الرئيسية » مقالات » صدام حسين له قبر… اين قبور ضحاياه؟

صدام حسين له قبر… اين قبور ضحاياه؟

الذين يتباكون على صدام اليوم وينسجون من الخيال قصصاً حول ذلك الرجل الدموي التفكير والسادي الطبع، ينسون ان ماتمتع به من ضمانات وحقوق وامتيازات وراحة بال وحرية تعبير منذ لحظة القبض عليه ولغاية اعدامه لم يتمتع بها اي من ضحايا هذا الدكتاتور الذي جعل العراقيين في زمانه يتمنون الموت بطلقة واحدة في الرأس او القلب بدلاً من الموت البطىء والمعاناة القاسية التي كانت تطول اشهراً او سنين في اقبية ودهاليز السجون والمخابرات، في زمن صدام اصبح القانون كتاباً في مكتبة والقضاء لعبة مسرحية من فصل واحد تنتهي بتراجيديا الموت، وحياة الانسان ومصيره معلقان على تقرير من اي جهاز مخابراتي.

وفي زمن صدام جرى ابتكار لغة جديدة ومصطلحات فريدة من نوعها ظاهرها شىء وباطنها نقيض ذلك الشىء تماماً، فاعدام النشطاء السياسيين تحول الى (حفلة اعدام جبناء) وقتل السجناء سميّ (حملة تطهير السجون) وجرى منع مجالس الفاتحة على الضحايا وطلب ثمن الأطلاقات التي اعدموا بها رمياً بالرصاص، اما اقرباء الضحايا حتى الدرجة الرابعة فكانوا تحت المراقبة وربما المطاردة ومن ثم القتل في حوادث غامضة، وفي زمن صدام حسين فقدت القبور رمزيتها وقدسيتها وحرمت الجثث من حقوق الغسل والكفن وقراءة الادعية لها لمواراتها التراب بما يليق بالجسد الانساني منذ كانت الحياة ومنذ كان الموت، فالقبور في زمن صدام ان وجدت جماعية لا اسماء ولامعالم عليها ولا شاهدة تشير اليها لان الدكتاتور كان يخشى ان تتحول قبور ضحاياه الى مزارات لنشاط سياسي يهدد موقعه (وكماله) و(جلاله) و(الوهيته)! التي صار يزعم بها المروجون له في الاعلام، وفي زمن الدكتاتور جرى ابتكار وظيفة جديدة في جهاز الامن هي (مغتصب شرف النساء) كلف بادائها رجال من صنف لامثيل له من الناس عقولهم بلا ضمائر واجسادهم بلا مشاعر وحياتهم مسلسل بشع لارتكاب الجرائم عن سابق قصد واصرار، وفي زمن صدام حسين لم يعد يجري الحديث عن سيرة الانبياء الصالحين لانه جعل من نفسه الاصلح والاكمل ولم يعد يجري الكلام عن عراق ماقبل صدام لان العراق ولد كما زعم أعلامه على يدي هذا الرجل الفاقع الدموية، القادم من قرية (العوجة)، واصبح الحديث عن القوانين والتشريعات امراً لامعنى له لان صدام لبس ثوب حمورابي الثاني وصار يزعم ان (القانون ورقة يكتبها ويوقعها صدام حسين)، وفي زمنه لم يعد الانسان يموت بالحبل او بالرصاص فحسب، وانما ايضاً بالسموم الكيمياوية كما في حلبجة وبمكائن فرم اللحوم وتقطيع الجسد ولكن بسرعة بطيئة! او بالرمي من السطوح العالية او بحادث سيارة او بالضرب المبرح حتى الموت او بكسر الاطراف العليا ثم السفلى واحداً بعد الآخر، لان الدكتاتور كان يحب الموت التدريجي البطىء المقترن باقسى درجات الالم والنزيف، كان ذلك في الزمن الذي تحول فيه العراق الى اكبر مقبرة جماعية واوسع سجن للحرية وغدت كوردستان العراق اثر حصاد عمليات الانفال السيئة الذكر المنطقة الاكثر بؤساً في العالم.

اما في زمننا فان صدام حسين وشلته المجرمة احيلوا الى تطبيقات الاعلان العالمي لحقوق الانسان وكان لهم ومازال كل حقوق الانسان وتمتع صدام حسين حتى اللحظة الاخيرة من حياته بحقه في الطعام والشراب والملبس والمظهر الانساني الانيق على عكس ضحاياه الذين ماتوا ولاقبر لهم وماتوا في صمت ودونما اعلان، في حين ان اعدام صدام تحول الى اعلان مازال البعض في الشارع العربي والاسلامي يتقاطر الى الشوارع لتأبينه، وهذا البعض هم ذات الفئات التي تناست ارواح ضحايا صدام وتناست اين تقع حلبجة واين هي قبور (182) ألف انسان كوردي برىء اعدمهم صدام حسين على الهوية، اما التمثال الذي ستقيمه ليبيا لطاغية العصر صدام حسين الى جانب تمثال البطل التحرري عمر المختار فانهالمفارقة الكبرى التي تحمل من المرارة اكبر قدر ومن الحزن مايفوق التصور ونترك للاجيال القادمة التي حفظت اسم عمر المختار عن ظهر قلب ان تقول كلمتها وهي ستقولها يوماً فالمختار في الذاكرة وشم ابدي وزهرة ربيعية لاتعرف الذبول، اما صدام حسين فهو رمز الشر المطلق وربما كان لتمثاله معنى واحد فحسب وهو اعطاء العبرة لكل دكتاتور انه خارج عن الذاكرة الشعبية والجماعية للشعوب وانه حتى اذا امتلك تمثالاً فهو تمثال للنفرة منه لا للدعاء له.
الصوت الاخر