الرئيسية » مقالات » دفاتر شخصية عن الاعدامات والرحمة

دفاتر شخصية عن الاعدامات والرحمة

كاتب هذه السطور من انصار الرحمة وقيم التسامح ورفع عقوبة الاعدام دستوريا، والى الابد في العراق وفي غيره، وهو ممن يؤمنون بان المجتمع العراقي احوج ما يكون الى حياة جديدة، سويه، والى دورة تهدئة تاريخية، لا تهددها قوانين الاعدام وحبال المشانق وساحات الرصاص، وممن يعتقدون ان هذا المجتمع بحاجة الى ثلاثة اجيال متعاقبة، سلمية وخالية من الاعدامات، لكي يطوي الاثار المدمرة لهذه الحقبة الدموية، وينفذ من كوابيسها، وينقذ رقبته من حبال المشانق.
وكاتب هذه السطور شاهد بام العين من سجن كان يشرف على قاعة الشنق في سجن كركوك عملية اعدام مروعة نفذها انقلابيو شباط 1963 كانت بمثابة مذبحة بشرية لستة وثلاثين من المثقفين والسياسيين والشخصيات الاجتماعية، من كركوك والموصل، بينهم الشاعر المحامي معروف برزنجي رئيس بلدية كركوك وشقيقه الشيخ حسين ووعد الله النجار وفاتح ملا داوود والصالحي، وكانت ساحات بغداد واحياء الكاظمية والكفاح، في تلك الايام، تشهد عمليات اعدام في الشوارع امتدت الى معسكرات الجيش، وكان صدام حسين نفسه من ابطال تلك المحاكمات وحمامات الدم، بل انه تباهى في احدى جلسات المحكمة الجنائية الخاصة انه حمل السلاح ونزل الى الشارع لقتل رئيس وزراء العهد الجمهوري عبدالكريم قاسم، ولم يكن صدام ليدخر في سجله فسحة ليوم تدور فيه الدوائر، وربما لم يكن يحسب الحساب لعدالة الاقدار، وانقلاب الانواء.
على ان الغالبية الساحقة للاصوات العربية، وجميع حكومات المنطقة التي زعلت على مشاهد الشنق في بغداد، لم تكن لتعبّر في ذلك عن نزعة نبيلة لثقافة التسامح والرحمة والسلام الاهلي، ولا عن حساسية انسانية ضد مبدأ حكم الاعدام ، بل انها لا تتورع، قطعا، عن تعليق مخالفيها في الرأي على اعمدة الكهرباء في الساحات العامة، ولها-من دون استثناء- سجلات في ذلك، والغريب ان فلول النظام السابق التي ملأت الدنيا ضجيجا نفذت طوال الاعوام الاربعة الماضية، ومن دون محاكمة، الالاف من عمليات الاعدام الجماعية في الشوارع العامة وقد طالت هذه الاعدامات التي لم تكن لتختلف في جوهرها عن اعدامات عواد البندر سياسيين ومسؤولين وطلابا ومواطنين ابرياء، رجالا ونساء واطفالا وشيوخا، وكان آخر تلك “الامجاد” مذبحة الجامعة المستنصرية، وينبغي ان نشير الى تواطؤ هذه
والاكثر من هذا، فانه لا صدام حسين ولا برزان ولا البندر، بل ولا حتى سفاح محترف مثل على الكيمياوي، قد ابدوا اسفا، ولو لمرة واحدة، عما حصل لملايين العراقيين على ايديهم من كوارث ومحن ادت الى مقتل ما لا يقل عن مليون برئ باعمال الابادة الجماعية والاعدامات الكيفية والاغتيالات والحروب الحمقاء والقتل العشوائي، وقد دفع عشرة الاف مواطن بينهم نساء حوامل وبعمر الورد وفتيان دون السن القانوني حياتهم باحكام ورقية او بالتلفون، ولم يبدي صدام او اعوانه الاعتذار للضحايا او لعائلاتهم، ولم يكن ليرف جفن أي منهم طوال جلسات المحاكمة وهم يستمعون الى الوقائع والشهادات والوثائق التي تدينهم بالجرائم الانسانية، بل انهم تصرفوا، ولا يزال اتباعهم يتصرفون، بصفاقة متناهية، وقد تجرأ المجرم برزان من قفص المحكمة، وعبر الشاشات الملونة والفضائيات، بالقول عن احد الضحايا: “الى جهنم” ما يعني، قطعا، انهم يوحون القول: اننا سنرتكب المزيد في حال عدنا الى حكم العراق.
اقول، لقد شاء قدر العراقيين ان يحشروا في مفارقة تاريخية باهضة التكاليف، حيث يصبح مَن سامهم العذاب والذل عنوان اعتزاز، وجلادهم موضع شفقة، وانتهوا الى الدفاع عن حكم الاعدام الذي كانوا ضحية له، فيما الذين لا يعرفون معنى الرحمة يظهرون كدعاة للرحمة.. تلك هي المفارقة، او قل: المهزلة.
لم اكن( وللمرة الثانية اعلن) مرتاحا لطريقة وتوقيت اعدام صدام حسين، أكرر: طريقة وتوقيت، وكان بالامكان، بقليل من الحكمة والانضباط، تفويت الفرصة على فلول الدكتاتورية لتوظيف الاحتفالية الطائفية ساعة التنفيذ في اضفاء البطولة على صدام وانعدام العدالة على القضاء، وقصر النظر على اصحاب القرار السياسي.
غير ان هذا لم يطو صفحات كثيرة في حافظتي ودفاتري عن سلسلة من حفلات الاعدام كان يقيمها نظام البكر-صدام حسين، وقد تحدثت سابقا عن اعدامات انقلابيي شباط 1963 الدموي.
ففي عصر يوم 21 شباط 1969 اغراني شاعرصديق بالتوجه من حارتنا في مدينة الحرية ببغداد الى ساحة التحرير في الباب الشرقي، على سبيل “المغامرة البصرية” لمشاهدة جثث “الجواسيس” الذين حكموا بالاعدام، معلقة على اعمدة الكهرباء، وفي الطريق الى هناك كنا نطالع خبرا مقتضبا في صحيفة “الجمهورية”عن حيثيات حكم الموت الصادر عن “محكمة الثورة” بحق يهود عراقيين، كانوا حسب الخبر، يتجسسون لصالح اسرائيل.
كانت كلمات “يهود” و”تجسس” و”اسرائيل” تتداول بين العراقيين بهمس واحتراز، على الرغم من انه لم يبق من اليهود العراقيين إلا بضعة عائلات تحت رقابة صارمة وجيش من عيون السلطة الجديدة، ولا وجود شائعا في الواقع لجواسيس او جيوب اسرائيلية في الوسط العراقي، وبعد سنوات، عثرت على الحقيقة في سطرين وردا في مذكرات واحد من العسكريين الكبار الخمسة الذين قادوا الانقلاب، هو الجنرال حردان التكريتي ، يتحدث فيها عن ” اعدام 10 او 12 عراقيا بينهم عدد من اليهود وجنود واصحاب مخابز” ويقول بالنص ان “هناك معلومات علمتها مؤخرا من احد منظمي هذه العملية هو السيد علي رضا، ان هذه كانت كلها تمثيلية” وفي سياق المذكرات نعرف ان التكريتي فوجئ، مثلنا، في ذلك اليوم، بنبأ المحاكمة والاعدام وتعليق الجثث على اعمدة الكهرباء برغم انه كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع.
ومن فوق جسر الجمهورية المطل على ساحة التحرير كانت الجثث تلتمع تحت ضوء الشمس وكان الجمهور القليل يصطف على الارصفة في خليط من حب الاستطلاع والالتباس والتقزز والحيرة، وعُلم ان ثمة وجبة اخرى من الاعدامات ستجري عن قريب، فيما كانت مجموعة صغيرة من القرويين، صفر الوجوه، جلبتهم الشرطة، كما يبدو، من قرى بعيدة عن العاصمة لكي يؤدوا، تحت الجثث، دبكات ريفية، ابتهاجا بهذا اليوم “العظيم” وشاءت السلطة الانقلابية المنبوذة ان تعمم مشهد الجثث المتأرجحة في الهواء عبر التلفزيون والصحافة، لعدة ايام، في محاولة لبث الرعب بين الملايين ولنصب خيال مشنقة في كل منزل عراقي.
اما صديقي الطيب الذي اغواني بكلفة التفرج على هذا المشهد المقزز لجثث المعدومين في ساحة التحرير فقد عاش اياما مضربا عن الطعام، وعانى من الحمى والقئ واصفرار الوجه، واخبرني انه لم يشف من الكابوس إلا بعد سنوات، واتذكر انه كتب بعد اسابيع من يوم ساحة التحرير الشهير قصة رمزية عن فتاة تُحكم بالاعدام عن جريمة ملفقة، وبعد خمس سنوات هزتنا انباء عن إقدام السلطة الفاشية على ارسال الفتاة الكردية ليلى قاسم الى المشنقة، ثم بعد عقد من السنين قرأت كتاب الممرضة البريطانية دفني بيريش(سجينة في بغداد) وفيه وقائع اعدام النساء والفتيات العذراوات العراقيات في سجون الدكتاتورية المتوحشة.
عندما انهيت عرض هذه الخواطر مع زميل عربي جرت هذه المحاورة القصيرة بيننا:
قال: هذا يعني ان لديكم سجل كبير في الاعدامات.
قلت بشئ من الخجل: نعم.
قال: طيب وماذا بعد؟ الى اين ستصلون؟
لم أجب.

..وكلام مفيد:
“العقائد كالاسماك تفسد من راسها”. جبران خليل جبران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *