الرئيسية » مقالات » لماذا أصبحت بعض الشعوب ككلب ديستوفيسكي؟

لماذا أصبحت بعض الشعوب ككلب ديستوفيسكي؟

-1-


لو استعرضنا التاريخ العربي الطويل منذ عهد معاوية بن أبي سفيان حتى الآن، لوجدنا أن الشعوب قد تطبعت بطباع ملوكها وخلفائها وحكامها، بحيث أصبحت هذه الشعوب جزءاً طبيعياً وعضوياً من السلطان القائم، تفرح لفرحه، وتحزن لحزنه، وترفض رفضاً باتاً تنحّيه بسبب مرضٍ أو عاهةٍ أو فشلٍ أو هزيمة، حتى ولو كان فاجراً، أو طاغية، أو مستبداً. ولم تعد الشعوب ترى وجهها إلا في مرآة حكامها، رغم أن هؤلاء الحكام بمجملهم، قد مارسوا أقسى أنواع الظلم والطغيان على شعوبهم، بحيث أن هذه الشعوب لم تورّث العالم أية حضارة تجارية، أو علمية، أو زراعية، أو صناعية، أو ثقافية معقولة. وما الحضارة العربية – الإسلامية التي وصلتنا حتى الآن، طيلة 14 قرناً ويزيد، غير جهد المُقلِّ، كما يقولون، أي أنها أقلُّ ما يمكن أن يتحقق من شعوب، طيلة هذا الزمن الممتد. ولو كان في العالم العربي والإسلامي القليل من الحرية والعدل، لكان العطاء العربي الانساني أكثر بكثير مما ورثناه الآن عن أجدادنا الأولين.

كذلك الحال كان الوضع عليه في العالم العربي الآن. فقد طُبعت معظم الشعوب العربية بطباع حكامها. فنرى هذه الشعوب تتماهى مماهةً شبه كاملة مع حكامها. فتردد عبارات حكامها، وتؤمن بما يؤمنون به، وتكره ما يكرهون، وتحب ما يحبون، وتحاول أن تلبس – إذا توفر لها المال – ما يلبسون، وتأكل ما يأكلون.

لقد امّحت شخصية بعض الشعوب تماماً، بل وامّحى وجودها، وأصبحت شخصية السلطان العربي هي الوطن، وليس الشعب فقط. بل إن نقد السلطان العربي أصبح خيانة، وأصبح يعني نقد الوطن، وخيانته. ذلك أن السلطان العربي، أصبح مالك الوطن الأبدي وصاحبه، وليس حاكمه المتغيّر والمتبدّل. وتداول السلطة في الدول الديمقراطية، هو الذي أجاز فقط نقد السلطان نقداً مريراً ومستمراً، وفصل بين السلطان كحاكم مؤقت، وبين السلطان كمالك مستدام.


-2-



في العراق كان الحال هو كذلك، منذ أن أنشئت الدولة العباسية في بغداد، وقبلها الدولة الأموية، وإلى يومنا هذا. فشعب العراق منذ 1250 سنة وهي القرون الطويلة التي تعاقب على حكم العراق فيها العباسيون، والمغول، والعثمانيون، والانجليز، والملكيون، والجمهوريون من البعثيين، وهو يتماهى تماهياً تاماً مع حكامه، بحيث أن هؤلاء الحكام قد طمسوا شخصية الشعب العراقي، وحالوا دون حريته في تشكيل شخصيته. ومن يقرأ كتابات الفيلسوف العراقي الاجتماعي علي الوردي، الذي يُعتبر بمثابة “ابن خلدون” العراق، يلاحظ كم كان هول أثر الحكام المتعاقبين على حكم العراق في تشكيل الشخصية العراقية.

فقد اكتسب الشعب العراقي على سبيل المثال العنف السياسي الذي نراه الآن، والذي رأيناه في الماضي في ثورة 1958 على العهد الملكي من مشاهد العنف السياسي التي سادت في العصر الأموي والعصر العباسي كذلك، وما تبع ذلك. وحادثة اعدام صدام في فجر يوم عيد الأضحى، لم تكن الحادثة الجديدة والفريدة والنادرة في التاريخ العراقي. فقد تم قطع رأس المعارض جعد بن درهم المفكر المعتزل في الكوفة، من قبل والي العراق خالد القسري في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، قبل ألف عام في يوم عيد الأضحى، وبعد صلاة العيد، وفي المسجد، وتحت المنبر، وبسيف الوالي خالد القسري. يُضاف إلى هذا، مشاهد العنف التي صاحبت قيام الدولة العباسية في بغداد، وقادها الخليفة أبو العباس عبد الله السفاح، وتابعها من بعده الخليفة المنصور، والتي تم خلالها نبش قبور الأمويين، ونثر رفاتهم، وقتل ما تبقى منهم بشكل عنيف، لم يسبق له مثيل.

-3-


الغرابة، بل منتهى الغرابة، أن يتوقع صدام حسين أن يموت موت الأبطال، وليس موت الطغاة المستبدين على الطريقة العراقية التقليدية وهي السحل. وأن تجري له جنازة شعبية تاريخية، لم يشهد العراق مثيلاً لها. ولم يكن الطاغية يتصوّر قط، أن يموت على هذا النحو المهين، الذي لم يمته أي حاكم عربي من قبل، طاغياً كان أم عادلاً.

فكان في تصوّر الطاغية، أن يُغتال يوماً، وأن يكون في زمرة الأبطال العراقيين التاريخيين، ولكن لم يكن في تصوّره أن يُشنق على هذا النحو التعيس والمُذل.

وكان في تصوّر الطاغية، أن ينجح انقلاب ما في عزله، وكان معارضوه يعدون حبال السحل له، في شوارع بغداد، كما تمَّ مع رموز العهد الملكي السابق، لا أن يتم شنقه على هذا النحو. ولكن الطاغية شنق معارضيه بهذه الحبال بدل أن يسحلوه بها.

ولو لم تكن أمريكا موجودة في العراق، لتمَّ موت الطاغية على الطريقة العراقية المعتادة في مثل هذه الحالة، وهو سحله في شوارع بغداد. ولما تمّت محاكمة صدام على هذا النحو الحضاري، ولما تمَّ شنقه على هذا النحو الراقي أيضاً، كلويس السادس عشر، الذي قال عنه جلاده تشارلز سانسون إنه مات بكرامته، ولم يفزع من الموت، وقال كما قال صدام: “آمل أن يُعزز دمي سعادة فرنسا”، وهو ما قاله صدام بأنه ” يُشنق فداءً للعراق”.

و قيل أن لويس السادس عشر كان شجاعاً في موته، وكذلك كان صدام، وهو ما دفع معمر القذافي – جنوناً وهوساً – لأن يقرر إقامة تمثال له إلى جانب تمثال المجاهد الليبي عمر المختار مكافأة على شجاعته وبطولته في قتل معارضيه ليس إلا!

إنها الديكتاتوريات أيها السادة، تتنادى، وتتعاضد، وتتكاتف، وتشدّ أزر بعضها بعضاً.

-4-


قال الكاتب الليبرالي العراقي البارز، فالح عبد الجبار، أن صدام حسين كان يريد الموت كما يشتهي، بعد أن يُعمّر إلى التسعين أو المائة. “فقد وبّخ مرّة مهندس أحد الجوامع العملاقة التي شادها أيام الحصار، على درجات السلالم لأنها مرتفعة أكثر من اللزوم، ولا تناسب (كما قال) شيخوخته المقبلة. فأجداده، كما أدعى، معمرون. وكان صدام يُهيىء لتقاعده بعد التسعين مثل أي موظف حكومي. وكان يُهيىء لأبديته مثل مليك أبتر، لكي يمدّ يده من وراء القبر، فقرر تعيين ابنه الاصغر وريثاً في جمهورية القبيلة، ناسياً درس ابن خلدون: صحيح ان الرياسة في اهل العصبية، لكن الملك يذهب بذهابها.”

ولا أدري أي عقل كان عقل صدام، بحيث يتصور أن الذين قتل ابناءهم وخطف نساءهم وأطفالهم، ودمّر آلاف القرى العراقية، وخسر حربين متواليتين، أن يكون موته موت العظام، وجنازته جنازة الفاتحين؟

ألم يكن في حسبانه بأن الشعب العاجز عن الانتقام منه، كان له إله سوف ينتقم منه نيابة عن هذا الشعب، ويذله في حياته وموته كما أذلَّ واستعبد هذا الشعب؟

-5-


عاش صدام وحكم بالمشانق، ومات بالمشانق نفسها.

وهو مصير غير نادر في التاريخ البشري، ولكنه مصير نادر في التاريخ العربي. ومن هنا كان كل هذا الوجع والأنين العربي من الشرق والغرب. وتحوّلت الانتلجنسيا العربية بين عشية وضحاها، من هتاف للحرية الى هتاف للعبودية، وهي في واقع الأمر ما هتفت للحرية يوماً ، إلا وكان هتافها للعبودية!

فصدام الطاغية، عندما هدد العراقيين قبل ثلاثين سنة، بأنه لن يترك العراق إلا يباباً وخراباً، أوفى الآن بوعده، ولم يحنث به. وها هي زمرته في العراق، وبدعم من بعض دول الجوار، يحوّلون العراق كل يوم في وسطه وفي جنوبه إلى أرض يباب، ومسلخ بشع للموت، وإلى شعب من الشحاذين وباعة الخرافة والدجل، بعد أن انهارت الدولة المدنية.
لقد تحوّل جزء من العراق وجزء من الشعب العراقي، وكذلك جزء من الشعب العربي ومثقفيه وصحافييه ونقابييه وقضاته إلى ما يشبه صدام، بعد أن تم التماهي بهذا الطاغية طيلة أكثر من ثلاثين عاماً. فكل الذين عرفناهم مدافعين عن الحرية والديمقراطية بقوة، أصبحوا بموت صدام يدافعون عن رمز كبير من رموز الطغيان والديكتاتورية. فهم قد حلّوا في شخصية صدام، أو أن شخصية صدام الطاغية قد حلّت بهم، إذا أخذنا بنظرية الحلول الصوفية. وهو ما يذكرنا برواية الروائي الروسي ديستوفيسكي “مذلون مهانون” وكيف أن أحد شخصيات روايته (أخمينيف) العجوز، صار هو وكلبه يشبهان بعضهما، نتيجة لطول العشرة، وشدة التلازم. وهذا التماهي القاسي – وهو مرض خطير، يصيب كثيراً من الشعوب، والشعب الألماني والايطالي مثالاً للتماهي في شخصية القائد والزعيم النازي والفاشستي- يستدعي من الشعب العراقي وقتاً طويلاً ، وعلاجاً صعباً، لكي يبرأ منه.

السلام عليكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *