الرئيسية » مقالات » البعد الكردستاني للشرق الأوسط الجديد ( 1 – 2 )

البعد الكردستاني للشرق الأوسط الجديد ( 1 – 2 )


 

 مدخل :

لم يتوقف الحديث أبدا عن أهمية منطقة الشرق الأوسط منذ اكتشافها لميزاتها الاستراتيجية المعروفة من موقع ونفط وتعدد ثقافات وقد جلبت المنطقة اهتمام الآخرين في الحقب الأخيرة أكثر لتحولها الى ميدان للصراع العربي – الاسرائيلي ولأحداث ومواجهات عسكرية تخطت في أكثر الأوقات ارادة ومصالح شعوبها لتجسد أشكالا من الصراعات الدولية حول النفوذ والمنافع , ولتفاقم ظاهرة الارهاب ومخاطر النظم الدكتاتورية في العديد من دولها كعقبة أمام التطور ومصدر لأعمال العنف المنظم في الوقت ذاته , وتعددت الآراء والمواقف وتباينت حول تعريفها الجغرافي والتاريخي وتشخيص مكوناتها القومية وسكانها الأصليين وهويتها الثقافية والحضارية وآفاق مستقبل شعوبها كما اختلفت وجهات النظر الى درجة التناقض حول أسباب ومسببات ومضامين أزمات هذه المنطقة المزمنة ومظاهرها المتفاقمة الاقتصادية منها والاجتماعية والسياسية وفي المقدمة منها قضايا أمن واستقرار وتحررالشعوب والقوميات تتصدرها القضيتان الكردية والفلسطينية ومن المفارقات أن المجتمع الدولي وبخاصة الدول التي تعاملت مع المنطقة منذ عقود احتلالا واستعمارا وانتدابا وسيطرة مازالت تجهل أو تتجاهل في أكثر الحالات معضلات المنطقة واحتياجات أهلها وثقافات شعوبها وتعدد قومياتها فقد أثبتت الأحداث والتجارب الماضية منذ ما يقارب القرن وحتى الآن أن جوهر أزمة المنطقة يكمن في العجز المزمن عن حل المسألة الوطنية بما هي تنظيم وانجاز قضايا ديموقراطية أنظمة الحكم وسيادة القانون وحرية الشعوب وتقدمها الاجتماعي والتعايش السلمي بين المكونات القومية في الدول المتعددة القوميات على قاعدة حق تقرير المصير ومبادىء الشراكة العادلة في السلطة والثروة والتراضي التوافقي حول القضايا المصيرية في بلدان المنطقة ولاشك أن هذه المهام ظلت دون تحقيق لعقود خلت وهي متوارثة أساسا من الأيام الأولى لاستعمار المنطقة وانتدابها وتقسيمها وتوزيع مناطق النفوذ حسب مصالح الأطراف الدولية بعد الحربين العالميتين دون أي اعتبار لحقائق وطموحات وارادة أهلها , وقد طرأت تحولات جديدة منذ توقف الحرب الباردة في العقد الأخير من القرن الماضي مما أسبغ شكلا جديدا لطبيعة الصراع في الحياة السياسية لشعوب المنطقة والتي تتمحور حول عملية اعادة تشكل النظام الاقليمي الشرق أوسطي الكفيل بانصاف المحرومين واحقاق الحق بحيث ينسجم ويتوافق ويتفاعل مع آفاق وتقديمات وافرازات النظام العالمي الجديد المعلن عنه منذ زوال المعسكر السوفيتي وتحديدا على لسان الرئيس الامريكي – بوش الأب – لدى طرد القوات العراقية المحتلة من دولة الكويت في بداية تسعينات القرن الماضي هذا النظام الذي ارتبط كما أعلن بمبادىء أساسية لمصلحة مستقبل البشرية مثل : تعزيز الاستقرار والسلام ومحاربة الارهاب واحترام حق تقرير مصير الشعوب بما في ذلك تحريم الاضطهاد القومي والعنصرية واعادة النظر في مسائل الحدود المرسومة بعد الحرب الكونية الثانية وتعريف السيادة بمرونة وانفتاح واحترام حقوق الانسان ونشر الديموقراطية واستعادة حقوق المرأة وتعزيز الاقتصاد الحر والتنمية هذه المبادىء التي تتناسب مع حاجات شعوبنا وفي المقدمة الشعب الكردي وتدفع باتجاه البحث عن سبل للتواصل والتعاون والتنسيق مع القوى العالمية التي طرحتها وأعلنت التزامها بها ومن بينها الولايات المتحدة وأوروبا والأطراف الاقليمية وقوى التغيير الديموقراطي المنتشرة في بلدان الشرق الأوسط ” الجديد ” التي تتكون حسب ما هو متعارف عليه من اثنين وعشرين بلد عربي في المشرق والمغرب اضافة الى تركيا وايران واسرائيل وأفغانستان وباكستان .

مواقف ورؤا حول ملف – الشرق الأوسط الجديد – ؟
من الواضح أن هذا الملف يخضع لاعتبارات عديدة وتشكل المنطقة من جديد أو عدمه مرهونان أولا وأخيرا بارادة شعوب المنطقة والارادة الدولية واذا كان معروفا أن الأولى بأغلبيتها الساحقة تهدف الى حياة أفضل والتغيير والاصلاح والعيش الكريم والاستقرار وتقرير مصيرها كما تشاء مع عقبات وتحديات من جانب قوى الردة والتخلف والارهاب لن تذلل الا بتوفر الدعم الدولي وهنا لابد من استطلاع الموقف الدولي من قوى عظمى ومفكرين واستراتيجيين حول البحث عن شرق أوسط جديد وفي هذه المحاولة سننتهج منحى بمناى عن المواقف المسبقة والتفسيرات التآمرية والادانة الجاهزة لكل ما هو خارجي كما يمارسه البعض من المنابر الاعلامية في بلدان المنطقة .
آخر طرح ملفت لهذا المصطلح أطلقتها وزيرة خارجية الدولة الأعظم ابان الحرب اللبنانية الأخيرة في الصيف المنصرم خلال زيارتها للمنطقة كنقلة نوعية محسوبة في تقليص المدى الجيو – سياسي للشرق الأوسط من الكبير الذي كان يشمل عددا أكبر من بلدان آسيا وقسما من افريقيا الى الجديد المصغر كما بينا أعلاه قد يكون بداية الطريق في اجراء تعديلات في الاستراتيجية الأمريكية العامة في المنطقة ويراها البعض صورة عن التردد وعدم الاستقرار وانعدام سياسة أمريكية ثابتة حول المنطقة وفسرها البعض الآخرمحاولة تحديد مبكر يغلب عليه التفاؤل بخصوص النتائج السياسية للحرب المفتوحة في العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين من جانب مسؤولة الدبلوماسية الأمريكية بتحقيق شرق أوسط جديد خال من الارهاب ينعم بالديموقراطية والسلم والاستقرار بعد تحجيم وازالة المجموعات الارهابية وبخاصة منظمات – الاسلام السياسي الأصولية – وبينها – القاعدة – التي تتخذ من العنف الأعمى وسيلة للسيطرة وأنظمة الاستبداد وخاصة في سورية وايران والتي تمضي مجتمعة قدما باتجاه التعاون ضمن ما سمي ب ” محور الممانعة ” .
وقد سبق ذلك وفي وقت مبكر أن تناول السيد – شمعون بيريز – في عام 1993 مشروع ” الشرق الأوسط الجديد ” في اطار مصالح وقبول الدولة العبرية وفسره السيد ” فريد هاليداي ” بنشوء ” غرب آسيا الكبرى ” كما ظهر في الاعلان الامريكي في 4 9 1991 شبه محاولة في تعريف جديد للشرق الأوسط وفي 12 ديسمبر 2002 أطلق السيد – كولن باول – مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط التي جاءت في سياق ” استراتيجية التحول الكبيرة ” كما قال السيد – جون لويس غاديس – كبداية عهد جديد من التفكير الاستراتيجي الأمريكي بعد أحداث سبتمبر 2001 , كما ظهرت ملامح مشروع الشرق الأوسط الجديد في ” استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمركية ” أو ما عرف ب ” عقيدة بوش ” والتي سلمها الرئيس الى الكونغرس في 20 9 2002 وقد حصل هذا التطور كتحقيق لتوقعات السيد – هنري كسنجر – عندما صرح في نهاية عام 2001 بان هجمات سبتمبر ستؤدي الى صياغة النظام العالمي للقرن الواحد والعشرين والذي جاء أيضا في تقرير ” اللجنة الأمريكية للأمن القومي في القرن 21 ” وهي لجنة استشارية فدرالية وتعرف بلجنة ” هارت – رودمان ” على اساس انها انهت عملها بداية 2001 وكانت المعالم البارزة لكل تلك التوجهات هي ملىء الفراغ في الشرق الأوسط بعد غياب الاتحاد السوفيتي وقضايا السلم والحرب بين العرب واسرائيل والعامل الديموغرافي وحقوق الانسان والمرأة والمد الاسلامي والارهاب وذلك في رقعة جغرافية تشمل كل البلدان العربية واسرائيل وتركيا وايران وآسيا الوسطى والقوقاز وشبه القارة الهندية ,ومن الجدير بالذكر فان مشروع الشرق الأوسط هذا قد تمت الموافقة عليه في قمة الدول الثماني بتاريخ 13 2 2004 بعد ان تعزز محتواه بقضايا التغيير الديموقراطي والمجتمع المدني والاقتصاد الحر والتعاون الدولي والانتخابات الحرة والاعلام المستقل والشفافية ومكافحة الفساد وتمويل مشاريع التنمية وفرص اقتصادية لدول المنطقة وانشاء معاهد التدريب .

القضية القومية وملف ” الشرق الأوسط الجديد ”
المقصود بذلك هو قضية حق تقرير مصير الشعوب والقوميات في المنطقة التي مازالت دون حلول حتى الآن والتي تشكل مصدرا رئيسيا في نشوب الحروب والمصادمات ونمو الارهاب وبؤر التوتر تحت أشكال ومسميات عديدة وقد أدت حساسية الغرب عموما من المسائل القومية بسبب تجاربها الذاتية ( ذكريات شرور ودمار الحركات النازية والفاشية في أوروبا ومآسي الحرب الأهلية الأمريكية ) وتحاشي تبني القضايا العادلة للشعوب المناضلة في سبيل التحرر الوطني طوال تاريخه الاستعماري والمواجه للمعسكر الاشتراكي الأقرب الى قضايا الشعوب في السابق نقول أدت الى عدم فهم وادراك طبيعة حركات التحرر القومي المسالمة واهدافها العادلة وكونها جزء لا يتجزء من العملية الديموقراطية ومواجهة الارهاب الأصولي – الشوفيني والديني – ولكن مرور الزمن كان كفيلا بحصول تطور ايجابي في هذه المسألة من جانب أصحاب القرار وعلماء السياسة والخبراء الاستراتيجيين في الغرب عموما والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص والذي تجلى في المواقف التالية :
في ” مؤتمر الكرد والبحث عن الهوية ” المنعقد في واشنطن برعاية السيد نيجيرفان بارزاني في 17 4 2000 دعا الدبلوماسي الأمريكي والخبير في شؤون الشرق الأوسط السيد – فرانسيس ريتشاردوني – الى ” برنامج تقرير مصير جديد يناسب القرن الجديد والعولمة والتحولات العالمية ” وقبل ذلك كانت المشاركة الأمريكية الفاعلة في ” مؤتمر مدريد للسلام العربي – الاسرائيلي ” عام 1991 بما هو قضية حقوق وتقرير مصير وتعايش سلمي بين شعبين مؤشرا على الانفتاح على المسائل ذات الطابع القومي وعرف عن الرئيس بوش كأول رئيس أمريكي يدعو الى قيام دولة فلسطينية قابلة للعيش واشتهر بشعار : دولتين لشعبين , وكان لافتا أن تقرير المخابرات المركزية الأمريكية الذي تناول مستقبل العالم بين 2000 الى 2015 توقع أزمات قومية في الشرق الأوسط بالاشارة الى احتمالات ” انفصال جنوب السودان وتوجه الكرد بالعراق الى المطالبة بالاستقلال وتنامي النزعة الاستقلالية لدى كرد تركيا وايران وسورية ” , وقد أكد المفكر – برنارد لويس – على أهمية المسألة القومية عندما أشار الى أنه ” قد لا تكون الحروب بين الدول الخطر الأكبر الذي يتهدد الشرق الأوسط بل الحروب داخل الدول والدول العربية هي الأكثر تعرضا للتفكك بعد تسرب حق تقرير المصير والكرد أهم القوميات في هذا المجال ” وفي السياق ذاته بادرت ادارة الرئيس بوش منذ الشهور الأولى الى تشكيل فريق عمل من 27 شخصا من رجال الفكر والسياسة مع 50 خبيرا مختصا يقوده السيد – ستيفن موريس – لمتابعة ملف السودان وحل المسألة القومية في جنوبه على أساس حق تقرير المصير وانهاء الحرب و” دولة واحدة ونظامان ” وقد كان هناك موقفا أمريكيا مماثلا تجاه شعوب يوغسلافيا السابقة والبلقان والاتحاد السوفييتي السابق وتيمور الشرقية وسيسجل التاريخ لادارة الرئيس بوش مناصرتها لقضايا الشعوب والقوميات المغلوبة على أمرها في سبيل تقرير المصير ودعمها لشرق أوسط جديد خال من الاضطهاد القومي والعنصرية واعتبار ذلك متوافقا مع مصالح بلاده الاستراتيجية في الشرق الأوسط والعالم .


• – ورقة قدمت في الحلقة الدراسية التي نظمتها رابطة كاوا للثقافة الكردية بالمركز الثقافي لجامعة صلاح الدين في هولير عاصمة اقليم كردستان العراق بتاريخ25 – 30 10 2006 وشارك فيها نخبة من الأكاديميين والمثقفين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *