الرئيسية » مقالات » السبيل الامثل لردع تركيا والتصدي لعنجهيتها

السبيل الامثل لردع تركيا والتصدي لعنجهيتها

تهديدات صريحة باجتياز الحدود الدولية، تدخل صارخ في شؤون العراق السياسية. فرض وصاية ورفض بنود الدستور العراقي التي لا تروق لهم والمطالبة بالغاءها، دعوة المتشددين من الجماعات الطائفية وايتام النظام البائد الى المؤتمرات التحريضية والمعادية للعراق، عقد ندوات دولية وجلسات برلمانية خاصة بقضية كركوك وكأنها مدينة ضمن الحدود الجغرافية لتركيا وغيرها من الاستهانة بالمعايير الدولية للعلاقات بين البلدان.
آردوغان وفي مسعاه لجمع الاصوات للفوز بمنصب رئاسة الدولة التركية يهدد جهارا ويتحدى المجتمع الدولي ويعطي الحق المطلق لتركيا في منع تنفيذ المادة 140 الدستورية وخاصة فيما يتعلق بالاستفتاء المزمع عقده في 15/11/2007، فهو لا يطالب باستفتاء عادل و غير متحيز و باشراف دولي بل يرفضه ويهدد بالتدخل لمنع اجراءه قطعا. دنيز بايكال رئيس حزب الشعب التركي، الحزب الذي اسسه كمال آتاتورك، يعيد الى الاذهان فعالية الاجراء التركي بتحشيد قواتها على الحدود السورية و التهديد الذي وجهه رئيس تركيا السابق سليمان ديميرال الى سوريا باخراج زعيم حزب العمل الكوردستاني عبدالله اوجلان و حظر نشاط الحزب المذكور من على اراضيها. دولت الباغجةلي الامين العام للحزب القومي التركي يدعو الى فرض الحصار الشامل على كوردستان في مؤتمر المسمى (كركوك 2007) المنعقد في انقرة.
مثلما هم ساسة الترك الذين لا يزالون بعقلية سلاطين آل عثمان، في اجماعهم حول قضية التدخل في الوضع العراقي فان اجماع دول الجوار العراقي الاخرى (ايران وسوريا والاردن والسعودية) اضافة الى مصر على الاتفاق مع المشروع التركي الرامي الى تهديد تأجيج الاوضاع الغير المستقرة أصلا و تكثيف الزيارات والاتصالات والتسيق بين مسؤولي تلك الدول وعلى مستوى عال والتصريحات المشتركة الصادرة عقب لقاءاتهم، تجمع على وحدة الجهود باتجاه اجهاض تنفيذ بنود الدستور المتعلقة بتطبيق النظام الفيدرالي في العراق وتطبيع الاوضاع في المناطق التي تعرضت الى تغيير الواقع الديموغرافي. تحشدات ايرانية على الحدود الشرقية في منطقة بنجوين تتزامن مع التحشدات التركية الكبيرة على الحدود الشمالية، كلها تؤكد خطورة الموقف و جدية التحرك التركي الذي ياتي قبل كل شئ الى وأد طموحات شعب كوردستان في العيش بحرية وسلام ومن ثم الى جس نبض الادارة الامريكية تجاه الوضع الذي يسعى تركيا الى تأزيمه واختبار الموقف الامريكي وجديته حول تقسيم العراق الى مقاطعات فيدرالية وفق ما رسمه الدستور العراقي وكذلك الضغط باتجاه افشال المساعي الرامية الى تحقيقها، بالاضافة الى اجبار القوات الامريكية على القيام بضرب وتدمير قواعد حزب العمال الكوردستاني في جبال قنديل.

يبدو ان الساسة الترك الذين يتحاججون بحرصهم على وحدة العراق، يريدون فرض نموذج الدولة الكمالية التي اسست وفق شعار (وطن قومي واحد و لغة واحدة والتي دأبت على صهر كل القوميات في بوتقة قومية تركية واحدة) على الواقع العراقي، متناسيين ان النظام الدكتاتوري فشل في تحقيق ذلك رغم كل شراسته وامكاتاته المادية والعسكرية ورغم وحشيته وجرائمه في الانفالات و القتل الجماعي و اخفاء مئات الالاف من الضحايا في المقابر الجماعية. وبينما تخنق السلطات التركية الحريات المدنية والثقافية لملايين من الكورد والشركس والعرب والاشوريين والارمن وغيرهم من شعوب تركيا، يتباكون على مصير التركمان في عراق ما بعد صدام بينما كانت تركيا حليفة العراق وتربطها اتفاقيات امنية وعسكرية مع نظام صدام البائد، وكم من شباب التركمان سلمتهم الجندرمة التركية آنذاك الى السلطات الامنية العراقية ليلقوا مصيرهم بالحكم عليهم بالاعدم، وفيما تتغاضى السلطات التركية عن الدفاع عن حقوق الملايين من الاتراك الاذريين المحرومون من التعليم بلغتهم و ممارسة حقوقهم الثقافية في ايران، يدَعون حرصهم على التركمان في كركوك وهم يقصدون في ذلك شلة من عملاءهم المأجورين في الجبهة التركمانية.

الصراع الطائفي الشيعي-السني والقتل على الهوية يجري على اشده على الساحة العراقية، بينما في الجانب الاخر نرى التحالف الشيعي-السني المتمثل في التعاون بين أيران ونظامها الديني-الشيعي و تركيا الذي يحكمه حزب آردوغان (العدالة والتمية) الاسلامي-السني قائما ضد حرية شعب كوردستان. الدول العربية و خاصة سوريا لا تعير اهتماما لمشاكل سكان تركيا من العرب وخاصة سكان ولاية أنطاكيا (الاسكنرون) و معاناتهم و يتناسون مشاكل مناسيب مياه نهر الفرات التي تتحكم بمنابعه الدولة التركية، لكنهم يتوحدون وتحت ذرائع و حجج واهية في الحفاظ على وحدة العراق و شعبه وكل ما يبغونه هو معاداة شعب يحاول نيل قسط من حريته في وطنه كوردستان دون وصاية الاخرين.

خطورة الوضع في اشدها وقد يتسبب في جر المنطقة الى حمامات الدم و اشتعال الفتن و النعرات القومية والطائفية التي لاتحمد عقباها و تذهب بارواح الالاف من الابرياء ضحايا لتلك السياسات اللامسؤولة. وانه ورغم البيانات والتصريحات التي صدرت من الجهات الرسمية في حكومة اقليم كوردستان و بعض المسؤولين العراقيين في استنكار وادانة الموقف التركي و تدخله السافر في الشأن العراقي، الا ان ذلك ليس بمستوى جدية التهديد التركي و خطورة التدخلات الاقليمية و عزمهم على ارباك الوضع السياسي اكثر فأكثر و دعمهم الفاضح للجماعات التكفيرية و بقايا البعث و الميليشيات التي تنشر الموت في كل مكان.

فبالنسبة للدولة التركية فلا تنفع معها غير سياسة المعاملة بالمثل. فيجب على السلطة السياسية في اقليم كوردستان ان تبادر و دون تردد الى انذار الحكومة التركية باللجوء الى مقاطعة البضائع التركية ومنع شركاتها التجارية و الصناعية التي لها مصالحها في كوردستان وانهاء العقود التجارية مع تلك الشركات حيث ان تركيا تعاني من ازمات اقتصادية خانقة. ان من المفارقات الغريبة هو مطالبة اعضاء من التحالف الكوردستاني في البرلمان العراقي باتخاذ مثل هذا الاجراء بينما حكومة اقليم كوردستان والبرلمان الكوردستاني لا لم تحركا ساكنا بهذا الاتجاه. المسألة الاخرى التي يجب الاخذ بها في الحسبان هو دعم حقوق الشعوب الغير التركية التي وردت ذكرهم آنفا واقامة مؤتمرات عالمية لنصرتهم ونصرة الاحزاب السياسية المعارضة لسياسة التركية. هذا اضافة الى ضرورة تقوية الموقف العراقي الرسمي و الاحتجاج لدى المنظمات العالمية و مطالبة مجلس الامن لمناقشة التهديدات التركية و ادانتها لمنع تنفيذها وقبل هذا وذاك هو ممارسة الضغط على الادارة الامريكية التي تحتل قواتها العراق و تتحمل المسؤولية المباشرة عن الاثار المترتبة على الاوضاع التي قد تفرزها الواقع السياسي والعسكري في المنطقة وما قد تترتب عليه الامور على ضوء تلك التهديدات والتدخلات الاقليمية مستقبلا، فرغم تصريحات السفير الامريكي في انقرة ومسؤول في الخارجية الامريكية قضية كركوك كونها شأن داخلي يعالجها الدستور العراقي، فانها ليست كافية لمنع التهديد التركي بل يجب ترجمتها الى الاجراءات والخطوات العملية السابقة ذكرها و لايمكن تناسي أهمية دور الشارع العراقي والكوردستاني و التعبير عن استنكار الجماهير بشتى الوسائل لتلك السياسات العنصرية التي من شأنها تأجيج الصراعات العرقية و تفاقم الازمات و معاناة شعوب المنطقة بأسرها.

سدني
19/1/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *