الرئيسية » مقالات » التدخلات في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى

التدخلات في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى

ـــ القسم الأول ـــ


مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية مبدأ متعارف عليه في العلاقات الدولية أقر من قبل المجتمع الدولي ” الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن وجامعة الدول العربية والإسلامية وغيرهم ” ونصت عليه جميع المواثيق والمعاهدات الدولية والإقليمية وأعتبر أساسا لقيام علاقات طبيعية مبنية على الاحترام المتبادل وحسن الجوار بين الدول التي تشترك في حدود مشتركة وتشكل جزء من أمن وسلام المنطقة التي تتواجد فيها وهو قانون دولي معترف به يمنع الدول من التدخل في شؤون بعضها البعض لكي لا تتخذ حجة أو ذريعة للعمل العسكري الحربي والعدوان والاحتلال. لكن هذا المبدأ المهم للغاية لم يكن بمنأى من التجاوزات والخروقات التي حدثت وما زالت تحدث من قبل دول عديدة بما فيها الدول العضوة في مجلس الأمن أو العضوة في الجمعية العامة التي تتحمل مسؤولية أمام قضية السلام والتعايش السلمي في العالم وحماية الدول الصغيرة والفقيرة من الاعتداءات والتدخل في شؤونها الداخلية لكنها وحسب مصالحها ووفق مطامح الفئات الحاكمة التي ترسم سياستها وتخطط لها قام البعض منها بالتدخل بما فيها استعمال السلاح والاحتلال العسكري. ولم يقتصر التدخل على أعضاء مجلس الأمن بل امتد إلى جامعة الدول العربية مثل احتلال دولة الكويت بعد محاولات عديدة من قبل النظام العراقي السابق للضغط والتدخل في شؤونه الداخلية.

إن التدخل غير القانوني في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى بذرائع غير شرعية ، متنوع الأشكال والأساليب ، وإن تشبث بحجج يضفى عليها طابع شرعي أو قانوني بهدف تمرير ما يراد من ورائه لتحقيق أهداف معينة ، وقد يكون التدخل سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً ، وكل جانب من هذه الجوانب لهُ قنواته وطرقه وآلياته وقاعدته التي يعتمد عليها وقد تتنوع حسب الإمكانيات والأهداف وهي أما أن تكون عن طريق أفراد متنوعين مشخصين ومدربين أو تنظيمات سياسية أو سياسية دينية أو حتى شبكات تجسسية تعمل سراً وتقدم خدمات تجسسية لصالح الدولة التي ترعاها وتستخدمها لنجاح مخططاتها حيث تباشر الضغط على الدولة أو الحكومة في البلد المعين الذي يجري التخطيط للتدخل في شؤونه الداخلية، وتتطور التدخلات في آخر المطاف إلى اعتماد طرق العنف المسلح الاغتيالات والتفجيرات أو العدوان المسلح وتحت طائلة من الحجج والمسوغات تبرر حسب الحاجة والهدف والمصلحة ، وشهد العالم على مدى سنين طويلة تدخلات من هذا النوع أسفر عنها جملة من النتائج وفي مقدمتها التدخل العسكري المباشر والإحتلال إذا اقتضت الحالة ولم تفد الأساليب الأخرى التي اعتمدت في التدخل وهذا الشيء مورس من قبل الدول الكبرى القوية التي تمتلك السلاح والمال من اجل الهيمنة والاستعمار لنهب خيرات البلدان الضعيفة ولكن الغنية بالموارد الطبيعية أو لموقعها الاستراتيجي الجغرافي الذي يخدم المخططات العسكرية بما فيها شن الحروب أو تعتبر نقطة وثوب ضد من يراد التدخل في شؤونه.

وما نحن بصدده في هذه الموضوعة فقد عرف العراق أيضا في حقبه التاريخية قبل وبعد تأسيس الدولة العراقية حالات عديدة من التدخل في شؤونه الداخلية تنوعت حسب المكان والزمان بما فيها احتلاله واستعماره من قبل الدولة البريطانية ولم يكن العراق الدولة الوحيدة التي جرى التدخل في شؤونه واحتلاله واستعماره بواسطة الجيوش الأجنبية فقد أخذت أكثرية الدول العربية نصيبها من التدخلات في شؤونها واحتلت في آخر الأمر عسكرياً وصولاً إلى تقسيمها وخلق مشاكل غير قليلة مع جيرانها بعد ترسيم الحدود بالضد من مصالحها الوطنية ووفق مصالح الدول المستعمرة ، كما جرى لاحقاً التأثير عليها أثناء الحرب الباردة بغرض ضمها للحلف مع الولايات المتحدة وأوربا الغربية وبالضد من الاتحاد السوفيتي السابق بما فيها قيام المعاهدات كمعاهدة بورت سمورث البريطانية مع العراق والأحلاف العسكرية كحلف بغداد ومحاولات التدخل في شؤون سوريا وتجهيز الجيش لشن الحرب عليها ولدعم القوى اليمينية في لبنان الذي أحبط بعد انتصار ثورة 14 تموز .

بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 وقيام الجمهورية العراقية لم تكف التدخلات في شؤون العراق لا بل ازدادت وحيكت المؤامرات الواحدة تلوى الأخرى بهدف حرف الثورة عن طريقها وإخضاعها أو الإجهاز عليها وعلى مكتسباتها، وشكلت الجمهورية العربية ( مصر ) رأس الحربة في هذا المضمار فقامت بتقديم السلاح والمال وكافة وسائل الدعم المتنوعة للقوى القومية وبضمنها حزب البعث العراقي وتسنى لهذه التدخلات والمؤامرات في نجاح انقلاب 8 شباط الدموي عام 1963 .. إن الذين عاشوا تلك الحقبة التاريخية يتذكرون جيداً الفضيحة في تصريحات البعض من قادة الانقلاب بما معناه أنهم جاءوا بقطار أمريكي ، وعلى أثر نجاح الانقلاب قاموا باغتيال قادة الثورة وقيادات وطنية ديمقراطية وعلى رأسهم المرحوم عبد الكريم قاسم وآخرين ومن الحركة الوطنية الديمقراطية سكرتير الحزب الشيوعي العراقي سلام عادل والبعض من المكتب السياسي وأعضاء من اللجنة المركزية وغيرهم وزج في السجون والمعتقلات عشرات الآلاف ومن مختلف القوى السياسية العراقية التي كانت بالضد من القوى المتآمرة والتدخلات في شؤون العراق الداخلية.

لقد عانى العراق والعراقيون بعد ذلك الانقلاب الدموي من انقلابات لاحقة ما يخطط لها مع الدوائر الأجنبية ودول الجوار أو من خلال التدخلات غير المباشرة ولكن بدعم مادي ومعنوي وهو ما شجع جناح عفلق ـ البكر ـ صدام بالتعاون مع ضباط في القصر الجمهوري والمخابرات المعروفين بعدائهم للقوى الوطنية والديمقراطية في نجاح انقلاب 17 تموز 1968 والمضي في طريق التدخل في شؤون دول المنطقة وبخاصة العربية.

وما يذكره التاريخ أن الفترة التي أصبح فيها صدام حسين رئيساً للجمهورية بعدما أزاح أحمد حسن البكر وثلة من قيادة حزبه ، بأنها تميزت عن الفترات السابقة ولا سيما الحرب العراقية الإيرانية والاتهامات المتبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية ومحاولات الجمهورية الإسلامية الجديدة من تصدير الثورة إلى البلدان المجاورة، ثم ما نتج عن سياسة النظام العراقي من المحاولات العديدة للتدخل في الشؤون الداخلية للأردن وسوريا وآخرها احتلال الكويت وشراء الذمم ودفع الرشاوي وكوبونات النفط للغرض أعلاه بالتعامل مع بعض الدول العربية ..

الحديث قد يتشعب فيما يخص التدخل في الشؤون الداخلية وفيما يخص النظام السابق وما نحن بصدده في القسم الثاني :هو الكشف عن التدخلات الإيرانية بعد سقوط النظام ومحاولاتها لتأزم الأوضاع الداخلية لأهداف تخدمها وتخدم مصالحها وسياستها الداخلية والخارجية ، وتدخل إيران في الشؤون الداخلية قد يختلف عن التدخلات الاعتيادية المتعارف عليها لأنها أي إيران استغلت استمرار الحرب العراقية الإيرانية وفي أثنائها آوت الهاربين والبعض من المعارضة السياسية الدينية وساهمت وهو ليس بالسر المخفي في تأسيس أحزاب ومنظمات على أساس ديني طائفي وزودتهم بالمال والسلاح لمعارضة النظام السابق حتى يوم إسقاطه وفعلاً لعبت هذه الأحزاب والمنظمات السياسية الدينية أدواراً مميزة في التنسيق مع السياسة الإيرانية ودعمها ودعم توجهاتها وأفكارها مما جعل الكثير من المحللين السياسيين والمتابعين لا يميزونها عن الأحزاب والمنظمات الإيرانية أصلاً لا بل اعتبروها موالية لإيران وان ادعت أنها عراقية مستقلة عن السياسة الإيرانية الرسمية

ـــ يتبع ـــ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *