الرئيسية » التاريخ » الكرد الكلهور في كردستان العراق

الكرد الكلهور في كردستان العراق

الجزء الأول

توطئة:
ربما يتصور القارىء الكريم للوهلة الاولى وعندما تقع عيناه على عنوان البحث انه يتناول عشيرة كلهور الكردية، ولكن موضوع البحث يدور حول الناطقين باللهجة الكلهورية وليست العشيرة، بغض النظر عن الانتماء العشائري والقبلي، فهنالك الكثير من العشائر والقبائل الكردية التي سنأتي على ذكرها لا تمت باية صلة الى عشيرة كلهور سوى انها تشترك معها في اللغة فقط.

رغم ان (كوراديتي) الحركة الكردية، كانت متأصلة في نفوس الكرد الناطقين بهذه اللهجة وبصيغتها الاجتماعية البحتة، وليست بصيغتها السياسية العصرية، حيث ان الكردي الذي يتكلم بهذه اللهجة التي نحن الان بصددها في ارياف خانقين ومندلي كان يرى انه هو الكردي الاصيل، والعلامة المرحوم محمد جميل روزبياني ادرك هذه الحقيقة واشار اليها في بحثه الموسوم (مندلي في التاريخ) حيث يقول “يتكلمون باللجهة الكلهورية والفيلية، انما يحسبون انفسهم فقط كردا، ويسمون الكرد الذين يتكلمون باللهجة الكردية الجنوبية جاف” والحركة التحررية الكردية (كوردايتي) بصيغتها السياسية الحديثة قد نمت وانتشرت في صفوفهم في خانقين ومندلي وبدرة بعد تموز 1958 رغم ان الكثيرين من الكرد الكلهور في بغداد كانوا قد مارسوا نشاطاتهم السياسية في الحركة التحررية الكردية قبل هذا التاريخ بمدة طويلة وظهر بينهم قادة امثال جعفر محمد كريم ومحمد حسن برزو وغيرهما. وبعد التاريخ الذي اشرنا اليه ربطت هذه الفئة مصيرها بالحركة التحررية الكردية (كوردايتي) في كردستان العراق ايمانا منها ان الدين والمذهب ما كان يوما من الايام عائقا في طريق التحرر القومي وان كرديتهم سبقت دينهم. ورغم تمسكهم بدينهم الحنيف ومذهبهم وحبهم لاهل البيت الكرام فانهم يعلمون انهم كانوا كردا قبل ظهور الاديان، وان الانسان يتعلم اولا لغته القومية قبل ان يشب ويتعلم مبادىء دينه وان الدين الاسلامي الحنيف هو للبشرية جمعاء بغض النظر عن مللهم وان الاسلام قد اكد على الهوية القومية حيث يقول سبحانه وتعال {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم} ويقول سبانه وتعالى {ومن اياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم} وان الفرد بين اهله وقومه قوي وعزيز حيث يقول الامام علي (ع) “اللهم اعزني في اهلي” وفق هذا المنظور اختار الكرد الكلهور صفوف اخوتهم في الحركة التحررية الكردية مضحين بالغالي والنفيس من اجل شعبهم الكردي ووطنهم كردستان، وقدموا الكثير من الشهداء في ثورة ايلول وثورة شعبنا الجديدة وبسببها وقع عليهم حقد وغضب النظام الشوفيني البائد حيث تعرضوا لسياسة التطهير القومي (جينوسايد) بترحيلهم من اراضيهم وقراهم في خانقين ومندلي عام 1975 بعد انتكاسة ثورة ايلول اضافة الى السجون والاعدامات بحق الكثيرين منهم، ويكفيهم فخرا بان مسؤول النواة الاولى لثورة شعبنا الجديدة الشهيد خالد جوامير سايمير هو ابنهم البار.
هذا فيما يخص قوميتهم واما بالنسبة لدينهم، فرغم تجني البعض عليهم الا انهم كانوا متمسكين دائما بدينهم الاسلامي ومذهبهم، مذهب اهل البيت الكرام، لانهم يعلمون حق اليقين ان هذا التجنبي هو لابعادهم عن الدين والمعتقد، فهنالك من ينسب الى الامام جعفر الصادق (ع) زورا وبهتانا حديثا ينسب اصل الكرد الى الجن ويوصي بعدم مخالطتهم كما جاء ذلك في كتاب “ما وراء الفقه الجزء السادس، باب مناكحة الاكراد”.
اهل البيت توارثوا العلم عن الرسول (ص) الذي ارسل رحمة للعاملين فلا يعقل ان يحيدوا عن الرحمن والحق وان ما جاء في الكتاب المذكور افتراء عليهم، كما ان المرحوم السيد ابو الحسن الموسوي الاصفهاني ذكر في كتابه “وسيلة النجاة ص 341” في باب النكاح “لا ينبغي للمرأة ان تختار زوجا سيىء الخلق والمخنث والفاسق وشارب الخمر ومن كان من الزنا او الاكراد او الخوزي او الخزر” هذا الادعاء الباطل يخالف الشريعة الاسلامية التي تؤكد على “كلكم من آدم، وآدم من تراب” كما قال الرسول الكريم (ص) والكرد من آدم كما ان المرجع الديني الكبير اية الله العظمى علي السيستاني رد على ذلك في رسالته، بسمه تعالى :هذا الكتاب يحتوي على فتاوى فقيهين وليس كل ما فيه صحيحا وموفقا لاراء بقية الفقهاء وفتوى سماحة السيد مد ظله، ان مستند الحكم بكراهة الزواج من الاكراد ضعيف السند ومخالف للكتاب والسنة ولا يعتنى به ابدا وانه لا فرق بين اصناف البشر من النكاح والعبرة يكون الخاطب مرضي الدين لا غيرها والله الهادي.
ختم اية الله العظمى علي السيستاني
14 شوال عام 1420هـ
وهكذا نرى ان رد السيد السيستاني جاء صريحا وواضحا ومن لدن اعلى المرجعيات ليفحم الاراء الشوفينية المتعصبة التي تريد التقليل من شأن الانسان الكردي والتي كانت تهدف لابعاده عن بني جلدته وكبت احاسيسه القومية واضعافها والايحاء اليه انه بتمسكه بقوميته انما يرتكب اثما لكي ينكر بالتالي هويته القومية ويبقى مذلا منقادا للاخرين، وتعرض الكرد للاهمال حتى من الناحية الدينية، فقبل انتشار المدارس الرسمية في مناطق الكرد الكلهور في كردستان العراق التي تمتد من خانقين حتى قضاء بدرة لا نجد في اريافها جامعا ولا مسجدا اومدرسة دينية لتعليم اولادهم القراءة والكتابة اسوة بما كان يقوم به ملالي اهل السنة في كردستان بافتتاح الكتاتيب لتعليم الاولاد القراءة والكتابة. اما الملالي الشيعة فلم يكن لهم تواجد في المنطقة المذكورة، ولعل البعض يتذرع بكون المنطقة كانت تابعة للدولة العثمانية حيث حيث ان الشيعة كانوا مضطهدين ولو اخذنا بهذا الرأي فما بال مناطق الشيعة في كردستان ايران في ذلك الوقت، لقد كانت تلك المناطق في وضع اسوأ مما كان عليه اخوتهم في كردستان العراق فالملالي كانوا يظهرون في بعض المناسبات لتلقين الاهالي بعض الاحقاد والخرافات التي لا تمت الى الدين بصلة او لابكاء الناس على الامام الحسين (ع) لاجل الحصول على المادة ومن ثم شد الرحال بعد ان تمتلىء جيوبهم دون ان يعلموا الناس ان الامام الحسين (ع) قد ثار ضد الظلم والاستبداد لانقاذ البشرية من التسلط والاستكبار وانه باقتداء الحسين يمكنهم ان يحرروا انفسهم من الاحتلال والظلم الواقع عليهم.
الكرد الكلهور في كردستان العراق ليسوا متعصبين تعصبا اعمى للمذهب وهم يحملون كل الحب والمودة تجاه اخوتهم من المذاهب الاسلامية الاخرى فليس عجبا ان ترى منهم الدراويش والصوفية والمشاركة في حلقات الذكر وهم يقدسون مزارات اخوتهم من مذهب اهل الحق (باوه) وفي نفس الوقت فان اخوتهم من المذاهب الاخرى يحترمون مشاعرهم ويشاركونهم في مناسباتهم.
وبعد انتفاضة شعبنا الكردي البطل في اذار عام 1991 وتحرير مناطق شاسعة من كردستان احتضنت مدن السليمانية وكلار الكرد المشردين والمسفرين من اهالي المناطق التي نحن بصددها وقامت حكومة اقليم كردستان ببناء اروع مسجد وحسينية لهم في مدينة السليمانية. هذه الالتفاتة من حكومة الاقليم وبايعاز من المناضل مام جلال خير دليل على رعاية الحركة التحررية الكردية لجميع شرائح المجتمع الكردي بغض النظر عن الدين والمذهب.

مناطق الكرد الكلهور في كردستان العراق:
تتمركز هذه الفرقة من الكرد في اقضية خانقين ومندلي وبدرة من كردستان العراق ولا يمكن البحث عن هذه المنطقة بمعزل عن اخوتهم في كردستان الشرقية وبالتحديد في محافظتي كردستان وايلام والاقضية التي ذكرناها في كردستان العراق امتداد طبيعي لمناطق الكرد الكلهور في المحافظتين المذكورتين من كردستان الشرقية (الايرانية) وهي امتداد تاريخي للمنطقة التاريخية المسماة حلوان ( هه لوه ن ئه لوه ن) او منطقة (ماسيدان) التي يسميها الجغرافيون والمؤرخون العرب (ماسبذان وحلوان) وهي اليوم محافظتا كرماشان وعيلام.
يورد الاستاذ شوان عثمان مصطفى في كتابه (كردستان وبروسه ى به ئيسلام كردني كورد) عن ابن خرداذبه في كتاب المسالك والممالك ان خانقين هي من مدن الجبال وتابعة لولاية الجبال (حلوان) كما يورد عن كتاب (احسن التواريخ) على ان مندلي التاريخية القديمة (بندنيجين) هي ايضا كانت تابعة لاقليم الجبال، وتعتبر من مدن ولاية حلوان. هذا من الناحية التاريخية اما من ناحية جغرافية السكان فان سكان اقضية خانقين ومندلي وبدرة وتوابع هذه الاقضية يتكلمون اللغة الكردية الكلهورية، وهي نفس اللغة التي يتكلم بها سكان محافظتي كرماشان وعيلام الكرديتين. وان العشائر التي تسكن في الاقضية المار ذكرها هي نفس العشائر التي تقطن المحافظتين المذكورتين منذ الاف السنين وهم بطون من عشائر الكلهور واللك وقليل من اللور.
المناطق التي نحن بصددها كانت تسكنها اقوام (اللولوبيين والكاسيين والكورتيين) قبل ان يهاجر اليها “الماديون” ثم دانت المنطقة للماديين وسكنوها واختلطوا بالسكان الاصليين وسميت المنطقة باسمهم (ماد، ماذسبدان) وكانت ولاية ماسبدان في العهد الساساني تشمل مناطق (ايوان، عيلام، او ما كان يسمى دى بالا، كيلان، هارون اباد، كرماش ان، قصر شيرين خانقين، مندلي) اذن، فهذه المنطقة هي بلاد الكرد الكلهور ويخطىء من يسميها باللور، واللور يسكنون مناطق (بيشكو) أي المنطقة في مواجهة الجبل( ويقصد بالجبل ، جبال زاكروس) أي ان اللور يسكنون ال الشرق من زاكروس وهي منطقة تاريخية كانت تسمة (مهرجان قذق) أي بلاد اللور الصغرى وتشمل مدن (خرم اباد، بروجرد، صيرمه.. الخ) وفي هذه المنطقة تأسست الدولة الاتابكية الكردية وعاصمتها خرم اباد التي سقطت عام 1597م على يد الشاه عباس الصفوي ، يقول اسكندر منشي صاحب كتاب (تاريخ عالم اراي عباسي): تقع اللور الصغرى جنوب العراق العجمي والممتد من همدان وعلي شوكره وخوزستان ومن مدينة بروجرد حتى بغداد، وتمتد بمسافة مائة فرسخ ومدنها (خورماباد، الشتر، صيمره، خاوارهزمين).
بعد ان اسدل الستار على امارة اللور الصغرى (الدولة الاتابكية) على ايدي عباس الصفوي كما اسلفنا انتقل احفاد شاهويردي اخر امراء اللور الصغرى الذي قتله هو وعائلته عباس الصفوي انتقلوا الى مناطق بشتكو وانشأوا امارة بشتكو في قرية (دى بالا) عيلام الحالية وقد حكم هذه الامارة تسعة ولاة كان اخرهم غلام رضا خان حيث سقطت الامارة على ايام رضا شاه بهلوي عام 1928م وفر الوالي المذكور الى بغداد.
اما من الناحية الجغرافية فان المنطقة التي نحن بصددها في كردستان العراق امتداد طبيعي لمناطق الجبل (حلوان ـ ماسيدان) التاريخية، وتضاريسها هي نفس تضاريس تلك المناطق في محافظتي عيلام وكرماشان.

العشائر الكردية التي تتكلم الكلهورية في كردستان العراق
1 ـ عشيرة الاركوازي: تنتشر قرى هذه العشيرة في ضواحي خانقين وخاصة على ضفاف نهر الوند الى الشرق من المدينة، ضمن مقاطعات (خانقين وحاجي قره) وقريتان تقعان ضمن الحدود الادارية لناحية قوره تو. ولهذه العشيرة (14) قرية فيما عدا الذين يسكون داخل المدينة ومصفى الوند (السابق) وفروع العشيرة هي (كاره شه وانى، قيتول، ملكشه وه ن، تويلاوى، شيرك).
2 ـ عشيرة السوره ميري: كانت هذه العشيرة تتكلم اللهجة اللكيه ولكنها تحولت الى اللهجة الكلهورية اواسط القرن المنصرم، وتتوزع قرى هذه العشيرة في مقاطعة علياوه غرب المدينة (خانقين) وبعض قراها تقع الى الضفة اليمني من نهر الوند في مقاطعة حاجي قره، احدى فروع العشيرة تسكن قضاء شهربان ولهذه العشيرة حوالي (11 قرية) وفروعها (توتك، قيتول، عنتر، خيولي، مامه جانى، تاماس، كلهوري).
3 ـ عشيرة ملك شاهي: وتسكن قرى ملك شاهي في مقاطعة خانقين عرب المدينة وعلياوه زوراب في مقاطعة علياوه وقرية ميخاس وتوله فروش في مقاطعة حاجي قره ويسكن قسم اخر منهم في مندلي وناحية زرباطيه.
4 ـ عشيرة قره لوس: كبرى العشائر الكردية الناطقة باللهجة الكلهورية في كردستان العراق وتمتد مناطق سكناهم من جنوب الحدود الادارية لقضاء خانقين حتى الضواحي الشمالية لمدينة مندلي ومن الحدود الايرانية العراقية شرقا حتى وادي ( جه مى نه فت ـ آب نفط) غربا ولهذه العشيرة حوالي (60) قرية وتتكون من اربع قبائل (الجرموندي، القيتول، الكجي، النفطجي).
5 ـ عشـــــيرة الهواسي: وتسكن هذه العشيرة ضواحي مدينة مندلي في قرى (كبري، جاريه، هواسي العليا، هواسي السفلى، سه رئاسياوه).
6 ـ عشيرة الباولي: ويسكنون مركز مدينة مندلي وفي قرى (كبري، جاريه، وفي بعض مناطق عشيرة قره لوس).
7 ـ عشيرة الزركوشى: تنتشر قرى هذه العشيرة في ضاحية قزره باط(السعدية) في المنطقة التي غمرتها مياه بحيرة حمرين، وهم اليوم يسكنون السفح الشرقي لجبال حمرين المطل على البحيرة المذكورة في مجمع سكني كبير على الطرف الشمالي للطريق القديم المار بسلسلة جبال حمرين الى شهربان وكانت لهذه العشيرة حوالي (13) قرية في المنطقة التي غمرتها مياه بحيرة حمرين، وهم يتكلمون الكلهورية ممزوجة ببعض من اللهجة اللكية كما ان احدى قرى هذه العشيرة تقع في منطقة (طرسق) في ناحية قازانية.
8 ـ عشيرة الخالدي: وهم يسكون ناحية قزره باط (السعدية) في محلة (جولك) ولغتها كلهرية لا تختلف عن لغة كرد مندلي وكرماشان.
9 ـ السياسيا: وهي من بطون عشيرة الكلهور ويتكلمون باللهجة ذاتها ويسكنون الطرف الجنوبي لناحية السعدية ويجاورون الجولك ويسكن البعض منهم في مندلي وخانقين.
10 ـ عشيرة وه رفريار: ويسكنون قرية ورفريار في ناحية زرباطية اما الذين يسكنون (قرية محمود قجر) في ناحية قوره تو يتكلمون بلهجة الجاف.
11 ـ عشيرة شوهان: ويسكنون مركز ناحية زرباطيه وبعض قرى الناحية.
12 ـ عشيرة ملختاوي: ويسكنون مركز قضاء بدرة.
ومع هذه العشائر التي مر ذكرها تسكن عوائل ومجموعات من بطون عشائر الكلهور مثل (خزل، كوله با، كلاواي، جلي، قوجمي، قوليه وه ند.. الخ).
عشيرة (الدلو) رغم انها تتكلم اصلا لهجة الجاف (اللهجة الكرميانية) الا انهم في خانقين وبحكم اختلاطهم في خانقين مع الاخرين يتكلمون بلهجة مختلفة بين لهجتهم الاصلية واللهجة التي نحن الان بصددها.
أما عشيرة (باجلان) فأنها كانت تتكلم اللهجة الباجلانية التي هي فرع من لهجة الكوران إلا أنها تركت لهجتها الأصلية وأصبحت تتكلم بلهجة أهل خانقين وكذلك نفس الشيء يقال بالنسبة لعشيرة (كاكايى) الذين يسكنون مرتفعات (ئاخ داخ) من ناحية قوره تو. وبعض قرى مركز قضاء خانقين تركوا لهجتهم الأصلية وأصبحوا اليوم يتكلمون اللهجة الكلهورية.

نبذة تاريخية عن مناطق الكرد الكلهور قبل الإسلام
قبل هجرة الماديين الى المنطقة التاريخية التي ذكرناها كانت أقوام عديدة منها (اللولو، الكاسي، الكوتي) تسكنها، وبعد وصول الماديين واختلاطهم بالسكان الأصليين وبمساعدتهم تمكنوا أن يؤسسوا الإمبراطورية المادية الكبيرة بحدود عام (2000 ق.م) وشملت دولتهم (أذربيجان وكردستان والعراق العجمي ومناطق ماسيدان) ويقسم الجغرافيون القدماء بلاد الماد الى بلدين، ماد الكبيرة والتي تعرف بالعراق العجمي، وماد الصغيرة والتي كانت قديما تطلق على أذربيجان، يشمل العراق العجمي كردستان الحالية (سنندج وهمدان وكرماشان وقزوين وآراك وأصفهان ونهاوند وري وحتى دربندخزر (الباب) والتي كانت تفصل بلاد الماد عن بارت.
يقول هيروديت ان الماديين هم الأقوام الآرية التي سموا (الماد) ويقال أنهم كانوا ست قبائل وهي (بور، بارتاكون، استروخان، آريازانت، بودين، موغ) وكانت المنطقة التي نحن بصددها في بحثنا هذا في ظل الماديين ولاية من ولاياتها القوية.
وبعد امبراطورية ماد حكمت المنطقة الدولة الهاخامنشية البارسية، وهم من الأقوام الآرية أيضا، استقروا في حدود عام (700 ق.م) على الجانب الأيسر من نهر دجلة واستفادوا من ضعف الدولة العيلامية ليستثمره هاخامنش لتأسيس دولته.
استطاع كورش الكبير القضاء على الحكم المادي سنة (550 ق.م) ويرى هيروديت ان البارس يتكونـــون من ست قبائل أيضا وهم (بارس كاد، مرفى، ساسبيان، بانتالي، دروزى، زرمــــن) ومن قبائل أخرى من سكنة بيوت الشعر وهم (ساكاريت، مرد، دروبيك، داران).
بعد موت الاســكندر، استطاع أحد قادته (سلوكس نيكاتور 312ـ 280 ق.م) تأسيس الدولــــة السلوقية واستطاعت هذه الدولة إخضاع بلاد فارس ونواحي الجبال وأهواز.
البارثيون كانوا يسكنون شرقي بحر قزوين، استطاعوا بعد انقراض الدولة الهاخامنشية تأسيس الدولة الاشكانية عام (250 ق.م) ويشكل البارثيون مع الماد وبارس الأمة الآرية الكبرى.
وفي عام (214 ق.م) استطاع اردشير بابكان تأسيس الدولة الساسانية، استطاعت هذه الدولة إخضاع مناطق إيران وبضمنها مناطق (حلوان وماسيدان) وفي هذا العصر أصبحت ولاية ماسيدان من الولايات المهمة في الدولة الساسانية، حيث أصبحت المنطقة السياحية للأباطرة الساسانيين وعاصمتهم الصيفية، سقطت الإمبراطورية الساسانية على أيدي الجيش الإسلامي الذي كان يقوده الصحابي سعد بن أبي وقاص، وبذلك دخل الدين الإسلامي الى مناطق وادي الرافدين وإيران وشهرزور، أنظر كتاب (جغرافياي تاريخي ايوان غرب) (ايوان كلهور) ـ آيت الله محمدي ص 7-23.

الفتح الإسلامي ودخول الكرد في الإسلام
بعد أن أنتصر المسلمون على الجيش الساساني في المدائن، انهزم كسرى يزدجرد الى مدينة (حلوان ـ هلوان) لإعادة تنظيم جيوشه للتصدي للجيوش الإسلامية الزاحفة نحو الشرق، طلب كسرى من ولاته أن يعدوا جيوشهم في جلولاء. أعدوا جيشاً قوامه (80 ألف مقاتل) وبأمرة (مهران رازي) ومشاركة (مهران بن يزدجرد) و(هورمزيان) وقد كان معظم هذا الجيش من الكرد، لأن معظم الأقاليم التي أعدت هذا الجيش فيما عدا (الري) هي أقاليم كردية. وعندما علم سعد بن أبي وقاص بهذه الاستعدادات كتب الى الخليفة عمر بن الخطاب (رض) يخبره بتلك الاستعدادات، فأوعز الخليفة الى سعد بأن يعد جيشاً قوامه (12 ألف مقاتل) بأمرة هاشم بن عتبة على أن يكون القعقاع بن عمرو التميمي في المقدمة ومسعود بن مالك في الميمنة وعمرو بن مالك في الميسرة. وفي الوقت نفسه كان الجيش الساساني يحكم تحصيناته في جلولاء، من حفر الخنادق، وإقامة مواقع دفاعية وأسلحة.. الخ. وكانوا مصرين على قتال العرب لانهم كانوا متيقنين بأنهم لو خسروا هذه المعركة، فأنه يستحيل عليهم اعداد جيوش أخرى بهذه الكثافة للوقوف بوجه العرب، ولذا فقد كانوا يستميتون في الدفاع عن مواقعهم، وقد شن المسلمون (80 هجوما) استطاع الجيش الساساني صدها جميعا وإنزال خسائر فادحة بالجيش الإسلامي، خاصة رماة السهام الساسانيين المهرة الذين استطاعوا أيضا إيقاع إصابات كبيرة في صفوف المسلمين، وقد دامت هذه الحالة حوالي شهرين، وفي نفس الوقت كان يزدجرد يرفد الجبهة بالمقاتلين والأسلحة والأموال، كما أن أقاليم الجبال كانت تمد الجبهة بالمقاتلين. أما النساء والأطفال وأموال المقاتلين فقد كانوا في خانقين. وبعد شهرين من القتال المستميت استطاع العرب المسلمون اختراق دفاعات الجيش الساساني، وبعد قتال دموي شديد قل نظيره في التاريخ، استطاع القعقاع بن عمرو الانتصار على الجيش الساساني والاستحواذ على غنائم كبيرة وعدد هائل من الأسرى والسبايا من النساء والأطفال، خاصة من الأميرات ونساء النبلاء من قادة الجيش الساساني. وقد تم توزيع هؤلاء النسوة والفتيات بين المقاتلين المنتصرين.
مهد انتصار المسلمين في جلولاء الطريق أمام الجيوش الإسلامية للزحف نحو الشرق وقد خلف هاشم بن عتبة قائد الجيش الإسلامي في جلولاء، حرير بن عبدالله البجلي مع قوة من الفرسان لكي تكون عقبة بين المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسلامي وحدود الدولة الساسانية، توجه بعدها هاشم بن عتبة بنفسه الى (بابل مهرروز) واستطاع إخضاعها ثم توجه الى مدينة دسكرة وتمكن إخضاعها بعد قتل دهاقنتها ثم توجه نحو مندلي (بندنيجين) ولم يستطع إخضاعها، لذا صالحهم وأتفق معهم على اداء الجزية، على أن يضمن المسلمون لهم سلامة أموالهم وأرواحهم، واستطاع جرير بن عبدالله البجلي من القضاء على بقايا الجيش الساساني في خانقين، وبهذه الصورة دانت لهم المنطقة. وقد كان فراغ الجيش الإسلامي من جلولاء عام (16 هـ) أنظر كتاب: (كردستان وبروسه ى به ئيسلام كردنى كورد) الأستاذ شوان عثمان مصطفى ص 149- 176 وأنظر (فتوح البلدان ـ أبو العباس أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري).

دخول الجيش الإسلامي ماسيدان
استعدت الجيوش الساسانية في ماسيدان تحت أمرة القائد (آرين بن هورفران) لقتال المسلمين، وعندما علم سعد بن أبي وقاص بذلك اخبر الخليفة عمر بن الخطاب (رض) فأمره أن يرسل جيشاً بقيادة (ضرار بن خطاب) لمحاربتهم على أن يكون (عبدالله بن وهب الراسي) على ميمنة الجيش وابن الهذيل الأسدي في المقدمة، (والمضارب بن فلان العجلي) في الميسرة، فأنتصر المسلمون على الجيش الساساني وأسر آزين بن هورفران، وعندما رفض دخول الإسلام، ضرب رقبته ودخل الجيش الإسلامي ماسيدان سنة 16هـ ودعوا الناس لدخول الإسلام فأسلم البعض، أما الذين رفضوا الإسلام فرض عليهم الجزية، وهناك رواية أخرى تقول بأن أبا موسى الأشعري هو الذي فتح ماسيدان سنة 21هـ قبل فتح نهاوند، أما الرواية الثالثة فتقول أن هاشم بن عتبة هو الذي فتح ماسيدان سنة (18هـ)، وأما الرواية الرابعة فتقول أن حذيفة بن يمان هو الذي فتح ماسيدان سنة 22هـ، أما الرواية الخامسة فتقول أن سعد أبن أبي وقاص قد أرسل مكشوح المراوي على رأس جيش قوامه (10 آلاف) مقاتل لفتح ماسيدان وتم له ذلك.
يرجح البعض سبب اختلاف الروايات عن فتح ماسيدان يرجع الى هذه المنطقة قد تمردت على العرب وارتدت عن الإسلام عدة مرات مما دعا القادة العرب لشن تلك الحملات على المنطقة (أنظر المصدرين السابقين).

دخول الجيش الإسلامي مدن حلوان وترمسين (كرماشان ودينور)
يقول البلاذري في فتوح البلدان (لما فرغ المسلمون من أمر جلولاء الوقيعة ضم هاشم بن عقبة بن أبي وقاص الى جرير بن عبدالله البجلي خيلا كثيفة ورتبه بجلولاء ليكون يبن المسلمين وبين عدوهم، ثم ان سعدا وجه إليهم زهاء ثلاثة آلاف من المسلمين وأمره ان ينهض بهم وبمن معه الى حلوان، فلما كان بالقرب منها هرب يزدجرد الى ناحية أصفهان، ففتح جرير، حلوان صلحا على أن يكف عنهم، وأمنهم على دمائهم وأموالهم، وجعل لمن أحب منهم الهرب ان لا يعرض لهم، ثم خلف بحلــــوان جريـــرا مع عزرة بن قيس بن غزيه البجلـــي. ومضى نحو دينور فلم يفتحها، وفتح قرمسين (كرماشان) على ما فتح عليه حلوان، وقــدم جلولاء فأقام بها والياً عليها الى ان قدم عمار بن ياسر الكوفة، فكتب إليـــــه يعلمه، أن عمر بن الخطاب (رض) أمره ان يمد أبا موسى الأشعري سنة 19هـ، أرسل أبو موسى الأشعري، النعمان بن مقرن فمر بدينـــــور فأقام عليها خمسة أيام قوتل منها يوما واحدا. ثم ان أهلها أقروا بالجزية والخراج وسألوا الأمان على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، فأجابهم الى ذلك، وخلف بها عامله في خيل ثم مضى الى ماسيدان، فلم يقاتله أهلها وصالحه أهل سيروان على مثل.
وبهذا دانت المنطقة الكردية، بلاد الجبل ماسيدان وحلوان للإسلام، ودخل الكرد طوعاً أو كرهاً الدين الإسلامي، رغم وجود بعض الطوائف الدينية الأخرى في المنطقة، كاليهود، ومن ثم ظهور مذهب أهل الحق.

www.alitthad.com الاتحاد