الرئيسية » مقالات » التاريخ يتكلم الحلقة 51 قوات بازدار على الاراضي العراقية

التاريخ يتكلم الحلقة 51 قوات بازدار على الاراضي العراقية

نهضنا الساعة الثامنة صباحا وتناولنا الفطور في نفس البيت الذي نمنا فيه. في اليوم الخامس بدأنا السير بعد منتصف النهار، اخبرنا آمر المفرزة ودليلها الرفيق سامي بانه فقد الطريق وحذرنا من التوجه الى منطقة تواجد القوات العراقية او قوات البازدار، وهي القوات الموالية للحكومة الايرانية. فالقوات الايرانية كانت قد احتلت قسماً من المناطق الشمالية ونشرت فيها قوة عسكرية كبيرة. ها نحن بين اعداء ثلاثة: الجيش العراقي-القوات التركية-القوات الايرانية التي احتلت اراضينا منذ مدة قريبة.
هبط الظلام ولم نفلح في العثور على وجهتنا الصحيحة، الى اين سيستقر بنا المطاف؟ الرفيق سامي يجاهد في ايجاد منفذ من خلال كماشة الاعداء ووعورة تلك المسالك الجبلية والحقيقة اننا لم نكن نعلم اين نقف؟ وفي حصة من سنكون؟ سامي لا زال يقودنا الى الامام، الرفيق ابو زكي عصبي المزاج ويكتم الغضب الوشيك الانفجار، نحن هائمون على وجوهنا، نجهل ما يخبئه لنا القدر واوشك الاعياء والارهاق ان يقضيا على كل اسباب الصمود والتحدي التي نحاول التشبث بها. بعد برهة وجدنا انفسنا بين جبلين ولاحت لنا هياكل ابنية وغرف كثيرة كما سمعنا نباح كلاب ليؤكد اننا على مقربة من اناس في تلك المنطقة. اقترب سامي وقال: يجب ان نخترق الطريق من وسطهم انهم ” البازدار “. نادى الحرس ” توكي ” أي من انت؟ اجاب سامي نحن مفرزة من الديمقراطي الكردستاني قادمون من بهدينان للالتحاق بمقرنا، بدأوا يحدثوننا بالفارسية لكن لا احد يجيدها. سامي يتكلم الكردي السوراني. كنا نحن الرفيقات قد ربطنا اليشماغ (الجمداني) على رؤوسنا للتنكر ولكي لا تفتضح هويتنا النسائية. لكن تقرب منا نفر من قوات البازدار، اقتربوا منا وتمكنوا من تشخيص وجود نساء مع المفرزة. قالوا: هل انتم بيشمركة؟ طلبت منه التكلم بلهجة البهدينان. كنت انا وسامي نتكلم مع المسؤول البازداري واتباعه نائمون ولا يتحرك في المنطقة غير الحراس. الساعة الحادية عشر ليلا. اخذونا الى غرفة صغيرة تركونا ننتظر فيها، ما الذي سيحدث ونحن بدون عشاء والبرد يأكل عظامنا في وسط الكلي، بينما تلعب الريح الباردة القادمة من الشمال؟
نادوا على مسؤول الحزب الديمقراطي الرفيق احمد ولم يكن بعيدا عنهم. فلما حضر رحب بسامي واشار الى اننا رفاقه ودعاهم الى اخلاء سبيلنا للحاق بمقرنا. المشكلة هنا ليست الجوع او البرد او التعب او تلك الملابس التي اغتسلت بمياه المطر، ولكنها في مصيرنا الذي سيقرره اولئك الانفار: هل سيقتادوننا الى ايران؟ كان سامي هو الذي يتفاوض معهم ونحن ننتظره ، نترقب ما سيعود به من نتائج، هل سيفسحوا المجال لنا بالعبور؟
كان مسؤول القاعدة الايرانية يتحقق من الرفيق سامي عن سبب تواجدنا في منطقة نفوذهم في تلك الساعة المتأخرة من الليل، ولعله تبادر الى اذهانهم اننا كنا مزمعون على تنفيذ عملية عسكرية ضد قواعدهم! بعد ان تأكدوا من الرفيق سامي باننا تائهون وقد اخطأنا وجهتنا ودعم حجته الرفيق احمد الذي هو من المنطقة نفسها وقال ان هؤلاء هم رفاقنا وخوفا من ان يقعوا بايدي القوات العراقية القريبة انحرفوا ليجدوا انفسهم وسط قواعد البازدار، بعد تأكد المسؤول الايراني من صدق وحسن نوايانا سمح لنا بالعبور واشار لنا بالنهوض والمغادرة، دليلنا في ذلك الرفيق احمد الذي بدأ يفتح لنا الطريق على ضوء مصباحه اليدوي. رافقنا لمدة نصف ساعة عبر قوات البازدار المنتشرة في تلك البقعة من الاراضي العراقية. تركنا الرفيق احمد والساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، كان طريقنا الى قمة الجبل ممر وعر سلكناه حتى لاح من بعيد بصيص ضياء خافت ينبعث من قنديل. واصلنا تقدمنا نحوه واذا بعائلة لرعاة الاغنام متواجدة هناك. سألناهم عن قوات قريبة للبيشمركة في المنطقة فقالوا انه كانت تتواجد هنا خيم لهم ولكنهم رحلوا ولا نعلم الى اين؟ نهض شاب من بينهم وقال انني شاهدت اثنين منهم في هذه الديار. تملكتنا الحيرة وسط ذلك الظلام، فيما المطر ينصب علينا بغزارة والريح العاتية تعصف بنا لتذكرنا بثيابنا المبتلة وتضاعف من وطأة البرد الذي ترتعد له ابداننا المنهوكة الخائرة. الساعة الثالثة وفي الظلام الدامس ونحن نواصل السير على امل ان نجد ملجأ نلوذ به، واذا بصوت نباح كلاب وهذا مؤشر جيد على اقترابنا من منطقة مأهولة، خرجنا من صمتنا، وبدأنا نصرخ ونعبر عن سخطنا لتلك الحالة المأساوية. نحن في كردستان، موطننا، وارضنا، بينما القوات الايرانية لها حق التحكم في تلك البقعة التي احتلتها وتحاسبنا على السير او التواجد فيها! صرخ احدنا مغتاظاً: ” لعنة الله عليك يا صدام العميل في الدنيا والآخرة، فقد سهلت لهم العبور الى تلك الاجزاء من كردستان. صوت الحرس ينادينا (توكي) من انتم؟ سررنا لذلك واجبنا نحن مفرزة بهدينان! اشار احدهم الينا بالتقدم واستغرب قدومنا من تلك الجهة.
نهض الرفيق علي ورحب بنا مدركا من منظرنا الذي يرثى له ما كابدناه، وعلى الفور هيأ لنا قليلا من الخبز والمعلبات واضرم النار في المدفئة وباشرنا بتجفيف ملابسنا التي تقطر ماءً، ثم وزعنا على الخيم وكان نصيبي انا والرفيقة نادية وزوجها في خيمة واحدة. قال الرفيق علي انكم محظوظون بوصولكم هذه اللحظة فغدا كنا سنشد الرحال الى منطقة اخرى تبعد بحدود الساعتين ولكن في كلي غير مسكون سابقا. واضاف: باستطاعتكم النوم الى الثانية عشر ظهرا وكذلك اخذ حمام ايضا ولا يمكن قضاء النهار كله هنا لعدم توفر الطعام الكافي فانتم (17 فردا) ونحن 3 ويجب الالتحاق بمقرنا الجديد فهو افضل من هذا. مكثنا هناك حتى الظهر وواصلنا المسير الى هدفنا الجديد وكان هذا اليوم السابع منذ بدأنا مسيرتنا وامعاؤنا خاوية. قليل من الخبز والجبن هو غذائنا
التقيت هناك بالرفيقة بثينة شريفي، زميلتي من ايام عملنا في رابطة المرأة العراقية. كانت قادمة من سوريا، كان لقاءا حارا وحميما، لقاءا رفاقيا في ساحات النضال، نخوض معتركاته. قالت: لماذا لا تحضري مؤتمر المرأة الذي يعقد في براغ؟ ولكن كان الوقت قد ادركنا ولا يمكن انجاز ذلك، كم كنت مسرورة بلقائك يا بثينة ولا اعلم اين انت الآن؟ يا رفيقة الدرب، الف تحية لك اينما كنت، وكما التقينا في تلك الاجواء الحالكة وبدون تخطيط مسبق اتمنى ان القاك في ظروف افضل لنا جميعا. اتذكرك باعتزاز واحترام لنضالك الداخلي والخارجي.
مكثنا في لولان ايام ثلاثة دون ان نكلف بواجبات، كنا نخلد خلالها الى النوم والراحة والدفء التي حرمنا منها لفترة طويلة. كل جزء من اجسامنا يؤلمنا، البرد تغلغل في نخاع عظامي، كما ان عيوني جفت مقلتيها من قلة النوم، لقد تمكن منا المرض بسبب قساوة الظروف والطبيعة. طلبت ان التقي بالرفيق ابو عامل لاطرح عليه قضية ملحة، فاستطعت التحدث معه لفترة وجيزة (نصف ساعة) وصرح لي بانه لن نلتقي الا بعد عشرة ايام. تكلمت عن وضعي الشخصي عشرة دقائق ثم انتقلنا الى امورنا السياسية. انتقدت البيروقراطية التي تعيق تطور العمل السياسي، انها جرثومة تنخر في هيكل الحزب وتؤدي به الى الانهيار. معنوياتنا في انحسار ليس في كردستان فقط بل في عموم العراق. لقد تعايشت مع هموم المواطنين في بغداد ولمست انهم لا يعيرون ادنى اهتمام للمعارضة ولا يثقون بقدرتها على تغيير النظام. النشاط المعارض في بغداد والمحافظات التي زرتها ضعيف جدا او غير موجود، وان وجد من يعارض فهو يحرص ان يخفي ذلك ولا يمارس أي نشاط. الناس المعارضين للنظام فقدوا الثقة بقيادة الحزب التي كانت عاجزة عن تبرير الانتكاسات وتلك المحصلة من الاحباطات والتخبط الذي دفع الكثيرون حياتهم ثمنا له، والآخرون ليس بمقدورهم غير الاحتماء بتلك الاصقاع النائية في ظروف مزرية بالغة القساوة نلهث وراء سراب يلوح بعيدا في الافق، ولكن ليس امامنا بل امام تلك القيادة التي تريد ان تخلق من الوهم حقيقة.
امام ذلك السيل من الانتقادات الجارحة التي اثرت فيها غضب وحفيظة الرفيق ابو عامل، انتقدني على تلك الجرأة والصراحة غير المعهودة! وقال ان قيادة الحزب صبورة وحكيمة، وطلب عدم تكرار النقد بهذا الاسلوب، واسترسل يتحدث عن الحرب ومعاناة الحزب من التيارات اليمينية التي لم يوضحها ولا استطع تشخيصها. لم افهم في حينها ما المقصود باليمين ولضيق الوقت انتهى الكلام عند ذلك المفترق.
رجعت كئيبة الى غرفتي فانا لم اتمكن ان اضع الامور في نصابها، على العكس فالاسهم رجعت الى راميها، واصبحت انا موضع اللوم والانتقاد! ازاء تلك الصورة القاتمة لم يكن باستطاعتي التفريج عن ازمتي الا بالقراءة، بها انسى المعاناة واستطلع اراء المفكرين. وجدت كتابا للكاتب المصري محمد حسنين هيكل يتحدث عن سياسة مصر الحديثة، استغرقت قراءته كل وقتي حتى انتهت الايام العشرة، بعدها بدأت اقرأ لنجيب محفوظ. كان معنا الرفيق ملازم خضر” ابو ياس” ، كان قادما من سوريا وهو الآخر كان متذمراً بدرجة كبيرة، من الوضع الذي نحن فيه كحزب في المعارضة وكبيشمركة تقود الكفاح المسلح. استفسر عن الاوضاع السياسية والاجتماعية في الداخل ومدى ثقة الجمهور بالمعارضة وقدرتها على الاطاحة بالنظام. كانت الاجابة بلغة النقد كثيرة اذ ليس لدي غيرها، اثر تلك الاجابات القاطعة كان يشعر بالاحباط ويقول ان كلمة لا لاتفارق لسانك ابدا مما يبعث اليأس في نفوسنا، قلت له ليس من الانصاف تزييف واقع الحال، فالمجتمع يسيطر عليه النظام بمخالبه، اضافة الى ذلك فان الوضع الاقتصادي لا يشهد تراجعاً بل العكس، يكاد الفقر ان يكون معدوما. كل شيء متوفر، مئات الشركات والكارتلات الاجنبية تنجز مشاريع عملاقة، المواطن ضحية الاعلام القوي للنظام يقابله انعدام مثيله لدى المعارضة حتى ان الكثيرين يعتقدون ان ايران هي التي شنت الحرب ولم يكن امام صدام غير الدفاع عن وطنه. وبالرغم من عدم تعاطف الاكثرية الساحقة من الشعب مع النظام الا انه ليس بمقدورها ان تزحزح ذلك الكابوس الجاثم على صدورها. وللامانة التاريخية كنت اعكس وجهات النظر للذين التقيتهم من النساء والرجال في الشارع، في المحلات التجارية، عندما كنت اتحدث معهم في بغداد والموصل ودهوك المدن التي مكثت فيها وبصورة غير مباشرة على انعكاسات الحرب على مجمل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *