الرئيسية » الآداب » الخروج من الخوف – قصة قصيرة

الخروج من الخوف – قصة قصيرة

حسبوا الحرث بمزارع الروح في ذلك النهار نزهة على الشاطئ بعدما شربوا نخب كأس تلك الهزيمة القاتلة لكل التصورات الوهمية. فرغوا طلقات الرحمة بثنايا جروج رؤوسهم الغائرة. صاح أحدهم فرداً من العابرين وهو مثخن أيضاً بجراح الضمير.
ـ من منكم عبر تلك الحدود وأستطاع أن يحتفظ بشيء من الحنين ؟
سكت فجأة بعدما خرقت طلقة مدوّية من برج الحراسة ناصيته الشامخة تلك الناصية الصّلدة التي يا ما فزّعت الجبناء رغم أنف صواريخهم الباليستية وحراسهم الجرارة. رفع أحدهم بكل دهاء ومكر راية السّلام من أجل ألتقاط الأنفاس، وعبور المحنة طالما نيّاتهم تتجه للهدنة المزيّفة، أليس بين النّصر وبينً وهم الإنتصار ثمة خطوات تشبه في بعض حالاتها جنوح نحوالإنتحار أو الكارثة ، إرباك وفوضى ولا أحٌد ُكان بين الجموع يصّدق بمضمون البرقية، وبعدإاسترداد الوعي إثر سقوط آخر قذيفة الحرب ببوابة إحدى المواضع الدفاعية الصامتة :وأمتصاص الغبار المتصاعد شيئاً من هول تلك السقوط المروّع .
رن الجرس دقاته للوداع الأخير ، وفي الساحة العريضة تحديداً قُبالة مشرحة مستشفى المدينة ثمة أفواه تنادي صمم الآذان بعدما فقدوا السّمع ولذة الإصغاء من دون أن يكون لأحدهم حق الإعتراض على خطاب الطاغية كما يطلق عليه أهالي القرية، سوى ترديدهم للشعارات الجاهزة من بعد تهديده لهم بتحويلهم الى خدم في مزارع حيواناته المتوحشة.وقفوا مليّا صامتين بعدما تيقنوا من تقرير مدير مشّرحة المستشفى بأن الإصابات التي وقعت للكل كانت من الأمام وليس من الخلف وهم وقعوا ضحية التقارير النّارية المرفوعة ضده ،بالرغم من تلك التقارير التي وصلت لمختار الحيّ العسكري بأنها تثبت عكس ذلك الإدعاء.
ثلة من سكارى ذلك الحي ظلوا في مكانهم وهم يعربدون بنصف وعي تعساً للحرب، عاشت الحانات ومزيداً من السُكر والعربدة، وتوجه أكبرهم سناً نحو شجرة ظليلة وعلى بعد منها جدارية كبيرة هدية مختار الحي أفرغ مثانته وتفرع بوله الى عدة اتجاه وكأن آخر قطرات بوله سقط على بدلة صاحب الجدارية فليسقط الجدار ، وومصاريف الحرب والغلاء.، وبين تلك الجلبة والضوصوضاء كان أخفهّم وأصغرهم يذرع الشارع الخالي من المارة بحثاً عن دليل يرشده لإتجاه بيته المنسي،فغم هذيانه المستمر بكلمات كانت أشبه بوصية من يحتضر ، في تلك اللحظة أنتابه شعور غريب، وخزته فجأة جناية حرقه للعصافير ل أيام عبث طفولته القلقة .
وأستمر في الهذيان خوفاً من الدوريات النائمة خوفاً من ألتقاط الأنفاس وقالّ :في كل لحظة حرجة من أعمارنا القصيرة نشعر دائماً بأن جزءاً ثميناً من أركان بيتنا القديم سيرحل قريباً فلا يبقى لنا سوى هذا السيف المُغمّد حتى يتخبط في النهاية بدم الغرور، ونحن أكثر من نصف قرن لا ندري ماذا نفعل بهذه العقول المقفرة والتي مازالت تخدّرنا بحكايات المجهول وتصنع منّا الكسل ، ويروّضنا على الأكتفاء بالسكون ويموّت في قلوبنا الجرأة والعزيمة .
مّر كل هذا الوقت وكأن شيئاً لم يكن، وكأن لم تزلزل الأرض قرب القصور قبل أعوام ولم تهدّ الجبال على الأوغاد، ا أسرعت المسكينة خطاها كي تعافق وتشم رُفاة إبنها المفقود بعد اكتشاف أوراق الحروب الخاسرة من أجل تثبيت الكراسي، الشهامة في وجدانها وقتئذ لاتُقدر بالمباهج الزائلة ، وكانت كقامة الشمس ، وكرايات شهداء درب الكرامة . أنتظرت بعد أحصاء المقابر الجماعية وعودة العصافير المهاجر عند الغروب الى أعشاشها الدافئة ، غسلت عينها أرقاً وهي تتراى لها أشباح فلذات كبدها كطقع غيوم بيضاء تتمايل وتتحول الى هيئة حمائم وطيور بيضاء تصفق الجناح نحو قمة شجرة البيت، أنها تأملات أم لدغتها المصيبة في سويداء فرحها قبل أعوام. عندما جلجل صوت أذان الفجر من منائر المساجد القريبة، شعرت بهبوب نسمة الأمل تداعب حجب يأسها و اذا هي بعد لم تنته من خيوط حلمها الشائكة ، وبقيت الحياة عندها أشبه بشريط طويل من ذكريات الأحبة الذين غادرواالبيت وتركوا الحيّ خالياً الضجيج الاّ من الصّمت والرّهبة، وبين فترة وأخرى أصوات أحذية بعض الحراس الليليين الذين لا يمّلون من المراوحة والسّير بين الأزقة الموغلة في الإهمال والفاقة. نهضتْ وهي بين همومها كي تؤديَ فريضة الُصّبح وإذا بأشعة شمس نهار جديد باغتها وهي بعد لم تقطع در جات سلم السّطح،زقزقت مجموعة من العصافير معلنة قدوم غائب طال سفره وأنقطغ خبره عن البيت منذ أعوام. 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *