان في العراق لا بل تدفع قضيتهم إلى الوراء بما يفسر أن ولائهم وانتمائهم لتركيا وهم يعيشون هامش المواطنة العراقية فقط .

في هذا المضمار تبرز قضية كركوك التي تستغل كحصان طروادة دائماً في السياسة المفتعلة لحكام تركيا وهو أمر يخصهم ، لكننا استغربنا لتصريحات السيد عاصف سرت تركمان ممثل الجبهة التركمانية العراقية في بريطانيا حيث اتهم حكومة الإقليم باستقدام ” 600 ” ألف كردي من إيران وتركيا وسوريا وباقي المحافظات وتم إسكانهم في كركوك لتغيير ديموغرافية كركوك يقول المثل ” حدث العاقل بما لا يليق فان صدق فلا عقل له ” ففي أية منطقة تم استيعابهم وإسكانهم ؟ وكم يحتاج من الوقت وهو وضع يجب أن يخضع للسرية التامة ؟ وهل إسكان ” 600 ” ألف إنسان من بلدان غير العراق بهذه السهولة ؟ ألا يحتاج هذا الكم إلى إمكانيات مالية هائلة وموارد كفيلة لمعيشتهم وغيرها من الأمور المعاشية الضرورية ؟ ولماذا جلب أكراد من تركيا وسوريا وإيران وهم موجودون في الإقليم وما أكثرهم؟ ثم كيف يرى السيد عاصف سرت تركمان في تناقض تصريحه مع تصريح وزير الخارجية التركي القائل إن” الأقلية التركية تنحدر من أصول تركية ” ويعني بصريح العبارة أنهم ليسوا اصلاء عراقيون بل وافدين من تركيا مع قوله ” التركمان هم العراقيون الاصلاء ويطالبون بحقوقهم المشروعة ” ثم قوله ” الجبهة التركمانية تسعى بكل إمكانياتها للمحافظة على وحدة العراق أرضا وشعباً ”

أما بالنسبة لمحاولات التدخل في الشؤون الداخلية فباعتقادنا أن أي تصريح لحكام تركيا أو أي حاكم غير عراقي يعتبر تدخلاً غير مسموح به ولن يقبله الشعب لأنه صادر من أجانب غير عراقيين وان يَدّعون مثلما يدّعي حكام تركيا بدعوى تركمان العراق، وبرأي وهي نصيحة أخوية عراقية أن لا يسمح الأخوة التركمان العراقيين بجميع أحزابهم ومنظماتهم في التدخل في شؤونهم واعتبارهم إمعات يرددون خلفهم ما يخططون به . إن قضية كركوك هي شأن عراقي ومن مسؤولية جماعية بين العرب والكرد والتركمان والكلدواشوريين وما يراه المجتمع الكركوكلي في المستقبل وبخاصة ما نص عليه الدستور الذي صوت عليه بشكل واسع ووفق المادة ” 140 ” ثم قضية الاستفتاء المزمع إجراءه بعد ان تنتهي التحضيرات ويتفق الأطراف عليه بدون ضغوط خارجية أو داخلية ولهذا تتطلب الحكمة والحوار الموضوعي وتعميق روح التآلف بين الأطراف المعنية بالأمر والتخلص من الحساسية والخوف من المستقبل بتعرض أية قومية إلى الاضطهاد والتعسف ومصادرة حقوقها إذا نتفق على بناء عراق ديمقراطي تعددي يقر حقوق الجميع بالتساوي في المواطنة .

أما تهديدات وتصريحات الحكام في تركيا بالتدخل عسكرياً عن طريق الإقليم بحجة ملاحقة قواعد حزب العمال التركي على الرغم من أنها تتدخل بأشكال مختلفة فهي لن تخدم مصالح تركيا الوطنية ومثلما دفعت ضريبة العزلة والأبعاد عن السوق الأوربية المشتركة والوحدة الأوربية نتيجة سياسة التفرقة العنصرية واضطهاد القوميات التي تقطن تركيا وخرق لوائح حقوق الإنسان وموقفها المساهم الفعلي في تقسيم جزيرة قبرص مدنياً وعسكرياً وهاهو الشعب القبرصي بشقيه اليوناني والتركي يعاني من ذلك ويدفع ضريبة النزعة العدوانية العسكرية التركية ومحاولاتها للهيمنة على قرار القسم التركي من الجزيرة والإلحاح في التدخل في شؤونها الداخلية، فإنها ستدفع ضرائب كثيرة إذا حاولت التدخل العسكري في كردستان العراق وعلى حكام تركيا أن يدركوا جيداً بأن العراق ليس جزيرة قبرص والشعب العراقي ليس الشعب القبرصي وإن الزمن تغير ولا يمكن إرجاعه إلى الوراء وسيدفعون ثمناً باهضاً من علاقات تركيا بالشعب العراقي وان حاولوا أن يرضوا بعض الفئات السياسية التي تفعل المستحيل من اجل عدم حل قضية كركوك بما فيها توتير العلاقة بالحكومة العراقية وحكومة الإقليم والذي يطلع على بيان جمعية تانيش لتركمان العراق في هولندا سيجد الدليل .

على تركيا أن تعرف إن كان باستطاعتها التصرف في أراضيها كما يحلو لها وفي الكثير من الأحيان خرقاً لحقوق الإنسان فلن تستطيع التصرف كيف ما يحلو لها في الأرض العراقية في الوقت الحاضر مثلما تصرفت أبان النظام السابق ، ونوصيها الابتعاد عن إطلاق التهديدات العنترية الفارغة ” فمن كان بيته من زجاج عليه أن لا يرمي الناس بالحجارة ” واللجوء لصوت العقل أفضل والتفاهم هو الأحسن عبر القنوات الدبلوماسية والحوارات الصداقية والعلاقات الطبيعية لحل المشاكل المتعلقة ودعم العراق من اجل التخلص من وضعه المأساوي والاتجاه للبناء والعلاقات الأخوية كجار يستفيد ويفيد جاره الصديق .

أن الاستقرار النوعي الذي حضي به إقليم كردستان العراق منذ عام 1991 درّ على كلا الطرفين ،الإقليم وتركيا ، فوائد لا تحصى في مقدمتها التعاون الاقتصادي والتجاري وتحقيق نوع من الاستقرار واستمر حتى بعد سقوط النظام السابق.. وان قضية كركوك وحلها بما يخدم وحدة العراق ومصالح الإقليم وتحقيق الحقوق المشروعة لجميع القوميات وفي مقدمتها التركمان سيشكل عنصراً إضافيا لتطوير العلاقة مع تركيا وترسي علاقات وطيدة ذات منافع مشتركة ينعم فيها الطرفين بالخير والفائدة المشتركة ، أما التدخل غير المشروع ومحاولة زعزعت الاستقرار طائفياً كما تفعله إيران بواسطة مخابراتها وجيش القدس والتنظيمات الموالية لها وما تضخه من أسلحة وأموال لغرض زيادة نفوذها وتدخلها، وكان الأجدر بتركيا حجب ” تبنيها لمؤتمر مناصرة السنة الذي عقد في تركيا قبل فترة والذي اعتبر كمن يصب الزيت على النار في الاحتقان الطائفي ” وهي التي تقول عن نفسها أنها تساعد العراق على إنجاح العملية السياسية وبالضد من الاحتراب الطائفي وعلمانية تحارب التطرف الديني حسب سياستها السابقة المعروفة فان أضراره الرئيسية سوف تصيب مصالح تركيا في الدرجة الأولى بالصميم وهناك تجارب سياسية واقتصادية وأمنية يعرفها جيداً الحكام في تركيا.. على تركيا وحكامها استيعاب الظروف المحيطة الإقليمية والعالمية وما جرى من تطورات خطيرة في المنطقة لكي تبعد لهيب النار عنها وبخاصة وجود أرضية مهيأة لانتشارها وعند ذلك لن ينفع الندم المتأخر وخير لها الالتفات إلى مشاكلها الداخلية والعمل على حلها بما فيها إقرار حقوق الكرد المشروعة وحقوق عرب الاسكندرونة وعدم التجاوز على حقوق الإنسان واحترام الرأي الآخر وحل المشاكل العقدية والمعاشية التي تعاني منها الطبقات الفقيرة والكادحة وبناء علاقات حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى عند ذلك ستجد أنها مقبولة من قبل الأمم الأوربية وبقية بلدان العالم بما فيها العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *