الرئيسية » مقالات » هل من جديد في السياسة الإيرانية إزاء العراق؟

هل من جديد في السياسة الإيرانية إزاء العراق؟

تشير الإدارة الأمريكية, استناداً إلى معلومات دوائرها الاستخباراتية, إلى أن إيران تمارس نشاطاً واسعاً وكثيفاً في العراق, فهل هي على حق بذلك؟ وهل هو خاف على الحكومة العراقية؟
بناء على معلومات موثقة ومؤكدة كتبت الكثير من المقالات حول الوجود والتدخل الإيراني الكثيف في البصرة وعموم جنوب العراق وفي مناطق أخرى من العراق ومنها محافظات كردستان, وبشكل خاص المقالات الثلاث التي نشرت تحت عنوان “البصرة المستباح… البصرة الحزينة! ولم حظيت تلك المقالات باهتمام كبير من جانب كثرة من القارئات والقراء الكرام, رغم أن البعض القليل قد اعتقد بأني أريد الإساءة للبصرة وأهلها الكرام وكتب مستشهداً باتصال هاتفي مع عائلته تخبره بعدم وجود مثل ذلك النشاط!
أرى مفيداً أن أشير هنا إلى أن النشاط الإيراني في العراق اتخذ في الفترة الأخيرة ا
أشكالاً جديدة ودخلت على الخط قوى جديدة أو كثفت من فعالياتها. فالمعلومات المتوفرة تؤشر أن عدة جهات إيرانية تمارس العمل السياسي السري والعلني في العراق, وهي:
1. الحرس الثوري الإيراني المتمرس في العمليات العسكرية وحرب الشوارع والمشارك في تدريب الكثير من العراقيين في إيران أناء فترة النضال السري للمعارضة العراقية ضد النظام الدكتاتوري.
2. جهاز الأمن والاستخبارات الإيرانية وجمهرة من القوات العسكرية العاملة بالزى المدني.
3. المنظمات الإسلامية السياسية التي تنظمها الدولة الإيرانية وتشرف عليها جهات مختلفة.
4. مجموعات الحوزة الدينية في قم التي ترسل الكثير من ملاليها أو الملالي العراقيين الدارسين فيها إلى العراق للعمل في الحسينيات والجوامع.
وأن هذه الجهات تعمل في العراق تحت عدة واجهات, وهي:
1. وجودها داخل تنظيمات سياسية إسلامية عراقية.
2. تحت واجهات تنظيمات خيرية ودينية وحسينيات عراقية.
3. تحت واجهات دبلوماسية وتجارية ومكاتب صحفية وإعلامية وغيرها.
4. نشطاء يعملون في إطار المليشيات المسلحة كمدربين أو مستشارين عسكريين أو منفذي عمليات إرهابية.
يصل هؤلاء بصيغ مختلفة إلى العراق, سواء أتم ذلك عبر الزوار أم التجار أم الذين يحصلون على موافقات حكومية عراقية من جهات مختلفة أو العبور بصورة غير شرعية, إذ يمكنهم الحصول على جوازات عراقية أو إقامات أو سمات دخول بسهولة جداً, وبعضهم غير القليل يتحدث اللهجة العراقية بطلاقة, إذ أن بعضهم من أصل عراقي وحصل على إقامة أو مواطنة إيرانية.
ويمتلك الإيرانيون عشرات الدور السكنية الموزعة في العراق وبشكل خاص في جميع محافظات الجنوب والوسط, إضافة إلى بغداد والمحافظات الكردستانية. إذ يسكن فيها أفراد إطلاعات أو الحرس الثوري أو غيرهم من الإيرانيين الذي يعملون بنفس الوجهة لضمان ما يلي:
إشاعة عدم الاستقرار والفوضى في العراق, إذ أن حكومة إيران ترى أن ليس من مصلحتها أن يعم الهدوء والاستقرار والمصالحة الوطنية في هذا البلد, حيث يعطي الفرصة للولايات المتحدة على التحرك ضد إيران وسوريا.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف الأولي المباشر, رغم أن لديها أهداف أخرى بما في ذلك إقامة نظام إسلامي سياسي مماثل لإيران في العراق في إطار تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية إلى دول المنطقة والعالم الإسلامي, عملت الدوائر المسؤولة رسمياً وغير الرسمية الإيرانية على ما يلي:
1. إقامة شبكة واسعة من التنظيمات الخيرية والأحزاب السياسية الإسلامية البديلة التي تعمل لتوسيع نشاطها في كسب المزيد من الناس الشيعة إلى هذه التنظيمات التابعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة لإيران وملتزمة بخطها الفكري والسياسي.
2. تأمين التسلل, وعبر عراقيين مرتبطين بإيران, إلى أجهزة الاستخبارات والمخابرات والأمن العراقي, علماً بأنهم يحملون هويات عراقية.
3. تأمين الدور السكنية الآمنة وعبر عوائل عراقية إلى الجماعات الإيرانية العاملة في العراق, وخاصة أفراد الحرس الثوري والأمن والاستخبارات الإيرانية والتنظيمات الإيرانية المتطرفة الأخرى والتي لا تخلو مدينة عراقية تقريباً منها, في ما عدا محافظات الأنبار وصلاح الدين وربما الموصل أيضاً.
4. تأمين الموارد المالية الضرورية لثلاثة أغراض أساسية, وهي:
أ‌. وضع الأموال في خدمة الكثير من رجال الدين والحسينيات أو الجوامع لصرفها على المحتاجين من الناس من قبل قوى إسلامية سياسية للتأثير الفكري والسياسي والعملي عليها وكسبها لمهماتها المباشرة وغير المباشرة. فهناك الكثير من البشر العراقي الذي يتسلم مصروفات شهرية على هذا الأساس.
ب‌. وضع الأموال تحت تصرف المليشيات المسلحة الطائفية التي تمارس التهديد والاختطاف والقتل والتخريب ضد مؤسسات الدولة وضد المجتمع وضد القوات الأمريكية أو الأجنبية عموماً في العراق.
ت‌. تأمين مصاريف العوائل وإيجارات دور السكن وشراء الجوازات والإفساد الوظيفي لكسب موظفين والوصول إلى المعلومات لصالح الدولة الإيرانية.
5. تزويد المليشيات المسلحة والإرهابيين بما يساعد على استمرار النشاط الدموي في العراق.
6. هناك قوى في إيران تستخدم أسلوباً آخر في ترويج الفوضى والخراب في العراق, إذ أنها تستخدم العراق كمستورد ومصدر للمخدرات القادمة من أفغانستان ومن إيران ذاتها, وهي مواد تساهم في إفساد الناس وفي تخريب العقول وإضعاف النفس والكرامة, وخاصة عند الإدمان. وما يجري في البصرة من تهريب لهذه المخدرات وكبس بعضها من قبل الشرطة يعبر بوضوح عن كل هذه الحقائق المرة التي لا بد من ذكرها.
إن هذه الحقائق ليست جديدة, بل كانت ولا تزال مستمرة حتى الآن من قبل “الجارة العزيزة” إيران, وفق ما يحلو للناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية وباسم رئيس الوزراء الدكتور علي الدباغ أن يدعوها كلما جاء ذكر اسم إيران في حديثه.
هل ما نقوله لم يكن معروفاً للولايات المتحدة واكتشفت ذلك الآن؟ ولم التصعيد ضدها حالياً؟
إن ما يجري في العراق بدأ يؤثر ببساطة على مواقع الرئيس الأمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية ويضعف دوره ودور الحزب الجمهوري من جهة, وأن استمرار الإرهاب الدموي والقتل المتزايد والمتواصل في صفوف العراقيين من جهة ثانية, وتفاقم التدخل الإيراني نوعياً وكمياً في الشأن العراقي من جهة ثالثة, حتى وصل الأمر بالتيار الصدري أن لا يجمد عضويته في مجلس النواب ومجلس الوزراء حسب, بل ويهدد بقتل جميع أفراد الحكومة في المنطقة الخضراء ونهب المعسكرات وقتل كل الأعداء! ولم ينشأ هذا التهديد الوقح والفريد من نوعه بمعزل عن تأييد ودعم مستمرين من جانب الدولة الإيرانية. حتى وصل الأمر أن انسحب كثيرون من قوى سياسية أخرى والتحقوا بالتيار الصدر ومليشياته المسلحة لأنه يدفع أكثر ولأنه يمارس نشاطاً واسعاً ولديه حماية حكومية جيدة.
إن هذه السياسة الإيرانية ومن يؤيدها في العراق لا تضعف الحكومة العراقية ورئيس الوزراء حسب, بل وتنشط الإرهاب بهدف إخراج القوات الأمريكية من العراق والتي لا تعني في الوقت الحاضر سوى خلو الجو للمتطرفين لإشعال حرب أهلية, وسوى تطبيق الخطة الموضوعة من قبل قوى التيار الصدري ومليشيا المهدي, إضافة إلى ما ترسمه هيئة علماء المسلمين السنة لهذا الغرض, حيث صرح بعضهم بأنهم لا يحتاجون سوى ثلاثة شهور ليتمكنوا من تصفية المليشيات المسلحة الشيعية أو دعوة الضاري الموجهة للجيش العراقي لكسر شوكة المليشيات الشيعية المسلحة.
نحن أمام وضع جديد في العراق وفي الولايات المتحدة, وهو الذي حرك الإدارة الأمريكية إلى تنشيط دورها المناهض للسياسة الإيرانية في العراق, في حين كان المفروض أن يحرك النشاط الإيراني المتفاقم في العراق الحكومة العراقية بهذا الاتجاه لاعتقال الإيرانيين العاملين في هذه المجالات أو من يقف إلى جانب إيران في النشاط الإرهابي. لا يكفي أن تعتقل القوات الحكومية 400 من أنصار أو أتباع التيار الصدري, بل يفترض اعتقال من يحرك وينظم ويوجه هؤلاء الأتباع. فالرأس المدبر لكل ذلك هو الذي يفترض أن يحاسب أولاً وقبل كل شيء.
إن تحرك الحكومة العراقية ضد السياسة الإيرانية الموجهة ضد العراق سيوقف احتمال توجيه ضربة أمريكية ضد إيران التي يمكن أن تعقد اللوحة السياسية في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط.
إن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يعمل بإصرار على تصعيد سياسته المناهضة للولايات المتحدة في العراق أولاً وفي المنطقة ثانياً, إضافة إلى إصراره على مواصلة العمل بالملف النووي الإيراني وسعيه لتشكيل تحالفات سياسية في المنطقة وخارجها موجهة بشكل خاص ضد الولايات المتحدة. والرئيس الإيراني يعتقد بأن الفرصة أصبحت سانحة لتحقيق عدة مسائل مهمة بالنسبة للفئة الحاكمة في إيران, وهي:
1. أن تحتل إيران موقع الدولة الكبرى الأولى في المنطقة, وأن تشارك بالوصاية على المنطقة.
2. أن توسع إيران من قاعدة أتباعها في العالم الإسلامي الذي يسّهل لها عملية تصدير الثورة التي يتبناها الحرس الثوري وهو نفس ما كان يدعو إليه الراحل السيد الخميني.
3. أن يتسنى له التغطية على الملف النووي الإيراني ويكسبه الوقت المناسب لتنفيذ برنامج إنتاج السلاح النووي ليعزز طموحها في قيادة المنطقة.
4. أن تبقى محتفظة بالجزر العربية الثلاث المحتلة (طمب الكبرى وطمب الصغرى وأبو موسى), وهي تطمع بالتوسع أيضاً تماماً كما كان صدام حسين يحلم بذلك ويعمل من أجله وخاض الحرب بسببه.
إن من مصلحة العراق أن تعمل الحكومة العراقية على إيقاف النشاط الإيراني الواسع والكثيف جداً في العراق, وهو نشاط معروف لكل الأحزاب الإسلامية السياسية وغير الإسلامية, إذ أن هذا النشاط يعيق المصالحة الوطنية المنشودة, ويزيد من تدخل الدول العربية في العراق بحجة الخشية من النفوذ الإيراني فيه.
وعلينا أن لا نثق حقاً بما يدعيه الإيرانيون أو السوريون بأنهم لا يتدخلون في شؤون العراق ولا يرسلون الإرهابيين والأموال والأسلحة إليه أو لا يستقبلون ويحتضنون الإرهابيين في بلدانهم. فمهمة الحكومة والقوات العراقية حماية الحدود بقوى عراقية سليمة غير فاسدة وغير طائفية لحمايتها من المتطرفين.
إن المعركة ضد الإرهاب وضد الطائفية وضد المليشيات المسلحة, سواء أكانت ذات انتماء شيعي أم سني, ينبغي أن تتشدد وأن توجه الحكومة عنايتها ضد القوى المنشطة والداعمة لها في إيران وسوريا وفي بعض دول الخليج, إذ بدون ذلك يصعب إيصال العراق إلى شاطئ الأمن والاستقرار والسلام.
18/01/2007 كاظم حبيب


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *