الرئيسية » مقالات » ضياع العراق في دائرة الواقع العربي الراهن 1/3

ضياع العراق في دائرة الواقع العربي الراهن 1/3


قال عبد الرحمن بن خلدون في كتابه “مقدمة ابن خلدون”: “ما دخل العرب بيتا إلاّ خربوه”. ولكن ليس كل ما قاله ابن خلدون كان صائبا، لأن العرب بنوا بيوتا كثيرة وعمّروها، ولستُ مقتنعا من أن العرب متخلفون، فقد كانوا دعاة حضارة، وكان العالم العربي والإسلامي قلب المدنية والتقدم. وهنا أتساءل: ماذا كان يعني إبن خلدون من مقولته المأثورة أعلاه؟ هل كان يعني كما كان يقول المستشرق الألماني، تخونني الذاكرة أن أتذكر إسمه، من أنه “لا أهمية في قراءة التاريخ”. في حين أن التاريخ علم المستقبل، يُعَلم الإنسان تجارب الماضي، ليربط الماضي بالحاضر، فيستفيد الإنسان من تجارب الفشل، ويخطط في حاضره، ويتَسلح بالعلم والمعرفة، لبناء المستقبل. وهنا يبدو لنا أن للتاريخ أهمية بالمعنى الكبير للكلمة.

تاريخ العراق تاريخ المآسي والأحزان والأشجان والآلام منذ حرب الفئة الباغية التي قادها معاوية بن أبي سفيان على الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في معركتي الجمل وصفين. وأقول الفئة الباغية طبقا لحديث نبوي شريف من أن الفئة الباغية ستقتل الصحابي الجليل “عمار بن ياسر” الذي انضم إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في دفاعه عن حقه المشروع في ولاية خلافة المسلمين، فاستُشهد الصحابي على يد الفئة التي أصبحت باغية، كما استُشهد الإمام علي عليه السلام على يد أحد غلاة الخوارج. والعراق الجريح منذ ذلك اليوم يئن ويبكي ما تبعته من مأساة سيدنا الحسين عليه السلام في “كَرٍ وبَلاء” التي سميت فيمابعد بأسم مدينة “كربلاء”. وتوالت الأحداث الأليمة على العراق العظيم، وكثرت الضحايا، وجاء الحجاج بن يوسف الثقفي والي الخليفة عبد الملك بن مروان على العراق ليخطب في أهله “إني أرى رؤوسا قد أينعت، وقد حان قطافها، وإني لفاعلها” أو كما قال. فقطع الرؤوس، وسالت الدماء، وبكت الأرامل، وبحث الأطفال عن أهلهم، وضاعت الحسناوات، وتشردت النساء، وماتت الأطفال الرضع من الظلم والجوع، وتصاعدت آهات دجلة والفرات إلى السماء، وبكت أهوار الجنوب، وأدمعت شط العرب من القلب، وتعالت الصلوات والدعاء لكي تأتي العرب من الجزيرة لنجدة الفقراء والمساكين، ودام السبات الطويل ولم تصلهم إلاّ أصوات الشخير في نومهم العميق.

يردد العراقي اليوم مقولة الفيلسوف البريطاني الراحل بيرانتراند راسل في سيرته الذاتية: “لقد تصورتُُ حتى ذلك الوقت (يعني الحرب العالمية الأولى) أنه من الشائع أن يحب الآباء أولادهم إلاّ أن الحرب أقنعتني أن هذا الحب هو استثناء نادر. لقد حسبتُ أن الناس يحبون المال أكثر من أي شئ آخر غير أني اكتشفت أن حبهم للدمار يفوق هذا الحب. حسبتُ أن المثقفين كثيراً ما يحبون الحقيقة إلا أني وجدت هنا وللمرة الثالثة أن أقل من عشرة في المائة منهم يؤثرون الحقيقة على الشهرة”.

يا أهل العراق سيروا حيث أنتم فالعرب لايسمعوا نداءكم، والعرب تفرقوا منذ أن فرقهم الخوارج بقتلهم لسيد الشهداء علي عليه السلام. سيروا حيث أنتم فقد فرقهم الله منذ أن قتلوا سيدنا الحسين عليه السلام!!! سيروا حيث أنتم فقد فرقوا أنفسهم أكثر وأكثر منذ أن دخل المغول والتتر عاصمة الخلافة العباسية، قبلة العلم والمعرفة، يوم كان العالم في ظلام دامس وجهل قاتل.

العرب بنوا حضارة عظيمة على أيدي العراقيين في العصر العباسي، وازدهرت هذه الحضارة وأشرقت شمسها على العباد في بغداد، وجامعة المستنصرية قبلة الباحثين عن العلم. لكن تاريخ العرب منذ سقوط عاصمة حضارة الأمبراطورية العباسية بغداد على أيدي المغول والتتر عام 1258 ولحد اليوم هو تاريخ الفشل، ولعل الذين عبثوا بالحضارة العربية من مغول وتتر ومماليك وأتراك حملوا تلك الحضارة إلى الوراء، ولذلك تطلق الأمة العربية على ذلك العصر بعصر الانحطاط.

من خلال سَردنا لتلك المتعارضات والمتناقضات نفهم أن قراءة العرب للتاريخ أصبحت هواية، وهي قراءة اللاوعي بالتاريخ، لأنها قراءة لا فائدة منها، سوى أن الفراغ يقود إلى تلك القراءة، لأن العرب لم يفهوا التاريخ ليستفيدوا من هزائمهم المتتالية.


2


لا أخفي إعجابي الشخصي بكرم العرب وعاداتهم وتقاليدهم، وأعترف أن أَحَب التاريخ إليَّ هو تاريخ كرم العرب. فكرم القبائل العربية تعبر عن المحبة والإصالة الاجتماعية والعظمة الإنسانية في الشهامة والحماسة والفروسية، ورفض الخضوع والاستسلام. ولكن نتساءل أين ذلك التاريخ الناصع اليوم؟
نجد كل بلد عربي له سيادة، لكن العرب في أوطانهم فرَّطوا بسيادتهم، والقواعد الأجنبية تحميهم من غضب وعدوان بعضهم البعض، والخوف يمزق جدران تسامحهم مع بني جلدتهم، ومع الآخرين، ويأخذهم إلى الخضوع لأعدائهم، فهم الوحيدون في العالم يدفعوا مصروفات إحتلال الأجنبي لعقولهم وأراضيهم.
المدارس الدينية المتصارعة أصبحت أساس تفكيرهم، لأنها تحولت إلى مدارس سياسية تحت مظلة الدين، فبدلا من أن تكون المدارس الدينية روحانية وفكرية وعلمية، من أجل بلورة العقل وعبادة الإنسان لله الواحد الديان، أصبحت مع الأسف مدارس فتاوى تنتج ميليشياتٌ للصراع فيما بينها. والقيادات العربية تملك المال والسلاح لقمع هذه المدارس التي تردد دائما الآية القرآنية الكريمة ((ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)) (المائدة 45). و “أولئك هم الفاسقون”، و “أولئك هم المنافقون”. حتى أصبح كل واحد يفسر الأيات ظاهريا، وكأن الجهاد جاء لمحاربة المسلمين للمسلمين في دار الإسلام.

 

 3

 

ما يهمنا في هذه المقالة هي الحقيقة التي عبر عنها عبد الرحمن بن خلدون في مقولته “إتفق العرب على أن لا يتفقوا”.
موقف العرب المتفرقين من الأزمات التي تحكم العقل العربي، ولاسيما موقفهم من العراق وأهل العراق من عرب وكورد وأقليات عرقية ودينية. نعم لهم موقف تخجل منها الأرواح، وتضطرب القلوب، وتصيب النفوس باليأس. فالعقل العربي اليوم لايفهم حق العراق في الوحدة والحرية والسلام، والعرب يتركون أهلهم بين نيران الأرهاب والحرب الطائفية، وهم يتفرجون على الجيوش الأجنبية وهي تدخل العراق، وهم بعيدون عن البركة الدموية التي يسبح فيها العراقيون. لقد فشلت العرب أن تجد حلا واحدا لمشكلة أثنية، أومسألة طائفية أو صراع ديني أو قومي.
مرة يتهم العرب العراق بالطائفية، ومرة أخرى بالمذهبية، ومرة ثالثة بالتكفير والتنديد والوعيد. ومرة تلو مرة يتهمون الكرد بالعصاة والمخربين لأنهم يطالبون بحقوقهم، ومرة، وما أكثر المرات يتهمون الأقليات العرقية والدينية بالمنشقين والمشاغبين لأنهم يريدون أن يكونوا مواطنين من الدرجة الأولى كإخوانهم العرب المسلمين. وفي طول العالم العربي وعرضه المليء بالخيرات قَتْلٌ وبُؤس ومرض وتشرد وشقاء.

في الجزائر نزاع مسلح بين الإسلاميين والنظام الحاكم، وما أن يهدأ الوضع حتى يبدأ يتعمق الصراع المغربي الجزائري حول حق الأمازيغ في الحرية والسلام. ففي المغرب قتال بين البوليساريو وحاشية الملك، وعداء وحرب على شعب صحراء بوليساريو لأنه يريد أن يعيش في وطنه بأمان.

وفي تونس يمنع النظام العلماني الأمهات بإرتداء الحجاب لأنه أصبح في منظور الزعماء علامة الإرهاب.
وفي مصر خلافات وعداء وتكفير بين الإخوان المسلمين والمباحث والأقباط .
وفي سوريا سَحْبْ الجنسية من الكرد في كردستان سورية يوما ومنحهم الجنسية يوما آخر، وسياسة الحزام الأخضر (الحزام العربي) على أشدها لأن الكرد هناك مهاجرون على حد قول النظام البعثي. والطائرات بالأمس كانت تقصف مواقع الإخوان المسلمين في حمص وحماه لأنهم تمردوا على السلطان الأسدي، مثلما تمرد الفلسطينيون على السوريين في لبنان، فقُتل منهم الآلاف في تل الزعتر سنين الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990.

وفي لبنان حرب أهلية دامت خمسة عشر عاما، حيث تعاوَنَ ميشيل عون وأعوانه مع القوات الإسرائيلية ضد بني قومه، بينما كوَّن العرب الآخرون ميليشيات مسلحة لدعم الفلسطينيين. واليوم نجد ميشيل عون في تحالف مع حزب الله اللبناني، والجعجع مع التموزيين. وتنادينا مجزرة صبرا وشتيلا وهي ملطخة بأيد عربية ميشيل عونية وصهيونية معا تحت قيادة شارون.
وفي لبنان قُتل الحريري بأيد عربية لأنه أبى أن يستسلم للنظام البعثي السوري، ومسلسلات القتل مستمرة في لبنان بعد التحرر من الاحتلال السوري. وفي لبنان أيضا صراع بين الحكومة المنتخبة والقوى اللبنانية المدعومة من إيران وسوريا، ومظاهرات ودعاوى لإسقاط الديمقراطية.

وفي السودان حرب شعواء على الجنوب السوداني، وما أن بدأت الجراحات تُداوي في الجنوب تدريجيا، إلاّ وبدأ البارود يحرق أطفال دارفور.
وفي السعودية تفجيرات وعمليات إرهابية.
وفي الأردن كان الصراع بين الفلسطينيين والملك حيث قتلوا ثلاثين الفا من الفلسطينيين في حرب أخوية في جرش والزرقاء عامي 1970-1971.

وفي فلسطين قلب العالم العربي إحتلال وتشرد وحرمان.
في مدينة السلام، قدس السلام، وأولى القبلين، يُقتل فيها السلام كل يوم ألف مرة.
في فلسطين، شعب شجاع يقدم آلاف الشهداء، ليحرر أرضه وكرامته، والعرب يتفرجون.
في فلسطين إحتلال واغتصاب ونهب وسلب، والأنظمة العربية تمنع أن تدخل المساعدات “أرض الميعاد” لئلا تزعل إسرائيل، ولئلا تتهمهم أمريكا بالإرهابيين.
في فلسطين، تحترق القرى، وتُقتل الأطفال، وتُشَرد النساء، تحت غطاء أمن الصهاينة.
في خارج فلسطين، العرب كلهم نيام، والضمير العربي لا يستيقظ ولو يوما بالفعل والعمل لنصرة المحتاجين، للأخذ بيد المشردين، لمساعدة الجياع والمظلومين.
في فلسطين، حرائق وتخريب ودمار. وحفلات الرقص في العواصم العربية من أجل رضى أمريكا بالحكام ليقووا كراسيهم. لاتخافوا فالعرس قادم، ولا تخجلوا فالنصر لامحالة، والله لايضيع أجر المحسنين. فوالله جميع أموال العرب لاتساوي دموع تلك الطفلة الفلسطينية التي بكت وصرخت وهربت حين وجدت أشلاء الأب والأم والأخوة أمام عينيها على ساحة من سواحل حياة فلسطين.

أما في الصومال فحرب أهلية بين الحكومة الانتقالية المؤقتة التي تريدها أمريكا وأثيوبيا وبين المحاكم الإسلامية التي تريدها القاعدة. وبين هذه الجماعة وتلك تنام العرب على أحلام القومية العربية الشهيدة، ورسالات الوحدة العربية المزيفة، والحرية العربية اليتيمة، والإشتراكية العربية الزائفة. ما أجمل هذه الكلمات، وما أكثرها عنفا وقوة في القتل. الصومال أبوابها مفتوحة للقوات الأثيوبية لتقتل العرب لأنهم يشكلون خطرا على الأمن الأثيوبي. الشعب الصومالي استنجد مرات ومرات بالجامعة العربية، جامعة المؤسسات الأمريكية التي لاتتحرك إلاّ بعد أن تجد أشلاء العرب في كل مكان. العرب لم يتحركوا لمساعدة العرب في الصومال قبل أن تدخل الجيوش الأثيوبية لتجد حلا كما تريد.
الصومال تهدد الأمن العربي لأنها لا تريد أن تكون مع أمريكا، ولأنها تؤوي الإرهابيين كما تقول العرب وأمريكا. إذن هي الحرب تضع أوزارها فالدولارات المكدسة تبقى في البنوك الصهيوأمريكية بأرباح عالية.
لماذا نلوم العرب، ألم تتحرك الجامعة العربية لتجد حلا في الصومال؟
إنها تحركت. نعم تحركت، ولكن كما يقول المثل العراقي “بعد خراب البصرة”.

 

4

 

وفي العراق، وما أدراك ما العراق. الدولة المقدسة الطاهرة، تدنس اليوم بالإحتلال. العراق، البلد الذي يرسم بجلاء طريقة التفكير العربي المذهبي الطائفي. فإلى العراق في القسم الثاني

* الكاتب مستقل مقيم في السويد
يتبع القسم الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *