الرئيسية » مقالات » ضمائر في مهب الريح

ضمائر في مهب الريح

ــ 1 ــ


تكرر الذاكرة وبمرارة الحزن الذي صاحَبَنا خلال سنين طويلة ، ذكرى مؤلمة مازالت عالقة في أذهاننا وكأنها ملتصقة بذلك الجيل الذي صاحبها وبقى بعدها يتضور وجعاً وقهراً ولم يكتف للاحتفاظ بها بل دونها كمعرفة وكتاريخ اسود تعيه الأجيال القادمة وتعرف ما دار في ذلك اليوم من همجية مست الوجدان البشري، ذكرى تاريخ انقلاب 8 شباط 1963وجريمة الإعدام اللاإنسانية والمنافية لأبسط المعتقدات الدينة والقوانين المرعية للزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه في رمضان عندما كان صائماً وفي حينها لم ترتجف حمية أي تنظيم قومي أو إسلامي أو حاكم أو رجل دين معمم أو مفتي عربي أو إسلامي أو أية جهة إعلامية رسمية بل كانت إذاعة صوت العرب تزغرد وتحتفل على طريقتها المعروفة لذلك الإعدام وعرض الفلم التلفزيوني لذلك الرجل الوطني الشريف وهو على الكرسي وجندي يمسك خصلة من شعره ويبصق على وجهه الطاهر ، لم تثر حمية أحداً من القوميين والبعثيين الحاضرين لعملية الاغتيال الجريمة أو المتحالفين الذين أيدوا وساندوا ذلك الانقلاب الدموي وجريمة الإعدام من حكومات وحكام ومعممين يدعون الإسلام أو غيرهم من أصحاب الضمائر المرتشية، لم تكن أية نخوة عربية أو همة إسلامية عندهم ، لا لمكانته كعربي ومسلم ولا كرئيس للوزراء أو لرتبته العسكرية، أو لصومه ولا لشهر رمضان الذي يعتبر من الأشهر الحرم ولا لحقه وصحبه كبشر في الدفاع عن أنفسهم بشكل شرعي وقانوني.. بل كانوا يهزجون ويقيمون حفلات الفرح والردح والدم للشهيد ومن معه من شهداء مخلصين للوطن والشعب، ولم يكلفوا أنفسهم لا كقوميين عرب ولا كمسلمين يَدّعون الإسلام ديناً حتى بالقول ” كان من الأحق منحه ورفاقه الحق في الدفاع عن أنفسهم ووفق القوانين المعمولة بها ”

ذلك التاريخ المشؤوم وما بعده من مسالخ بشرية لمئات من الوطنيين الديمقراطية والمستقلين ما زال عالقاً في الذهن وما خلفه من مآسي للشعب ومن نتائجه المعروفة خلال 35 من حكم دموي لا مثيل له في عصرنا الراهن..

أولئك وهؤلاء الجدد هم الامتداد لذوي الضمائر النتة المرتشية الذين باعوها بثمن بخس بدون أية التفاتة أو تأنيب، باعوها بالدولارات والكوبونات النفطية اللذان أصبحا سيدا الموقف، وبدون ذكر الأسماء والمواقف السابقة نجد البعض حاول من خلال انتقاد ظاهرة ما جرى في يوم إعدام صدام حسين لخلق خرافة الأزمة الطائفية الشعبية والتحريض على الفتنة واعتبار صدام ممثلاً للسنة جميعهم وهو الذي كان يمثل نفسه وسلطته وكرسيه فقط ..

في الضفة الثانية نلاحظ أن كل أصحاب الضمائر الحيّة من العراقيين وغير العراقيين ومنذ إلقاء القبض على صدام حسين وأعوانه طالبوا بضرورة منح الحق له ومن معه في محاكمة عادلة للدفاع عن أنفسهم من أجل تطبيق العدالة غير الناقصة ووفق استقلالية السلطة القضائية وأرادوا أن يحاكموهم ليس كما في شريعتهم، شريعة القتل وغمط الحقوق بل وفق معايير القانون الذي يعتبر المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأن يحاكموا عن جميع الملفات حتى الملف السياسي ، لكن مع شديد الأسف جرت الأمور على غير ذلك فقد أُعدم صدام حسين ورحلت معه أسرار كثيرة وطمست ملفات عديدة كانت من الممكن أن تفضح الكثير من الجرائم ومرتكبيها ، كان بالامكان فضح ادوار من اشتركوا معه في الجرائم من أفراد وجمعيات ومنظمات ووسائل إعلام عربية وأجنبية وحكومات.. وعلى الرغم من هذه وفي الوقت الذي ننتقد الطقوس التي صادفت عملية تصوير الإعدام وبخاصة في أول أيام عيد الأضحى المبارك والطريقة الغوغائية بالصراخ ” إلى الجحيم ” والمتمثلة بالصلوات أو الهتاف بأسماء معينة التي صاحبت التنفيذ وجعلته طائفياً وانتقاماً حزبياً وبخاصة والمالكي من قادة حزب الدعوة ، نؤكد أن هذه الطريقة خدمت بهذا الشكل أو ذاك من كان يريد استغلال الهفوات ليبني عالماً من الخرافة الطائفية وبالتالي جعله ضحية وحتى بطلاً قومياً ومسلماً تقياً وبريئاً نقياً وضحاياه هم المجرمون.

ــ 2 ــ


لم استفز مما جرى ويجري في وسائل الإعلام أو التجمعات المختلفة التي كانت تمجد صدام حسين بسبب الارتزاق والرشوة لأنني كنت اعي أن الثمن لذلك التمجيد مدفوع مقدما فشراء الضمائر الذي تعامل النظام السابق به لا يختلف اليوم وإن ضعف بعض الشيء لأن الذين سرقوا المليارات وهربوها بطرق نذلة مازالوا يدفعون بهدف التشويه والقتل ، والذين كانوا يمجدون الظالم والديكتاتور لم تهتز ضمائرهم للضحايا الذين يعدون بالآلاف ومن مختلف الطوائف والاتجاهات السياسية ومن ضحايا الأنفال وحلبجة والجنوب والوسط وما جرى في الرمادي وغيرها من المدن العراقية بل حاولوا قلب الحقائق وحرف المواضيع منذ البداية وللآن .. هؤلاء أصحاب الضمائر المرتشية التي تجاهد على طريقتها من أجل أن تجعل الأسود ابيض وبالعكس ومن القاتل ضحية وبالعكس .

إن الذي حدث للشعب العراقي بجميع طوائفه خلال أعتى حكم استبدادي ظالم إلا فئة صغيرة منتفعة ، لم يهز ضمائر البعض من العاملين في وسائل إعلام غير بريئة من الجريمة وجمعيات مهنية عاشت على فتات الموائد وكلها سرقات من قوت الشعب الكادح مثل الأسماء والأحزاب والجمعيات والبعض من وسائل الإعلام التي ظهرت قبل أكثر من سنة في فضيحة الكوبونات النفطية ومنهم إعلاميين ومثقفين ورجال قانون يحرفون الحق والحقوق والعديد من المحامين المنتفعين المرتشين بما فيهم قادة النقابات الأردنية المهنية المعروفين بولائهم المطلق للنظام العراقي السابق وما كان يدفع من عرق الشعب العراقي لهم من أموال طائلة وسيارات فارهة قبل سقوط النظام ولهم تاريخ حافل في المواقف والمؤتمرات النقابية القطرية والقومية وكيف كانوا يحرفون الحقائق ويجعلون من الباطل حقاً مشروعاً أما موقف القذافي وبعض النواب الأردنيين وآخرين من دول عربية فيعتبر قمة المهزلة والتدخل في شؤون العراق.. هذه الجوقة وان اختلفت أسباب مواقفها وخططها فقد بدأت بالعويل أما خوفاً من المصير القادم لكل ظالم مستبد وإما بسبب انقطاع الارتزاق لكنه بالتأكيد وهو الدفاع عن حمامات الدم خلال ( 43 ) من الحكم المدعي بالقومية وبالإسلام والاثنان بريئان منهم ومن أعمالهم الإجرامية.

لست مغالياً إن قلت ضمائر في مهب الريح تميل عن الحق وفق مصالحها النفعية لتمجد الباطل والظلم وتشوه الحقيقة وتحاول أن تُزيْف الوقائع ولكن هيهات فحبل الكذب قصير كما يقال ومهما طال الزمن عليه لا بد أن ينفضح أمام الناس وعند ذلك سيكون العقاب الصارم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *