الرئيسية » بيستون » الفيليون: أصالة و عَراقة و هموم و آمال (3)

الفيليون: أصالة و عَراقة و هموم و آمال (3)

2. الإمبراطورية الميدية


ب. الحضارة الميدية

في المقالة السابقة تطرقت الى نشوء الإمبراطورية الميدية و أصل سكان هذه الإمبراطورية و التركيبة السكانية فيها و نظام حكما و ملوكها و الحروب التي خاضتها و التحالفات السياسية و العسكرية التي أقامتها، بالإضافة الى جغرافيتها و من ثم إنحلالها و إختفائها. في هذه المقالة أتناول الحضارة الميدية و ثقافتها و أركز فيها بشكل خاص على اللغة الميدية (الآفيستية) و الإستعانة بمصادر تأريخية موثوقة لتأكيد كوردية زرادشت و الإلتجاء الى مفردات اللغة الميدية (لغة الآفيستا، الكتاب المقدس للزرادشتيين) لإثبات كون اللغة الكوردية المعاصرة هي إمتداد لللغة الميدية. كما أركز في المقالة الحالية أيضاً على الديانة الزرادشتية التي كانت من أكثر الديانات المتقدمة و الحضارية في حينها.


الأسرة و الطب و الزراعة
دعا زرادشت إلى مكارم الأخلاق، وجعل دعائم الأسرة تقوم على أسس قوية من قواعد الأخلاق، فإعتبر الرباط العائلي عن طريق الزواج جزءً من الدين و أن الدنيا تبلغ سعادتها القصوى في البيت الزوجي “إن البيت السعيد هو البيت الذي يضمّ زوجة صالحة ويمرح فيه أطفال وتزداد فيه التقوى”.و يضيف زرادشت أن البيت السعيد هو البيت الذي تتناسل فيه الماشية ويكثر فيه غذاء الحيوان ويسعد فيه الكلب.
كان زرادشت طبيباً فإهتم بطب الجسد وشريعته تنصّ على الشروط التي ينبغي أن تتوفر في طبيب الجسد وهي أن يعرف تشريح أعضاء الجسم و أن لا يزاول العلاج إلا بعد معرفة تامة بأنواع الأدوية وأسماء الأعشاب المختلفة وخصائصها، وأن يُحرم الشخص من ممارسة الطب إذا تسبب في موت ثلاثة أشخاص عند معالجته لهم. هذا ما جعل الطب يتطوّر ويتقدّم في ميديا، فكانت مدرسة “جنديسابور” من أهم مدارس الطب قبل الإسلام، وظلت كذلك إلى القرون الإسلامية الأولى.
إعتبر زرادشت العمل الزراعي هو العامل الأول لنهضة الأمة، لأنه يوفر للأمة قوتها وتقيها في سنين الجفاف و القحط، حيث أن القحط يبعث على إثارة شهوات الغزو في النفس و يشجع على الحروب. كانت الزراعة هي من أهم النواحي التي دعا زرادشت أتباعه إلى النهوض بها بقوله: إنّ زرادشت سأله ربه عن خير الطرق لإعلاء كلمة دين مزدا، فأجابه: “إنها زراعة القمح، فمن زرع القمح يزرع الاستقامة ويعين دين مزدا”، لأنه “حين تبذر حبوب القمح تذعر الشياطين .. وحين تنبت تضطرب وتمرض.. وحين ترى سيقانها تبكي.. وحين ترى سنابلها تدير ظهرها”.

الفنون

كان الفن متقدماً خلال فترة الحكم الميدي، حيث تم إستخدام الرسوم و الزخارف و الكتابات على الألواح و الجدران و القبور و الأحجار و الحديد و الأنسجة. كما أنهم عرفوا خياطة الألبسة والغزل والنسيج والنقش على الخشب و الحديد و صنعوا التماثيل وخاصة للآلهة و للمشاهير منهم. إكتشفت التنقيبات التي أُجريت في تل “هسار” الفن الرائع للميديين، كما أنه تم العثور في كهفين على نوع متقدم من الفن. الكهف الأول هو “كهف شهرزور” (يقع في محافظة السليمانية في إقليم جنوب كردستان) الذي يضم قبر الملك “كياأخسار” و رسومات عديدة له في مختلف جوانب الحياة السياسية. تم العثور أيضاً على تمثال ذي أربعة أجنحة لشخص محفور على حجر و عليه صورة كوكب الزهرة التي تدل على الآلهة “أناهيتا” والقمر يدل على الآلهة “ميترا” والشمس الدالة على إله الخير “أهورا مزدا” لدى زرادشت، بالإضافة إلى صورة كاهن من الموغ أمام موقد نار. الكهف الثاني يقع في منطقة دوكان، حيث تم العثور فيه على قبر الملك الميدي “أسيتاك” و رسوم عن الطبيعة وأشكالاً زخرفية لها على الصحون والكؤوس. عرف الميديون الزراعة وتربية الحيوانات وتدجينها أيضاً و خاصة الحصان.


فن حرب العصابات

كان لإستخدام الميديين البارع للميليشيات أو محاربي حرب العصابات أثراً كبيراً في توسيع إمبراطوريتهم و الدفاع عنها و عن أنفسهم. كانت تُسمى تلك الميليشيات بـ “كاره Kara”، حيث تدل الكتابات المنقوشة في بيستون في إقليم شرق كوردستان على ذلك. يعد ذلك أقدم سجل تأريخي لهذا النوع من الحروب، حيث أصبح منذ ذلك الوقت الشكل المفضل للدفاع عن كوردستان الى يومنا هذا.


اللغة الميدية

اللغة الميدية هي الكوردية، حيث أن الموكريانيين في إقليم شرق كوردستان مازالوا يتحدثون بها. من هنا نرى أن اللغة الميدية تحولت بمرور الوقت من لغة تجمع الميديين حولها و توحّدهم الى مجرد لهجة من اللهجات الكوردية. كان الميديون يستعملون الخط المسماري في الكتابة و أحياناً الهيروغليفية التي تغيّر شكلها نسبياً بعد أن أصبحت الزرادشتية الدين الرسمي للبلاد، إذ تم إستخدام حروف مشابهة للمسمارية في كتابة “آفيستا”، و التي كانت تُسمّى “اللغة والكتابة الآفستية”. اللغة التي كُتبت بها “آفيستا” كانت موجودة منذ القدم في كوردستان و إيران الحالية، وعندما كتبوا ال”آفيستا” بتلك اللغة، سموها لغة ال”آفيستا” ، والتي كانت اللغة الرسمية في زمن الساسانيين. كان إقليم شرق كوردستان الحالى مهداً للديانة الزرادشتية و بالتالي موطناً للغة الآفيستا. إن معظم الكلمات التي يقال أنها بهلوية محضة مثل : ( سه را ، سه ردار ، سويا ، فه رمان ، سه رهه نك ، سه رتيب الخ ) هي كلمات لا زالت باقية في اللغة الكوردية. هذه اللغة و الكتابة تحولتا فيما بعد إلى اللغة و الكتابة البهلوية التي إستمر إستعمالهما من قِبل الكورد و الفرس الى أن وصل الدين الإسلامي الى المنطقة.


القراءة والكتابة

كان (تنك كه لوو) الملقب ب(شه لكلول) الكردي الأصل ، عالماً وأديباً في الجزيرة، وفي مناطق شمال الموصل قبل الميلاد بسبعمائة عام، حيث أن له كتب عديدة باللغة الكوردية في المواضيع الدينية والفلكية. (آرياته) عالم وطبيب مشهور كتب كتباً بالكوردية عن فنون الطب باللغة الكردية ، وبالأبجدية الكردية آنذاك . كان لزرادشت كتابان : “آفيستا” و ” ويين” و كان (ويين) مكتوباً على جلود 12000 جاموس. وضع (آزربورد مارسويه ند) ألفباء الخط البهلوي ، الذي يتكون من 42 إشارة تحافظ على جميع الأصوات من فتحة وكسرة وضمة، وهي الحروف التي كُتب بها (آفيستا). (ويين) هو أقدم كتاب كوردي باللغة الآفيستية. كانت أفراد سلسلة السلاطين للإمبراطورية الميدية ، يقرؤون عرائض في المحاكمات.كما أن طبيب بلاط “ئه ردشير” وضع كتاباً تاريخياً يتحدث عن تقويم البلاط الملكي. التوراة يتحدث عن القانون والتعليم (القراءة والكتابة ) لدى الإمبراطورية الميدية وهذا ما يؤكد وجود القراءة والكتابة والصحافة وكذلك القانون والمحاكم في كوردستان منذ القدم.

إن كتابي (آفيستا ) و(يين) مكتوبان كأشعار و كانا يقرآن بصوت عال وجميل و في بلاط الإمبراطورية الساسانية، كان “باربود” يلقي الشعر ثم يؤديه غناءً ولحناً بصوته و ب(سه متوور) ته. أخذ الفرس عن الميديين لغتهم وحروفهم التي تبلغ ستة وثلاثين حرفا وهم الذين جعلوا الفرس يستبدلون الكتابة والرق والاقلام بالواح الطين وأخذوا قانونهم الأخلاقي الذي يوحي بالاقتصاد وحسن التدبير وأخذوا دينهم ( الزرادشتية) وأخذوا نظام الاسرة، وأما أدبهم وفنونهم فلم يبق منها الا حروف قليلة.


الكتب الكوردية قبل الإسلام

قبل الإسلام، كُتبت كتب عديدة باللغة الكوردية، إلا أن المسلمين عندما غزوا كوردستان، ألقوا العديد من الرسائل والصحائف والمخطوطات في الأنهار بذريعة أنها مجوسية و زرادشتية. لقد تمّ إنتشال بعض منها وكانت على قسمين، كان القسم الأول من الكتب و المخطوطات تتناول الأمور الدينية مثل “آفيستا” و “زه ند” و “ويين” ومواضيع أخرى عن الزرادشتية. القسم الثاني كان يضم مواضيع عن السياسة والعادات والصحة والتعليم والأدب والتاريخ والأساطير والقصص وشؤون إدارة الدولة و قوانين الشطرنج وفنون الفروسية ورمي السهام وعن الصناعة والزراعة والغابات وعلوم الأرض والفلك والفلسفة. من الكتب الكوردية التي تم تأليفها قبل ظهور الإسلام في المنطقة كانت “آفيستا” و “ويين” و “بوندهسن” و “داتستان دينييك” و “آرتاري” و “ويرافنامه” و ” كارنامه ى ئه ردشيري بابه كان” و ” زريران” و “داتستان ريدك” و “خوسره وكووتان” و “وشتره نكنامه” و “خوتاي نامه” و “خوواي نامه” و “روستم نامه” الخ.

عُرف كتاب “خوتاي نامه” بإسم “سير الملوكي” و “خوواي نامه” بإسم “شانامه”، حيث تم ترجمتهما من اللغة البهلوية إلى كل من اللغة الفارسية والعربية. تم تأليف كتاب “كليلة وده مه نهش” في الهند و دخل كوردستان في عهد القاضي والحاكم الكوردي “ئه ردشير” و حينئذ تمت ترجمته إلى البهلوية وبعد ظهور الإسلام تُرجم من البهلوية إلى الفارسية. أما “شانامه” فهو كتاب تأريخي كان مكتوباً باللغة البهلوية قبل الإسلام ، وفيما بعد تُرجم إلى الفارسية.

إن محاولة الإسكندر المقدوني في إتلاف ال”آفيستا” في حوالي عام 331 قبل الميلاد، كانت كارثة كبرى و ضربة مؤلمة للدين الزرادشتي، حيث أنه بعد قضائه على الدولة الأخمينية “الهخامنشية”، إستولى على المكتبة الشاهنشاهية، حيث كانت جميع أجزاء ال”آفيستا” محفوظة هناك فأحرقها مع كل المستندات المكتوبة الأخرى و لم تسلم ال”آفيستا” من الحرق في النهاية سوى بعض أجزائها القليلة و التي تُشكل 83000 كلمة و بقيت الأجزاء الأخرى المحفوظة في صدور الموابدة و الهرابدة جيلاً بعد آخر الى نهاية العهد السلوقي، حيث إستؤنف تحرير أجزائها في حوالي سنة 147 قبل الميلاد. بعد ذلك إستمرت محاولات إعادة كتابتها الى أواخر العهد الأشكاني المنتهي في سنة 226 قبل الميلاد و خلال العهد الساساني حتى حكم “خسرو برويز” (590 – 628 م) و بعده جاء الإسلام، فتوقفت المحاولات و إنطوت صفحة الثقافة الآرية الى حين.


المعتقد و الديانة

قبل قيام الإمبراطورية الميدية، كانت مبادئ “أناهيتا” الأكثر إنتشاراً في المنطقة، التي كانت تمثل نجم الزهرة، ثم تلتها معتقدات “ميترا” التي تمثلت القمر و بعد ذلك إختلطتا بالديانة الزرادشتية التي تمنح الشمس الإحترام والتقديس وتعطي النار مكانة مرموقة و ثم النور ضد الظلام. الجدير بالذكر أن السيدة “نفرتيتي” (معناها بالكوردية “نفرتي–تي” أي المرأة الجميلة القادمة) التي كانت زوجة الفرعون المصري “امنحوتب الرابع”، هي إبنة ملك الإمبراطورية الميتانية، التي كانت عاصمتها “واشوكاني” (سري كانيه أي رأس العين قرب قامشلو الواقعة في إقليم غرب كوردستان)، تمتد أصولها الدينية إلى “أناهيتا” و”ميترا”، لذك عندما تزوجت الفرعون المصري، جعلته يغيّر معتقداته الدينية التي يعتبر فيها نفسه الإله الحي على الأرض بينما الإله الآخر “آمون” في السماء و الذي يعني أنه كان يعتقد بإله ثنائي، فعاد يؤمن بإله واحد فقط في السماء واسمه “آتون” أي الشمس. إن كلمة “آتون” لا تزال تُستخدم في اللغة الكوردية و التي تعني “الحرارة الشديدة” و التي كانت تعني الشمس قديماً.

في فترة حكم “آزي دهاك Azhi Dahak”، كانت لعبادة الملائكة تأثير كبير على الديانة الزرادشتية الناشئة و التي كانت من نتائجها إدخال المنصب الكهنوتي المعروف بـ “ماكي Magi” الى تلك الديانة. حاولت الملوك الأخمينيون الزرادشتيون، الذين جاؤوا بعد الميديين عكس هذا النفوذ، الا أنهم حققوا القليل في إعادة تنصيب الزرادشتية الأصلية كما هي مبينة في “الكاثا Gatha”، الذي يعد أقدم و أنقى جزء من الكتاب الزرادشتي المقدس “آفيستا Avesta”. في تلك الفترة أًُضيفت سمة شيطانية على اللقب الملكي التشريفي “آزي دهاك” من قِبل الزرادشتيين و هكذا ترسخت في ذلك الدين الميثولوجيا القومية و أدب الملحمة عند الإيرانيين. ما زال “آزي دهاك” يُبّجل ك”سلطان سهاك Sultan Sahak”، و هي صيغة أكثر تحريفاً للإسم الأصلي، من قبل أنصار الدين اليارستاني الكوردي (أهل حق أو الكاكائيين).

كانت العقائد الزرادشتية قريبة كل القرب من عقيدة التوحيد، بل إنها حتى بعد أن أقحموا فيها “أهرمان” والأرواح، ظل فيها من التوحيد بقدر ما في المسيحية، بشياطينها وملائكتها. يمكن ملاحظة إنعكاس الثنائية الزرادشتية في الديانة المسيحية و مدى تأثر هذه الديانة بتلك الثنائية. الفكرة الزرادشتية عن الإله كانت تلفت إنتباه الناس المهتمين بدقائق الأشياء وتفاصيلها ك”ماثيو آرنلد”. “أهورا مزدا”، كانت تمثل قوى العالم التي تعمل للحق والأخلاق الفاضلة. إن فكرة الثنائية يُفسّر للإنسان و يبرر ما يراه في العالم من تناقض وتضاد. رجال الدين الزرادشتيون يقولون أحياناً بأن الشر لا وجود له في حقيقة الأمر، فإنهم في الواقع يعرضون على الناس ديناً يصلح لأن يمثل ما يصادف الإنسان في الحياة من مشاكل خلقية تمثيلاً يقربها إلى عقله وتنطبع فيه، وقد وعدوا أتباعهم بأن آخر فصل من هذه المسرحية سيكون خاتمة سعيدة للرجل العادل و ذلك لأن قوى الشر ستنهزم أمام قوى الخير بعد أن يمر العالم بأربعة عهود، طول كل منها ثلاثة آلاف عام، يسيطر عليه فيها على التوالي “آهورا مزدا” و “أهرمان”. حينئذ ينتصر الحق في كل مكان وينعدم الشر فلا يكون له من بعد وجود. ثم ينضم الصالحون إلى “آهورا مزدا” في الجنة، بينما سيكون مصير الخبيثاء في الظلمة، يطعمون فيها أبد الدهر سُمَّاً زعافاً.


زرادشت كان نبياً كوردياً و ليس فارسياً

ولد “زرادشت” في شمال غربي إيران الحالية {( في منطقة “رى” (Ragha القديمة) بكوردستان} و ترعرع هناك، ثم هاجر من هناك الى القسم الشرقي من إيران الحالية و إستقر في مدينة خراسان و هناك كتب كتابه المقدس “آفيستا” و بدأ بنشر دينه الجديد من هناك في حوالي القرن السابع قبل الميلاد. ولادة زرادشت في كوردستان و نشأته هناك دليل على أن زرادشت كان مواطناً كوردياً و أنه كتب كتابه المقدس “آفيستا” باللغة الميدية التي هي اللغة الكوردية، حيث أن زرادشت إضطر الى ترك بلده بسبب دعوته للناس الى نبذ الأعراف الظالمة في بعض جوانب الحياة و بذلك فهو إرتحل مبشراً و داعية و من غير الممكن أن يكون قد ترك دعوته بعد هجرته الى خراسان لفترة طويلة لكي يتعلم لغة البارسيين ليبلغ بها رسالته، و حتى على فرض أنه كان قد فعل ذلك فأنه من المستحيل أن يتمكن، كشخص غريب عن اللغة البارسية، من الإرتقاء الى هذه اللغة الراقية و البلاغية في تلك اللغة الأجنبية بمقاييس ذلك الوقت التي نراها في لغة الآفيستا.

للمضي في إثبات كون لغة كتاب “آفيستا” أقرب الى الكوردية من قرب الفارسية الحديثة للفارسية القديمة، يذكر الأستاذ مسعود محمد أدلة إضافية تؤيد هذه الدعوى ذات صلة بمدلولات صرفية تقيم جسوراً بين الكوردية و الآفيستية. إن اللاحقة “تات” في اللغة الآفيستية، هي أداة لقلب إسم المادة الى إسم المعنى و لا يوجد لها نظير في اللغة الفارسية، إلا أن لها نظيراً في اللغة الكوردية يقاربها في الشكل و يساويها في الوظيفة وهو لاحقة “اتي، ايه تي، تي” فهي لاحقة ذات ثلاث صور تبعاً لتكوين الكلمة التي تلحقها صرفياً. الكلمة الآفيستية “أمر تات” تُقلب في الكوردية الى “نه مرايه تي، نه مره تي” التي تعني “الخلود”، فالهمزة المفتوحة في الكلمة الأولى التي هي للنفي يقابلها “نه” في الثانية الذي هو للنفي أيضاً و “مر” يعني “الموت” في كلتا الحالتين، فيعني كل من “أمر” و “نه مر” “الخالد”. تأتي اللاحقة “تات” في الأولى و اللاحقة “أيه تي، أتي” في الثانية للتجريد، فيصبح المعنى “الخلود أو اللاميتية”. كما أنه من المرجح جداً أن الهمزة المفتوحة النافية في الآفيستا أن تكون قد إنتقلت من الميديين الى اللغة الإنجليزية، حيث أنها نافية أيضاً في اللغة الإنجليزية مثل (“Social –Asocial أي إجتماعي – غير إجتماعي” و “Sexual – Asexual جنسي – غير جنسي”). كما أنه من المرجح أيضاً أن العرب قد أخذوا هذا الأداة للنفي من الكورد، حيث أن همزة الإسقاط في باب “أفعل” من الأفعال العربية المستعملة للنفي مثل الفعلين ” أفلس و أعذر” لنزع “الفلس” و “العذر” من الرجل مأخوذة من اللغة الآفيستية.

لو نمضي قدماً في المقارنة بين الكلمات الآفيستية و الكوردية، نجد التشابه الكبير بينها، على سبيل المثال لا الحصر، أذكر بعض الكلمات المتشابهة بين هاتين اللغتين التي تطرق إليها المفكر الكوردي مسعود محمد، للدلالة الأكيدة على أن اللغة الآفيستية هي لغة كوردية و ليست فارسية، حيث لا توجد تشابه للكلمات الآفيستية التي أشير إليها هنا مع المفردات الفارسية المقابلة لها، بعكس اللغة الكوردية التي يلاحظ المرء مدى الروابط القوية التي تجمع المفردات الآفيستية و الكوردية. كلمة “Pouroush” الآفيستية التي تعني “عجوز” تحورت في الكوردية و الفارسية الى “Pir”، هذه الكلمة كانت لها معنىً آخراً هو اللون الخليط من الأسود و الأبيض الذي يقابلها في العربية كلمة “الأدهم” إذا كان سواده غالباً و “الأشهب” إذا كان بياضه غالباً. هذه الكلمة الميدية لا زالت باقية في اللغة الكوردية التي هي “Bor”. كلمة “Pareto” الدالة على “المرور” لا تعدو سوى الكلمة الكوردية “Par” مع اللاصقة “Te” والتي تصبح “Tepar”. كلمة “أمر تات” الميدية تقابلها الكلمة الكوردية “نه مرايه تي” التي تعني “الخلود” كما أن كلمة “uPas” التي تعني “الغنم” تقابلها في الكورية و بنفس المعنى كلمة “Pas”. كلمة “Haurva” الآفيستية التي تعني ” تام أو كامل ” نجدها في الكوردية قد تحولت الى “Iro”، حيث أن حذف حرف الهاء في أوائل الكلمات الكوردية و إحلال حرف الهمزة محله، أمر شائع في اللغة الكوردية قد تم تبدل حرف “” الى “و”، طبقاً لقاعدة صوتية أخرى في اللغة الكوردية و هكذا تحورت هذه الكلمة الميدية التى عمرها ثلاث”Iro” آلاف سنة الى “Iro”. كلمة “Vizim” تقابله في الكوردية “خزم Khizim” التي تعني ” قريب ” (الآتية من القرابة”. “Azan” التي تعني “الشمس” أصبحت في الكوردية “Gizing” التي تعني “شعاع الشمس” و كلمة “Shapik” التي تعني ال”صدرية” هي مستعملة في اللغة الكوردية بنفس صورتها و معناها. كلمة “Dughdu” الآفيستية تحولت الى كلمة “Deot” التي لا زالت موجودة في اللهجة اللورية الكوردية التي يتكلم بها الفيليون و من الآفيستية تم أخذ هذه الكلمة من قِبل الشعوب الناطقة باللغات الهندو-أوروبية مثل الإنجليزية و السويدية و الفارسية و غيرها. كلمة “Rapitvina” تعني “وقت الظهر” باللغة الآفيستية و تحولت الى “Firavin” في الكوردية و التي تعني “وجبة طعام الظهر”، كما أن الكلمة الآفيستية “Zrayah” تقابلها في اللغة الكوردية “Zarya” التي تعني “البحر” و “matarZa” تحولت الى”Zawa” في الكوردية، التي تعني “العريس” و كلمة “Asu” قد تحورت الى “Ask” في الكوردية و التي تعني “الغزال” و الكلمة الآفيستية “Misyah” تقابلها في اللغة الكوردية كلمة “Masi ” التي تعني “السمك”. كلمة “Thri” الميدية التي تعني “ثلاثة”، تحولت في الكوردية الى “Se”، بينما أخذ الإنجليز و السويديون هذه الكلمة من الميدين، حيث تحورت في اللغة الإنجليزية الى “Three” و في اللغة السويدية الى “Tre” كما إنتقلت الى عدد آخر من اللغات الهندو-أوروبية.

كما هناك كلمات ميدية أخرى التي لا زالت باقية في اللغة الكوردية مثل ” آرتا” (الفرن) و ” أسب ” ( الحصان) و “آري” (ما لها صلة بالشمس” و ” نان” (الخبز) و “تيغر” ( تير و الذي يعني “السهم”). إستمد نهر دجلة إسمه من هذه التسمية لكونه يجري كالسهم و كان يسمى آنذاك ب”تيغلات”. كلمة ” شير ” كانت تدل على مرتبة دينية زرداشتية ومازالت تُستعمل لدى الإيزيدين. كلمة “ميرتا” أو “مارتا” تعني ” شجاع ، متمرد، ثائر” وهي تسمية يطلقها كتاب آفيستا على ميديا. كلمة ” زير” (الذهب) و ” نوروز” الذي هو اسم شهر آذار و التي تعني “اليوم الجديد”.

الكتاب المقدس “آفيستا” الذي كتبه زرادشت يتضمن أربع أجزاء؛ الجزء الأول هو ال”كاثا Gatha” و الذي يضم شرائع الإله “آهورا مزدا” وحوار زرادشت مع الإله، كما يحتوي على تعاليم زرادشت. الجزء الثاني من الكتاب ال”ياسنا” هو جزء متمم لل”كاتا” و يحتوي على شرائع وقوانين وحوار زرادشت مع الإله. أما الجزء الثالث من ال”آفيستا” فهو ال”يشت” الذي يتضمن وصايا زرادشت الى مريديه والمؤمنين بدعوته وكذلك الأمور المتعلقة بالطهارة والنجاسة. الجزء الرابع و الأخير الذي يُسمّى ب” ويسبر”من “الآفيستا” هو عبارة عن أناشيد وأدعية وتراتيل نظمها زرادشت تمجيدا للإله (آهورا مزدا).


الفلسفة الأخلاقية في الديانة الزرادشتية

انشغل زرادشت في بداية حياته في البحث عن حقيقة الخلق والخالق ، وحين إعتقد انه وجد الخالق في شخص الإله ( آهورا مزدا )، بدأ بالتفكير في كيفية الخلق والوجود، الحياة والموت والبحث عن طريقة مثلى يستطيع بها الانسان مكافحة الشر في نفسه، والعمل على سيادة الخير والحق والعدل والصدق والحرية والمحبة الكونية الشاملة والأخوة بين جميع أبناء البشر دون التفريق بينهم بسبب الجنس أو العرق أو اللغة أو اللون، حيث يتوحد وجودهم في وحدة خالصة تنصهر في كينونة الوجود المطلق ولا يمكن مشاهدة أي أثر للعبودية في فلسفته، حيث أن كلاً من زرادشت و آلهته لا يتدخلون في هذا الإختيار حتى لو تعلق الأمر بشرائع الإله، حفاضاً على حرية الإنسان. كما أن زرادشت كان لا يستخدم، في نشر دينه العنف الجسدي أو الإكراه المعنوي أو الغضب والحنق. آمن زرادشت بحق المرأة وحريتها قبل سقراط وإعتبرها مساوية للرجل في الحقوق والواجبات، وكان أول من فكر في قواعد الأضداد: الخير والشر، النور والظلام، الحق والباطل، الحرية والعبودية، العلم والشعوذة، المعرفة والجهل، وإعتبر العناصر الاولى هي عناصر الرغبة في الحياة، والثانية عناصر الرغبة في الموت والهلاك.

إن زرادشت أتى بعقيدة جديدة لم يكن للشعوب الهندو- أوروبية و الآرية عهد بها من قبل، حيث أن هذه العقيدة أنكرت تعدد الآلهة و نادى بإستقلال قوى الخير و الشر كثنائية متصارعة و متضادة و أن زرادشت قام بإطلاق كلمة “Daeva” و التي تغيرت فيما بعد الى “Dew” على إبليس، حيث كانت هذه الكلمة تعني “الإله” قبل ذلك، و أطلق زرادشت إسم “Mazda” على “الرب الأوحد”. تُذكر كلمة “مزدا” دائماً مع كلمة “Ahura” كصفة لها فيُقال “Mazda Ahura” و التي تعني “المولى العليم”.

تصويّر الزرادشتيين للعالم كميدان يتصارع فيه الخير والشر، أدخل في خيال الشعب حافزاً قوياً، مبعثه قوة خارجة عن القوى البشرية، يحث على الأخلاق الفاضلة ويصونها. كانوا يمثلون النفس البشرية، كما يمثلون الكون، في صورة ميدان كفاح بين الأرواح الخيّرة والأرواح الشريرة؛ وبذلك كان كل إنسان مقاتلاً، إذا أراد ذلك أم لم يرده، و كان عليه أن يختار أن يكون في صفوف جيش الله أو جيش الشيطان، وكان كل عمل يقوم به أو يغفله يرجح قضية “أهورا مزدا” أو قضية “أهرمان”. إنها فلسفة فيها من المبادئ الأخلاقية ما يعجب به المرء أكثر مما يعجب بما فيها من مبادئ الدين، إذا سلمنا بأن الناس في حاجة إلى قوة غير القوى الطبيعية، تهديهم إلى الخُلق الكريم. فهي فلسفة تضفي على الحياة الإنسانية من المعنى ومن الكرامة ما لا تضفيه عليه النظرة القائلة بأن الإنسان ما هو إلا حشرة حقيرة لا حول لها ولا قوة أو أنه مجرد آلة تتحرك كما ُيقال في يومنا هذا. إن الإنسان، حسب تعاليم زرادشت، ليس مجرد بيدق يتحرك بغير إرادته، بل أن له إرادة حرة لأن “أهورا مزد ا” (إله الخير أو الحكمة وخالق العالم المادي) يريده شخصاً يتمتع بكامل حقوقه، و أنه مخيّر أن يسلك طريق النور أو طريق االظلام. إن “أهرمان” هو الكذبة المخلدة، وأن كل كذاب هو خادم له.

أسسّت هذه العقيدة قانون أخلاقي مفصل رغم بساطته، يدور كله حول القاعدة التي تقول أن “الطبيعة لا تكون خيّرة إلا إذا منعت صاحبها أن يفعل بغيره ما هو شرّ لنفسه”. تقول “الآفيستا” أن على الإنسان ثلاث واجبات يجب إدائها وهي “أن يجعل العدو صديقاً وأن يجعل الخبيث طيباً، وأن يجعل الجاهل عالماً”. أعظم الفضائل عنده هي التقوى، ويأتي بعدها الشرف والأمانة عملاً وقولاً و يحرّم أخذ الربا ولكنه يجعل الوفاء بالدَين واجباً. رأس الخطايا كلها (في الشريعة الزرادشتية كما هي في الشريعة الموسوية) هو الكفر. العقوبات الصارمة التي كانت تُفرض على الملحدين تدل على أن الإلحاد كان له وجود بين الآريين، وكان المرتدون عن الدين يُعاقبون بالإعدام دون أية مواربة. ما أمر به السيد من إكرام ورحمة لم يكن يُطبق من الوجهة العملية على الكفار، أي على الأجانب، لأن هؤلاء كانوا صنفاً منحطاً من الناس أظلهم “آهورا مزدا”.

لما كانت التقوى أعظم الفضائل على الإطلاق، فأن أول ما يجب على الإنسان في هذه الحياة أن يعمله هو أن يعبد الله بالطهر والتضحية والصلاة. ولم تكن ميديا الزرادشتية تسمح بإقامة الهياكل أو الأصنام، بل كان الزرادشتيون ينشئون المذابح المقدسة على قمم الجبال، وفي القصور، أو في قلب المدن، وكانوا يوقدون النار فوقها تكريماً ل”آهورا مزدا” أو لغيره من صغار الآلهة. كانوا يتخذون النار نفسها إلهاً يعبدونه ويسمونها “أنار” و كانوا يعتقدون أنها ابن إله النور. كانت كل أسرة تجتمع حول موقدها، تعمل على أن تظل نار بيتها متقدة لا تنطفئ أبدا، لأن ذلك من الطقوس المقررة في الدين. كانت الشمس نار السماوات الخالدة، تُعبد بوصفها يتمثل فيها الإله “آهورا مزدا” أو “مثرا” كما عبدها “إخناتون” في مصر. لقد جاء في كتابهم المقدس: “يجب أن تُعظّم شمس الصباح إلى وقت الظهيرة وشمس الظهيرة يجب أن تُعظم إلى العصر، وشمس العصر يجب أن تُعظم حتى المساء والذين لا يعظمّون الشمس لا تحسب لهم أعمالهم الطيبة في ذلك اليوم”، وكانوا أيضاً يقدمون القرابين إلى الشمس، والى النار، والى “آهورا مزدا”، حيث كانت القرابين تتمثل في الأزهار و الخبز والفاكهة والعطور والثيران والضأن والجِمال والخيل والحمير وذكور الوعول. كان الزرادشتيون يقدمون القرابين كضحايا بشرية، شأنهم شأن غيرهم من الأمم. لم تكن تنال الآلهة من هذه القرابين إلا رائحتها، أما ما يؤكل منها فقد كان يبقى للكهنة والمتعبدين، لأن الآلهة، على حد قول الكهنة، ليست في حاجة إلى أكثر من روح الضحية. ظلت العادة الآرية القديمة عادة تقديم عصير “الهوما المسكر” قرباناً إلى الآلهة باقية بعد انتشار الدين الزرادشتي بزمن طويل، وإن كان زرادشت نفسه جهر بسخطه على هذه العادة و لم يرد لها ذكر في ال”آفيستا”. كان الكهنة يحتسون قسماً من هذا العصير المقدس، ويوزعون ما بقي منه على المؤمنين المجتمعين للصلاة. إذا حال الفقر بين الناس وبين تقديم هذه القرابين، حينئذ كان بإمكانهم الإستعاضة عنها بتقديم الأدعية والصلوات للآلهة. كان “أهورا مزدا” يحب الثناء ويتقبله، ومن ثم فقد وضع للمتقين من عباده طائفة رائعة من صفاته أضحت من الأوراد المحببة عند الميديين.

إذا ما وهب الإنسان الميدي حياة التقى والصدق، كان في وسعه أن يلقى الموت دون خوف. كان من العقائد المقررة أن إله الموت “أستواد” قادر على العثور على الإنسان أينما يكون و أن اإنسان لا يمكنه الإفلات منه حتى لو إختبأ في باطن الأرض، كما فعل “أفرسياب التركي” الذي بنى له تحت أطباق الثرى قصراً من الحديد يبلغ ارتفاعه ألف مرة بقدر قامة الإنسان، وأقام فيه مائة عمود، تدور في سمائه النجوم والقمر والشمس، التي كانت تغمره بأشعة النهار. وكان في هذا القصر يفعل كل ما يحلو له ويحيا حياة سعيدة جداً، و مع ذلك لم يستطع الفرار من ملك الموت “أستواد”. كذلك فأن “دهاق” قام بحفر أرض واسعة مستديرة، تمتد أطرافها إلى أبعد الحدود، و طاف بالأرض شرقاً وغربا،ً باحثاً عن الخلود فلم يعثر عليه و لم يستطع كل ذلك من إنقاذه من قبضة إله الموت. إن ” أستواد” المخاتل يأتي متخفياً و يعثر على كل إنسان، حيث أنه لا يعظّم شخصاً، ولا يتقبل الثناء ولا الإرتشاء، بل يهلك الناس بلا رحمة.

من طبيعة الأديان أن ترهب وتنذر، كما توعد و تُبشّر، فأن الإنسان الميدي، رغم هذا كله كان ينظر إلى الموت برهبة، إلا إذا كان جندياً يدافع عن قضية “آهورا مزدا”. بعد الموت هناك الجحيم و الأعراف و الجنة. كان لا بد لأرواح الموتى أن تجتاز قنطرة تُصفى فيها، تجتازها الأرواح الطيبة فتصل من جانبها الثاني إلى “مسكن الفناء” حيث تلقاها وترحب بها “فتاة عذراء، ذات قوة وبهاء، وصدر ناهد، مليء” ؛ وهناك تعيش مع “آهورا مزدا” سعيدة منعمة خالدة الى أبد الدهر. أما الأرواح الخبيثة فلا تستطيع أن تجتاز القنطرة فتذهب الى الجحيم الذي يتناسب عمقه مع ما اقترفت تلك الأشخاص من ذنوب. الجحيم عبارة عن هاوية مظلمة مرعبة تُعذب فيها الأرواح المذنبة أبد الآبدين. إذا كانت كفة حسنات الإنسان هي الراجحة على سيئاته، فأنه يتعرض لعذاب مؤقت يُطهره من الذنوب، و إذا كان قد إرتكب الكثير من الخطايا إلا أنه فعل الخير، لم يلبث في العذاب إلا اثني عشر ألف عام، ثم يتم رفعه إلى السماء.

ويحدثنا الزرادشتيون الصالحون بأن العالم يقترب من نهايته المحتومة؛ ذلك بأن مولد زرادشت كان بداية الحقبة العالمية التي طولها ثلاث آلاف سنة، وبعد أن يخرج من صلبه ثلاثة أنبياء في فترات مختلفة و الذين يقومون بنشر تعاليمه في العالم، يحلّ يوم الحساب الأخير، وتقوم مملكة “آهورا مزدا”، ويهلك “أهرمان” وجميع قوى الشر هلاكاً لا قيام لها بعده. يومئذ تبدأ الأرواح الطيبة حياة جديدة في عالم خال من الشرور والظلام والآلام فيُبعث الموتى، وتعود الحياة إلى الأجسام، وتنبثق فيها الأنفاس ويخلو العالم المادي من الشيخوخة والموت والفساد والانحلال الى الأبد.

في الديانة الزرادشتية، هناك التهديد بيوم الحساب الرهيب، و من المرجح أن هذا التهديد قد إنتقل من الفلسفة الزرادشتية إلى الفلسفة اليهودية أيام كان للآريين السيادة على فلسطين أو أن اليهود الذين كانوا في الأسر عند البابليين خلال إنتشار الديانة الزرادشتية، يكونون قد تأثروا بمعتقدات الزرادشتية في القيامة و بعثة الموتى، كما يذكر الكاتب مسعود محمد. بما أن من أهداف الدين أن ييسر واجب تذليل الصغار على يد الكبار، فإنه يدفعنا الى الإقرار بأن الكهنة الزرادشتيين كانوا يمتلكون مهارة في وضع قواعد الدين. وإذا ما نظرنا إلى هذا الدين في مجموعه،ِ ألفيناه ديناً رائعاً أقل وحشية ونزعة حربية، وأقل وثنية وتخريفاً من الأديان المعاصرة له.

لو أن زرادشت كان من المخلدين، لتوارى خجلاً حين يرى تماثيل “أنيتا أفرديتي” تُقام في كثير من مدن الإمبراطورية الآرية بعد بضعة قرون من وفاته و كان يسوءه أن يجد صحفاً كثيرة من صحف قد خصها المجوس بطلاسم لشفاء المرضى والتنبؤ بالغيب والسحر وذلك حين غلب كهنة المجوس زرادشت على أمره. هؤلاء الكهنة المجوس، بزهدهم وتقشفهم، وإقتصارهم على زوجة واحدة، ومراعاتهم لمئات من الطقوس المقدسة، و تطهرهم، إتباعا لأوامر الدين وطقوسه، وبامتناعهم عن أكل اللحوم، وبملبسهم البسيط، ما لبثوا أن إشتهروا بالحكمة بين الشعوب الأجنبية، ومنهم اليونانيين، كما أصبح لهؤلاء الكهنة على مواطنيهم سلطان لا تكاد تُعرف له حدود، لدرجة أن أصبح ملوك الفرس أنفسهم من تلاميذهم، لا يقدمون على أمر ذي بال إلا بعد استشارتهم فيه، فقد كانت الطبقات العليا منهم حكماء، والسفلي متنبئين وسحرة، ينظرون في النجوم ويفسرون الأحلام؛ و الشاهد على تأثيرهم هو حتى أن الكلمة الإنكليزية المقابلة لكلمة “السحر Magic” مشتقة من اسم “المجوس”.

أخذت العناصر الزرادشتية في الديانة الآرية تتضاءل مع مرور الوقت، حيث كانت منتعشة في فترة الإمبراطورية الساسانية (226- 651 ب. م)، ولكن الإحتلال الإسلامي للمنطقة وغزو التتار قضيا عليها. لا يوجد أثر للديانة الزرادشتية في هذه الأيام إلا بين عشائر قليلة في إيران وبين البارسيين الهنود. لا تزال هذه الجماعة محافظة على كتبها المقدسة، و تُدرسها، وتعبد النار والتراب والأرض والماء وتُقدسها وتعرض موتاها في “أبراج الصمت” للطيور الجارحة كي لا تدنس العناصر المقدسة بدفنها في الأرض أو حرقها في الهواء. وهم قوم ذوو أخلاق سامية وآداب رفيعة، وهم شواهد حية على فضل الدين الزرادشتي وما له من أثر عظيم في تهذيب بني الإنسان وتمدنهم و تحضرهم. رغم انحسار الزرادشتية كديانة في وقتنا الحاضر، إلا أن تأثر الديانات اليهودية و المسيحية و الإسلامية بالديانة الزرادشتية بادي للعيان بوضوح.

نشر زرادشت فلسفته بقرون عد يدة قبل سقراط وافلاطون وآرسطو وفيثاغورث ويعتبر بعض المؤرخين أن فيثاغورث كان تلميذا لتعاليم زرادشت ، كما كان الافلاطونيون، من طلاب افلاطون اللاحقين، وكذلك المؤرخون اليونانيون، هيرودتس ، كتسيان وكزنفون والآخرون من اللاحقين على اطلاع بفلسفة وديانة زرادشت.


المصادر

زكي، محمد أمين (1945). خلاصة تأريخ الكرد و كردستان- من أقدم العصور التأريخية حتى الآن. الجزء الأول، الطبعة الثانية. ترجمة محمد علي عوني.

موكرياني، كيو (1961). فه رهه نكي مه هاباد. جابي يه كه مين، هه ولير، جابخانه ى كوردستان.

Durant, W. (1954). The Story of Civilization. Vol. 1, part 2. Simon and Schuster, New York.
Izady, Mehrdad (1992). The Kurds: A Concise Handbook. Department of Near Eastern Languages and Civilizations, Harvard University, Taylor and Francis International Publishers, Washington – Philadelphia – London, 268 pp.

تعليق واحد

  1. اريد شرح الحضارة الفارسبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *