الرئيسية » الآداب » الشعرية الكوردية المعاصرة..قراءات المجال، اغواءات الحداثة

الشعرية الكوردية المعاصرة..قراءات المجال، اغواءات الحداثة

 

البحث في حداثة الخطاب الشعري الكوردي، يحمل معه ضرورات البحث عن فضاءات ثقافية عميقة تسهم في تكوين عناصر ومستويات هذه الحداثة، باعتبار ان الحداثة هي وعي الضرورات أولا، والسعي

الدائب لصناعة ممهدات باثة تمنح النص قوة الجسد في الحياة والتجدد واللذة… وهذا ما يجعل مقاربة النصوص الشعرية الجديدة في المنجز الشعري الكوردي تمثلاً لوعي اشكالي، يبدأ من التعرف اساسا على جوهر المكونات الشعرية للتاريخ الكوردي الحافل بروح الانسان وقوته واسحاره وطقوسه، وهو يؤنسن هذه القوة في إطارها كموقف مشروع للحرية والوجود….

المكان في الشعرية الكوردية هو البطل الاثير، والفضاء الاكثر تمثلا للحيوات الفاعلة والمعبرة، إذ هو يمثل الصيرورة العالية والحاضن الوجودي والمثيولوجي لفكرة القوة!! فهو باعثها وهو مثيرها وهو صورتها المرآوية التي تجسد المعنى والثيمة المخيالية لها عبر علامات هذه القوة وصورها وعبر تجسيداتها في الاساطير الشعبية، مثلما يمثل جوهر الروح التي تمد جذورها في الطبيعة باعتبار ان طبيعة كوردستان هي محيط وافكار ومشاعر، وهذا ماجعل أغلب الشعر الكوردي الكلاسيكي يجد تمظهراته عبر عوالم هذه الطبيعة ودلالاتها ومعانيها، بدءا من الاشعار القديمة للشعراء أحمد حمدي، صاحبقران، والحاج قادر كويي، والشاعر الرائد أحمدي خاني، ونالي، وزيور، وأحمد مختار جاف، وصولا الى التجارب المهمة لمولوي وبيره ميرد وفائق بيكه س وعبد الله كوران، وشعراء آخرين أمثال عثمان صبري ومحمد صالح ديلان وعلي شونم وعبد الرزاق بيمار وجمال شارباذيري وحسي قره داغي ولطيف هلمت، وعبد الله عباس وصلاح شوان وغيرهم …

لقد حفلت هذه التجارب المهمة بانحيازات واضحة للشعر الطبيعي، الذي يجد في الطبيعة خصائص وملاذات وقيماً وافكاراً، مثلما وجد في الشعر الاخلاقي نمطا جاذبا لربط الانسان بالقيم والجمال والحب والتصوف، وقد كان لتاثيرات الروح الشرقية وعوالمها الساحرة والاثر العرفاني في التصوف والحلول والوصف التأثر الكبير على وسم القصيدة الكوردية بتوشيحات ومعان ظلت شائعة معها الى حد بروز التجربة الثورية المهمة للشاعر عبد كوران الذي انطلق بروحه التحررية الى آفاق اكثر سعة وأكثر تعبيرا عن قوة الروح القومية، وتوصيفاتها التي امتزجت فيها الطبيعة الملحمية والصورية مع قوة الانسان:

نبع صاف أمام لألأة القمر

يهتز في قعرها اللؤلؤ والحصى والتراب

هو أجمل عندي من بحر دون ضفاف،

تأتي وتروح أمواجه في مربض الشمس…

إن ما يميز تجربة عبد الله كوران هو اندفاعاتها الحماسية ذو التجديد عبر تمثل قيم التحول الاجتماعي والسياسي والثقافي الحادثة في الشعر العالمي وفي حركة التحرر العالمية، فضلا عن التحولات الفنية والاسلوبية في الثقافات المجاورة. ولاشك فان كوران عندما يتحدث (عن موضوع التجديد في الشعر الكوردي ـ فهو يتحدث عن عن تأثير شعراء، الفجر الاتي، الترك على الشعراء الكورد، وخاصة على كوران نفسه وعلى نوري الشيخ صالح ،1896ـ 1958 نتيجة ظروف تركيا الذاتية وتعالي الاصوات التحررية انعكاسا للثورة الفرنسية والتيار الرومانتيكي الشعري في اوربا بالتوجه الى الافكار الحديثة دفعهم للعودة من حيث الشكل الى اوزان الشعر الفولكلوري التركي، والبحث عن المفردات التركية الاصيلة، لتحل محل المفردات العربية التي كثرت وطالت اعادتها)1

إن التحولات الشعرية الحادثة بعد تجارب الرواد وتجاوزها للثيمات التقليدية التي حفلت بها قصائد الطبيعة، انطلقت من عمق ما تركته الروح الكوردستانية من آثار طاعنة في المكان واللغة والاساطير الشعبية، فاذا كان عبدالله كوران قد مهد لشيوع قصائد الرومانس التي تتغنى بالطبيعة والانسان وقوته الداخلية التي تنشد الحرية والسلام والحب، فان شيركو بيكه س، قد استعاد قوة الطبيعة ليجعلها فضاءه الواسع في اعادة تشكيل رؤاه وفق تحويلات رمزية وملحمية اكثر ادهاشا، تمثلت في ايجاد مقابلات تتراكب فيها الحواضن الاسطورية مع اللحظات الواقعة الموغلة في تلويانت الطبيعة… ان شيركو بيكه س شاعر استعادات بامتياز، يستعيد روح المكان وقوته، يؤطره ببنيات تصويرية لها مذاقها اللوني الفاقع:

من السماء تنزل ثلوج خضراء

كما نرى

والرياح بالوان زرقاء أرجوانية.

وهذا ما يجعل الدالة اللونية حاملا لمعان متعددة، وناقلا لايقاعات نفسية وشعورية ورموز تستعير من الطبيعة الكوردستنانية شراهتها في الحياة، لكنه بالمقابل، يجعل هذا النظام الدلالي يقوم على جوهر استعادي، تتحول فيه الصورة الى بنية مفتوحة وباعثة لمعان اكثر توهجا، فاذا كانت الطبيعة الكوردستانية كما هي صورها المعروفة، فانها تكتسب في شعرية شيركو بيكه س، بعدا تصويريا وبعدا دراميا ينطلق من ربط هذه الطبيعة بالانسان وجعلها صورته المتحركة، فالانشاد نحو الحرية هو انشداد انساني، وتمرد الطبيعة هو تمرد انساني وسواد الطبيعة هو سواد الحالة الانسانية بمواجهة عوامل القهر والانسحاق.. وفي قصائده الجبلية تبدو هذه الملامح والتراكيب البنائية ـ الصورية واضحة العيان، لانها تنطلق من وعي الشاعر لتجريبه وتأثره باغلب التطورات الشعرية العالمية والاقليمية:

الليل ابيض،والثلوج تشعل

رؤوس الاطفال شيبا

كرأس جدي

حارتنا بيضاء.. كل الاشياء بيضاء

لكن ثوب امي

آه … هو الوحيد اسود

ان هذا التلوين المتضاد عند شيركو بيكه س يكشف عن وعي مفارق يدرك قوته عبر اعادة انتاج (تركيب) النص الطبيعي وضخه بروح جديدة، تجعل من هذا النص بنية مكثفة، لكنها مفتوحة، تتراكب فيها الرموز والدلالات، الواقع يفقد مباشرته رغم حضوره, اذ هو يتحول الى واقع رؤيوي، كما في مطولته الشعرية “انشودتان جبليتان”، والتي يقول عنها صباح الانباري بانه (يشتغل أدائيا على ملحمية الشخصية الرئيسية… على تأثيرها العام وجدانياً، وعلى تأثيرها الخاص شعريا، وعلى قوة تحويلها او أسطرتها كرمز بشري وانساني عام .. المدهش في مطولات شيركو بيكس انه وبالقوة نفسها يؤسطر المكان ـ الجبل، ويحوله الى كائن يتساوى مع الشخصية الرئيسية في القوة والتأثير)2

ان شيركو بيكه س في هذا السياق وهذا التجاوز يعد نقلة زمنية وشعرية بين مرحلتين شعريتين مهمتين في الشعرية الكوردية، ويمثل ذروة تحولات هذه الشعرية باتجاه اعطاء الخصائص الفنية والبنائية ميزات تؤنسن فعلها الطبيعة وتمنحها جرعات عالية من التجريد الفني (فعل الالون والموجودات والاشكال)، أي ان القصيدة تتمثل لبناء اكثر توافرا على الاستعارات والدلالات والانتقالات التي تجعل فعل الطبيعة متحركا وحيا وقابلا للحلول على شكل طقوس او موجودات او علامات، والذي وجد في قصيدته المثيرة (الكرسي) التي قرأتها بترجمة الناقد شاهو سعيد ، والتي حافظ فيها على شكل الكتابة الاشكالية التي تثير اسئلتها الوجودية والفلسفية، لانها تنطلق من محور تفكيك العلاقات التقليدية في النص الطبيعي مقابل اصطناع نص لغوي آخر، لكنه اكثر تجريدا واكثر سيولة واكثر تعبير عن قوة الانسان وروحه وتاريخه اذ (يماثل الشاعر هنا بين فكرة الكرسي، وماهيته الاستطيقية، كما يولدها الانسان الفنان في ذهنه.. وبين الكرسي كشيء جامد، يشغل مكانا او فراغا في الطبيعة، ويماثل في الوقت ذاته بين جمال الطبيعة كما هي دون ان يمسها الانسان، والجمال الفني كما يخلقه الانسان ـ الفنان، محاكيا عالم الجمال المثالي الخاص به)3

اعتقد ان هذا النص ـ القصيدة، وضعنا امام مجموعة من الاسئلة الفلسفية التي تؤكد جوهر التحول في وعي الشاعر وحلوله في عالم قابل للتحول بدهشة، مثلما تؤكد استعادة الشاعر للطبيعة واقصد طبيعته الخالصة التي يصطنع لها اطر ثانوية، يمارس فيها تشكيل عوالمه وانبهارته ولذاته وشراهة مخياله الباحث عن اشباعات متوهجة…

اننا امام شعرية شيركو بيكه س ندرك حقيقة التحول العميق في ارهاصات الشعرية الكوردية الجديدة التي سنجد لها مجالا قرائية للكشف عن حقيقة المشروع التحديثي في هذه الشعرية التي وجدت لها استغراقات جمالية، اتسعت في ضوئها حرفنة الاتجاهات الفنية الجديدة، وخصوصية تجريتها المعبرة عن روح الثقافة الكوردية الحية في المكان الاشكالي الخاضع منذ آلاف السنين لمهيمنات وقوى ضاغطة، جعلت من خصوصيات الشعرية ذائبة او مختلطة مع (شعريات) ما يسمى بالكتابة المشرقية..

إن ابرز ما يميز الاجيال الجديدة انها تكتب القصيدة المتحررة من رهابيات المكان، اذ هي الآن تستعيده كفكرة ورؤيا ونسق جمالي، مثلما تكون القصيدة هي المجال الحيوي للتجريب في اطار الثقافة الكوردية، فضلاً عن ان هذه القصيدة قد تخلصت من طابعها الملحمي المعقد، طابع الكتابة التعويضية الى نمط الكتاب السهلة، او ما يمكن تسميته بالنص المفتوح الذي يضع نفسه امام مجالات متعددة من التلاقحات والتلاوين التي تذهب بالشعرية بعيدا…

يكتب الشاعر جوهر كرمانج قصيدته “الملتقى السرابي” تحت ايقاع نزعة توهمية تأخذه بعيدا الى تقابلات متضادة، وهذه التقابلات تكشف عن مزاج شعري يميل الى اللعب والاغواء والسحر.. الشاعر يضع قصيدته تحت هذا النزوع وكأنه يستعيد من خلالها نزعة مضادة لخلاصه الشخصي:

في تلك الامسية الملعونة

كمجنون والى الابد

وضعت قلبي على كفيك

وانت مثل شيخ، وللحظة

جعلت رأسك

ملاذا لقلبي

لا أتذكر، لاأعلم

كيف ان..

منذ اللحظة تلك

صارت يدي اليسرى

عدوة لدودة لليمنى.

ان الكتابة في الشعرية الشخصانية، هو مايميز الكثير من الكتابات الشعرية الجديدة، وصولا احيان الى اجتراح طقوس تسخر من الملاحم القديمة وتضع مشغلها الشعري امام اصطناع او لهذه الملاحم، أي الشاعر يضعه نصه المرآوي/الشخصاني امام لعبة كثيفة من السيولة اللغوية والصورية، وكأنه يحمّل هذه الكتابة نزعته الشخصية في المراودة والتنصت، وتحريك مكوناتها بنوع الالتباس، وهذا ما يجسده الشاعر دلشاد عبد الله في قصيدته (الشطرنج)، اذ تتحول رقعة الشطرنج الى نسيج لحياة ضاجة تبدأ بنزعة شكوكية نافية للثبات في اللون والمكان، وهذه النزعة تؤشر وعي الشاعر، في انه خاضع للعبث والتغاير رغم ان يموت تلقائيا مثل الجندي والفيل والملك!!!

لاتنخدع بالمربعات البيضاء

لا أحد يبقى في الابيض الى الابد

ولا احد ينحسر الى الابد في المربعات القطرانية،

الليل يمضي، النهار يأتي بعده

وكذلك الفصول

احد يقفز داخل البقع البيضاء والسوداء

على جثة العسكر والوزير

على مربعات ممتلئة وخيالية…

ومما لاشك فيه ان الكثير من قصائد الشعرية الكوردية وجدت نفسها امام فضاء من الثقافات الحاشدة بالرموز والمخيالات والاساطير، وان الشاعر الكوردي لم يعد اسير طبيعته الساحرة والمغلقة،اذ هو نحى باتجاه سعة استعارية وتوظيفية، جعل من مزاجه الرومانسي وشفيف روحه القديم يصطنع له استخدامات توظف الاسطورة التراجيدية لصالح نوع من التراجيديا الشخصية..

عندما حمل سيزيف

الصخرة على كاهله

لو كان يذرف مع كل خطوة

دمعة واحدة

لكانت الان تتفتح على كل صخرة وردة!

عالم على مدى مترين

وعرض متر

وسماء اخرى زرقاء باهتة

وانا ممدد فيها بقدر قامتي

اتحول الى هيدرا

وانتظر هرقلَ كي ينحرني..

ان الشاعر الكوردي يحاول ان يؤسس لغته ومشروعه وان يتلمس اساطيره، ليجس سكونها القديم، وزمنها العالق برغبة الانسان في بحثه القديم عن الخلود، الشاعر في هذه الكتابة يضع نفسه امام تفكيك قصدي للذاكرة، تفكيك الطبيعة عبر استعادتها وتمثلها، وتفكيك الزمن عبر اعادة انتاج الاساطير والحكايات بنوع من التلبس الشخصي، وتفكيك اللغة عبر اصطناع وظائفية مفتوحة للجملة والصورة، تجعل من الشاعر بمثابة صانع استثنائي للغة والذاكرة.. وازاء هذا، يبدو الشاعر طاردا لفكرة المكان القصدي المنسوج من الطبيعة والماثل قديما في اغلب الكتابات التي جعلت من هذا المكان هو البطل لصيانته اولاً، والاحتفاظ به حيا وطازجاً، كونه الذاكرة الحافظة، وكونه الحصن الحامي من الغياب، والشاعر هنا يمارس لعبة موغلة في ايهاميتها للبحث عن جوهر القوة والخصب، فضلا عن البحث عن حيوات ثانوية نامية، واحيانا مهمشة لها ادوار صياغية وتعويضية فاعلة في دعم فكرة الجوهر / المتن /الاصل..

الشاعر يبدو تعويضيا وصناعيا !! لانه يمارس دور الباحث والرائي، وان تعاليه عن المكان القديم جعله يترك الطبيعة البكر ليتفرغ الى ذاته الفاعلة والمنتجة والمتأملة والعاشقة!! وجعلته يترك القوة القهرية ليبحث عن قوته الشخصية في الحب واللذة والتناسل والحلول في ذات المحبوب، وهذا ما فعلته الشاعرة كذال احمد في قصيدتها (فقط ولمرة واحدة تسمح لي)، اذ هي تندفع باتجاه الاخر المعشوق، تفلسف علاقتها به، تمنحها ايقاعات نفسية، تكشف عن اغواء حاشد بالرغبات والتفاصايل… في هذه القصيدة الذاتية ثمة اصطناع لطبيعة اخرى هي طبيعة الجسد الذي تتكشف انواؤه وتوهجاته، الشاعرة/ الانثى تمسك شفرة النص /الجسد/ الطبيعة، تمنحها كيمياء اللذة والدهشة، حتى تبدو وكأنها اضحت (مولدة) لتواليات من الرغبات والتماهيات التي تتحول الشاعرة الى (شعرستان) وهذا التوليد هو انعكاس لتصاعد فعل الرغبة او اعادة تمثل الطبيعة في كونها جسدا او نصا!!

واحسرتاه..

ولمرة واحدة تسمح لي

بأن اضحي بعذريتي

والا كنت يوميا

ولمئة مرة

اغدو زوجة للقصيدة

وبعدها ارجع عذراء

فتاة احلامك

واحسرتاه

حتى لمرة واحدة

ليست من حق حمامة يدي

ان تهبط في عش يديك

والاّ كنت اقطع المسافة التي بيننا

بترانيم عدة

على جميع اصابعك

ينسكب الربيع في حضنك

والخريف من عينيك…

ان الشاعرة كذال احمد في قصيدتها وفي قصائد اخرى تحمل هذا الهاجس بنوع من التوثب الذي يجعل اندفاعها صاخبا شهوانيا مفتوحا على قوة الجسد / الطبيعة وليس الجسد/ الخطيئة، واعتقد ان هذه الثنائية هي جوهر اشتغالها الشعري الذي يتجاوز اشكالية الكتابة المرآوية المأزومة بانوية الانثى الى اتساع الكتابة المكشوفة والمتعالية والصانعة لشرطها الوجودي في فعل الارادة وفعل الحرية..

وفي قصائد الشاعر ئاوات حسن امين، تتحول دالة الطبيعة (الاشجار- الماء- وردة البيبون ـ الحمام) الى مجالات توصيفية لقوة الاثر لفعل الذات وتأثيرها في اصطناع طبيعة متمردة ثورية صاخبة، ربما هي طبيعة الشاعر في نوبة انتماء وفي نوبة حوار.. اذ يجد الشاعر نفسه فاعلا ، حاضرا، عاشقا لايهرب من موعد اللقاء، واعتقد ان طبيعة الشاعر المصنوعة هنا تمثل شكلا من اشكال الرؤيا الفاعلة التي تجعله بمواجهة اسئلته القديمة، فضلا عن ان هذه الرؤيا تمنح الشاعر القدرة على الخروج من محابس الطبيعة القديمة المؤطرة بالوصف اولا، والمحكية عبر ملاحم واساطير لاشأن لها سوى الانتصار للمقدس!!!

في قصيدة (سفر مع وردة البيبيون) يواصل الشاعر ئاوات حسن امين لعبته في صنع رؤياه الخالصة، تلك التي يبصر فيها عوالمه الخارجية وهي تفقد خلاصها المثيولوجي باتجاه البحث عن خلاصات انسانية، يبتكر الشاعر لها مجالات وافكار وقوة سرية تملك مجساتها في تلمس ما هو خفي..

الشاعر يتحسس من الخارج لانه يعني الاخرين الذي يقول عنهم الوجوديون بان الاخرين هم الجحيم دائما، لذا هم من وجهة نظر الشاعر (مهووسون في مخيالاتهم الثملة ) حيث (يبتغون احراق الاشجار المثمرة كي تحضر في مكانها الحرباء)

والقصيدة هنا تقابل قوة الشاعر في الافصاح عن رؤياه الشاملة التي يلتقي فيها الشاعر مع وطنه وانثاه وورقته التي تمنحه بياضها، تلك التي تحمله ايضا على الحب والمنح والاحتواء، انه يتمثل اغواءها بنوع من الاندفاع بحثا عن بياضه الخالص الذي يتوهج ويتسع كلما اتسعت الرؤيا وكلما اتسعت لعبة المن ..

احب الورقة

لانها تمنحني بياضها

لكي اسكب عليها احزاني.

احب الوردة تلك

لانها وبدون خجل

منحتني عطرها

وانا بكل وقار قمت بتقبيلها

احسدك يا وطني

كم سموح انت

وانت بتعقل

تمنح قدرة الطيران للفراشة

حتى في لحظات الجحيم….

وفي قصيدة (الهبوط بجناحي التمنيات) نجد فعل الرؤيا اكثر استشرافا لكينونة الزمن، فهو يفقده شراهته وذاكرته ويمنحه ضياعا فلسفيا حين يصير اغترابا، لااعرف لماذا تذكرت عبارة بيتر اوتول في فيلم (حرب مارفي) حين انتهت الحرب العالمية الثانية وهو يقول لقد انتهت حربهم ولم تنته حربي!!

ان امنيات الشاعر التساؤلية (اين تذهب؟) بعد ان انتهت حربهم!!!! انها تعني شيخوخة الشاعر وشيخوخة الحرب، اذ تبدو الحرب مقابل للطبيعة، فهي صانعة الموت وصانعة الاسلحة وصانعة (اصوات الاذاعات) والطبيعة تعني ايضا شيخوخة الشاعر الذي افقدته الحرب شراهة موائدها وفوضاها وتركته وحيداً، لايملك الاّ ان يستعيد فروسيته وطبيعته المتوحشة!!

ان جرأة الشاعر في قراءة خطاب الحرب يمنحنا احساسا بان الشعرية الكوردية قد تجاوزت تماما الذاكرة الدامية للحرب!! وانها تكتب نص الحياة!!تصنع طبيعة مضادة، وتصنع اغترابا هو اغتراب الانسان الفلسفي في زمن الاشكالي وليس في زمن الطبيعي المأزوم بصراعي الحرت والوجود..

اين تذهب؟

يبدو ان الحرب قد شاخت

وطالت قامة الشجر

وخلت الشوارع من المسلحين

والعشاق هادئون

وسكتت اصوات الاذاعات

الموحشة

بعد الان

لن تسرق احذية القتلى

ابصر

ان الشبابيك ليست مفتوحة

وارى الارامل

يخدشن اجسامهن المبتلة

بقامة المرايا…

ان انعاطفة الشعرية الكوردية وتحولها باتجاه الكتابة الثانية للطبيعة يعكس قدرة هذه الشعرية على النماء والتواصل وامتلاك قوة الفعل الذي يجعلها جزءا حيا في البنيات اللغوية التي تخلصت من تناصاتها القديمة داخل المقدس والاطار الصوفي والحلولي والعرفاني وحتى داخل اطر المهيمنات التقليدية للكتابة الاولى للطبيعة، فضلا عن الهوس التقليدي بكتابة الملاحم الرومانسية باعتبارها كتابة حافظة للنوع والمكان، ومعبرة عن ترهجات الروح الكردية المحبوسة في المكان /السلطة/التقاليد، والمكان الطبيعة…. والمتوهجة في صناعة النشيد باعتباره كتابة في النداء وفي استحضار المكان النفسي والشعوري والايروسي وفي استحضار المحبوب ذاته..

وفي قصائد الشاعرة كذال ابراهيم خدر يتصاعد هذا الاستحضار الى أوجه، اذ هي تجعل لغتها اشبه بلعبة في الكيمياء!! تتبادل الاشياء شهواتها في صناعة الخلق واللذة الحضور، وتستمرىء غوايتها في الافصاح عن خطاب البوح باعتباره خطابا في التجاوز، فالانثى هنا تنحاز الى طبيعتها الخالصة، تكشف عن لغة تتجاوز الكتابة المرآوية والسحرية الى كتابة استحضار، تتجسد في بنية تصورية تؤسس علاماتها على اساس فعل الحضور العياني:

عندما تعرفت عليك

انني قبل ان اعرفك ابصرتك

عندما عرفتك

في اول لقاء

منذ اليوم الاول الذي تعرفت على يديك

منذ اللقاء الاول معك

كل هذه الاستهلالات التي تصدرت مقاطع قصيدتها (شذرات العشق) تحمل هذا الارهاص الذي يتكشف عن توهجات الانثى التي تفصح عن عشقها وحريتها وتمردها ورغبتها في ان تنبعث في نوبة حبها واعترافها، لانها تدرك ام فعل اختيار الحرية هو الاكثر تعبيرا عن كينوتها كانثى خرجت من معطف الطبيعة القديم والشاحب الى فضاء اكثر شراهة ..

عندما عرفتك

كنت تلا واصبحت جبلا

كنت عينا واصبح بحرا

كنت ليلة دامغة الظلام

اصبحت غسق الصباح

كنت طائرا في القفص

رجعت الى اغصان الاشجار

لاغرد بجمال الاغاني…

ان اختيار هذه القصائد للحديث عن ملامح التحولات التجديدية في الشعرية الكوردية لايعني حصرها في اطار محدد ولتجارب ومغامرات بعينها، فالمشهد الشعري الكوردي محتشد بقوة بكل تجليات المغامرة الشعرية التي اطلق اوراها الرواد المجددون، وحملتها اجيال انفتحت مواسم شعريتها الدافقة مع فضاءات الحرية التي منحت هذه الشعرية خيمائها المقدس في تلوين الطبيعة القديمة بعطايا الروح المباركة واخراجها من كمون المعنى الى فصاحة التعبير ومن لغة الوصف الجامدة الى حيوية التشكيل الذي اعطاها سيولة في ان تكون طبيعة خرج لعبة الوصف وداخلة في صيرورة التحول…

1ـ د. عز الدين مصطفى رسول، حول الشعر الكوردي الحديث، مجلة كلاويش ..الملحق الادبي العدد 1 آب 2000

2 ـ صباح الانباري، كوردستانية الشعر في مطولات شيركو بيكس، سردم العربي العدد 10 خريف 2005

3 ـ شاهو سعيد، قصة الكراسي المتماهي مع الانسان، قراءة في نص الكرسي، سردم العربي 12 ربيع 2006

موقع : الحجلنامة

تعليق واحد

  1. اريد الاشعار باللغة الكردية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *