الرئيسية » مقالات » مآل البلطجة السياسية

مآل البلطجة السياسية

في فجر الثلاثين من كانون الثاني عام 2006 وعشية السنة الجديدة، تم تنفيذ حكم محكمة الجنايات العليا العراقية التي قضت بشنق المجرم صدام حسين بعد ان تحققت التهمة الموجهة له بالابادة الجماعية. إنها المرة الاولى في عالمنا العربي التي يعاقب فيها واحد من ابرز رموز البلطجة السياسية، إن لم يكن ابرزهم، ويلقى مصيره على هذا النحو المثير وبعد محاكمة عادلة استمرت لشهور عديدة. وهذا هو مصير البلطجية ومآل البلطجة مهما طال التجبر والتدمير والبطش.
فهذا الرجل كان الابرز وله كسب السبق في ترويج نهج البلطجة السياسية خلال نصف القرن الماضي في العراق. فقد كان صدام حسين اول من قام بعملية اغتيال سياسي بعد اسابيع من اندلاع ثورة 14 تموز 1958 ضد احد اقربائه وهو الكادر الفلاحي الشيوعي الحاج آل سعدون. ثم توج نشاطه البلطجي الارهابي في المشاركة في اغتيال الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم في صيف عام 1959. وابتدعت هذه الزمر البلطجية بعد ثورة تموز تقليعة وحشية غير إنسانية تتمثل في تطهير مناطق في بغداد وبعض المدن العراقية ممن يشك في ولائها لهذه الزمر. وعلى هذا النحو تم إغتيال العامل البسيط عزيز سوادي في الكرخ وكل من فِهر نعمان الاعظمي وممدوح الآلوسي في الاعظمية، علاوة على المئات ممن تم إغتيالهم لاحقاً في الموصل والرمادي وكركوك ومدن عراقية أخرى وتهجيرهم في داخل العراق او الى خارجه تماماً كما يحدث وبشكل اقسى واوسع حالياً في تطهير لمناطق في بغداد ومدن أخرى على يد نفس البلطجية من انصار النظام السابق واعوانهم الارهابيين العرب او الميليشيات المسلحة التي طلت علينا بشرورها بعد انهيار النظام. وبعد ان هرب هذا الرجل الى مصر واحتُضن من قبل المخابرات المصرية، لم يتردد في دق ابواب وكالة المخابرات الامريكية كوسيلة لتعزيز مكانته وتطوير بلطجته على الساحة العراقية. وبعد انقلاب شباط المشؤوم، المدعوم من قبل المخابرات المركزية والساواك الايراني ودول التخلف و”غير التخلف” العربي، تولى القيام بإدارة اجهزة التعذيب المشينة في قصر النهاية ومواقع التعذيب الاخرى، وبادر هو الى ممارسة التعذيب شخصياً ضد اخلص الوطنيين العراقيين وتقطيع اوصالهم واغتصاب الاسيرات منهن في قصر النهاية وغيرها. لقد كان صدام ضمن ذلك الفريق المتوحش في قصر النهاية والذي اشرف على تصفية الشخصية الوطنية الشهيد سلام عادل، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي. وقد وصف احد شهود العيان حال الشهيد في قصر النهاية آنذاك قائلاً:” لقد شوه جسده ولم يعد من السهل التعرف عليه، فقد فقئت عيناه وكانت الدماء تنزف منهما ومن أذنيه ويتدلى اللحم من يديه المقطوعتين ورش الملح والفلفل فوق جسده المدمى لزيادة آلامه”. واستمر هذا البلطجي على هذا النهج الوحشي حتى بعد انهيار حكم البعث في نهاية عام 1963، حيث كانت اول مبادرة له هو تشكيل جهاز ارهابي من فريق من البلطجية والشقاوات من امثال جبار الكردي ورهطه، وسمي هذا التجمع البلطجي بجهاز حنين الذي حددت مهمته الاولى في اغتيال اي خصم له او من ينتقده بما في ذلك داخل حزب البعث والتمهيد للقيام بالعمليات الانقلابية المريبة.
واتخذ هذا المنحى من البلطجة بعداً مدمراً بعد ان بادر هذا الانسان الشاذ واعوانه الى القيام بأنقلابهم الذي سموه “بالثورة البيضاء” في تموز عام 1968. وكانت اول مظاهر النزعة البلطجية لهؤلاء هي صفة الغدر التي اتسموا بها منذ الساعات الاولى من نجاحهم في السطو على الدولة وما فيها. فتم اقصاء حلفاء لهم في هذه العملية المشبوهة ثم اغتيالهم لاحقاً في المنافي. واستمر مسلسل الغدر ليطال رموز من هذا التيار القومي في العراق فجرى تصفية حردان التكريتي ونصبت المشانق لمن تسلقوا على اكتافهم بحجة التجسس والعمالة والدفاع عن فلسطين. ان سمة الغدر لدى هذا البلطجي لم ترحم حتى اعوانه ومن ائتمنهم في الحزب، حيث بادر الى تصفية ثلث قادة حزبه من أمثال السامرائي والحمداني ومحجوب وعايش الذي امر صدام بقطع لسانه، وفارقوا الحياة اثر التعذيب ولكن صدام حسين امر بإجراء مراسيم الاعدام بعد ان اخرجت الجثث من الثلاجة وهي مجمدة في عام 1979. وفرض هذا الرجل على اقرباء الضحايا ان يشاركوا بأنفسهم في اطلاق النار على هذه الجثث الميتة المجمدة كتعبير عن الولاء للحاكم والالتزام بمبدأ البلطجة. ولم يحترم هذا الطاغية، جرياً على صفة الغدر فيه، اي اتفاق او عهد داخلي او خارجي. وهكذا ارسل المفخخات الى المرحوم البارزاني لتصفيته في الوقت الذي كان مفعول اتفاقية آذار سارياً والمباحثات جارية لتذليل الصعوبات امام تطبيقها. ولم يتردد هذا الشاذ لحظة واحدة عن استمرار اسقاط واغتيال الشيوعيين العراقيين ونصب المشانق لهم وهو في حالة تحالف معهم في ما سمي آنذاك بالجبهة الوطنية والتقدمية!!. وفي الوقت الذي كان يضع بصماته على اتفاقية الوحدة مع المرحوم حافظ الاسد فإنه، وهو الغارق في الغدر، لم يكف عن مطاردة انصار الاخير في العراق او مطاردة كل من يساند هذه الاتفاقية من البعثيين العراقيين الى ان اجهضها وازاح وقتل كل من باركها ثم اعلنها حرباً شعواء و مفخخات ضد السوريين. إن انصار البلطجة السياسية يوقعون على كل المواثيق الدولية حول احترام حقوق الانسان وتحريم التعذيب وتحريم الابادة الجماعية ومنع استخدام سلاح التدمير الشامل ومنع انتشار السلاح النووي واحترام المواثيق الموقعة بين الدول او مع الامم المتحدة ، الا ان كل هذه التعهدات ما هي الا حبر على ورق حيث يطبق ما هو عكس ذلك حرفياً.
لقد ابتدعت البلطجة السياسية في العراق في ظل البعث اساليب لم يعهدها العراق وحتى العالم في البطش بالآخرين ومعاقبتهم. فتنفيذ عقوبة الاعدام وبدون قضاء لا تجري في اقبية خاصة في السجون، بل حسب مزاجهم السادي، إذ تحولت الى كرنفالات للموت في الساحات العامة وسط تهليل القادة والاتباع بهذ الهمجية المشينة. كما ان تنفيذ هذه الاحكام لم تطبق عبر الشنق او الرمي بالرصاص، التي يعدها البلطجية ضرباً من الترف او التخلف، فطوروا اساليبهم لتشمل تفجير الضحايا بالديناميت او قصفهم بالسلاح الكيمياوي او التسميم بالثاليوم أو دفن الضحايا في حفر جماعية وهم بين الحياة او الموت او القذف من الطائرات او الرمي من خلف الضحايا كما كان يحدث على جبهات الحرب العراقية الايرانية من قبل فرق الموت.
ومن صفات البلطجية انهم لا يفطنون الى وجود الدين والخالق الا عندما يقعون في فخ ومخمصة لا يستطيعون الخلاص منها. ففي اوج تراجع قواته الغازية اثناء الحرب مع ايران فطن الافندي الى ضرورة كتابة عبارة “الله اكبر” على علمه علها تسعفه في التحرر من ورطته، وهو الذي لا يعرف الدين بل وعاقب على شاشة التلفزيون وامام الملأ عضو القيادة القطرية طاهر العاني الماثل الآن امام محكمة الجنايات العليا الخاصة بالانفال بكونه يذهب الى الجامع يومياً كي يؤدي الصلاة. وفي اثاء حربه العبثية مع ايران كان ينتهز فرصة حلول شهر رمضان كي يخاطب خصمه عن ضرورة وقف القتال في الاشهر الحرم تمسكاً بالقيم الدينية وهو الذي قام بمغامرته المدمرة ضد ايران في 12 من ذي العقدة وغزا الكويت في 11 من محرم وكلا هذين الشهرين هما من الاشهر الحرم لدى المسلمين والتي يحرم فيها رفع السلاح. ومن المهازل ان يحتج “عاشقي صدام” بعد اعدامه هذه الايام على توقيت التنفيذ في اول ايام العيد متناسين انه لم يعر طوال حملات التصفية والعدوان أهمية لهذه المقدسات ولم تكف ماكنة الموت الجهنمية التي يديرها عن الفتك بمئات الالاف من العراقيين في الاشهر الحرم ولن يتردد في تصفية الاطفال والنساء وكبار السن الذين حرم الدين الاساءة لهم.
إن قائمة البلطجة السياسية تطول وتطول وتحتاج الى مجلدات لتشمل كل العبث بممتلكات الدولة والمواطنين، والاستهتار بالقوانين وتجاهلها بما فيها القوانين التي يصدرها الدكتاتور بمفرده، وتحويل نتائج الانتخابات الصورية الى محصلة هزلية حيث يفوز البلطجي بجميع اصوات العراقيين بما فيهم الموتى منهم والضحايا. هذا ناهيك عن الدمار الروحي والاخلاقي والقيمي الذي سنحتاج الى أجيال وأجيال كي يتم علاجها والتي انتقل فيروسها حتى الى المعارضين الذين اكتووا بلهيب هذه البلطجة السياسية.
ان طي صفحة على هذا الرمز المشين لا يعني بأي حال من الاحوال تصفية مظاهر البلطجة السياسية سواء في العراق او خارجه، حيث ان لهذا النهج جذور إجتماعية واقتصادية وفكرية ومريدين ويلقى الدعم له اقليمياً ودولياً مما حوله الى اخطبوط يعرقل اي مسعى لنقل العراق وبلداننا بأجمعها الى دائرة الدول العصرية التي تحترم فيها الشعوب ويسود فيه القانون وحكم الشعب وينبذ فيها العنف والجهالة. إننا لو نتابع ردود الفعل على اعدام الطاغية وما انحدرت اليه اجهزة الاعلام لأصبنا بالذعرن من حجم الافلاس والكارثة التي تخيم على عقول هذه الامة وعلى تخبط غالبية مثقفيها الذي راح البعض يدون القصائد التي تحول الجلاد الى قديس، وبل حتى من هم يدعي انه كان من ضحايا هذه البلطجة السياسية أو معارضاً لها من أمثال مشعان الجبوري وصالح المطلك وغيرهم من رهط الطابور الخامس. لقد كشف تنفيذ الحكم عن تلك الخلايا النائمة والسرية التي كان الطاغية يستند إليها في تخريب المناخ السياسي والحركات السياسية العراقية والعربية والتنكيل بمعارضيه، حيث نرى هذه الزمر قد جن جنونها لانها فقدت من يعيلها علاوة على ان جميع هؤلاء قد فقدوا الرأس الذي كان من المؤمل ان لا يختفي الى الابد من الميدان كي يعاودوا بلطجتهم والتنكيل بالعراقيين ونهب ثروات البلاد واعادة العمل بكوبونات النفط مقابل الغذاء التي اثرت اوساطاً عربية ودولية من المرتزقة. إن التلويح بالورقة المزورة للعداء للاحتلال او ورقة الطائفية المشينة التي دأب أنصار النظام السابق التلويح بها، ما هي الا محاولة رخيصة للتستر على كل ذلك السجل الرهيب للبلطجة السياسية وآثارها المدمرة في العراق وخارجه. فلم تأتي البلطجة السياسية في العراق وغير العراق الا بدعم المخابرات الاجنبية منذ عام 1963. وهذه البلطجة هي التي تلقت الدعم من البلطجية العرب ودوائر المخابرات الاجنبية في الحروب التي خاضها النظام العراقي، وما التغيير في المواقع الا نتيجة لـ”إرتداد” الطاغية المعدوم عن إلتزاماته كما عبر عن ذلك جورج بوش الاب، وكما فعل نورييغا في بنما، تجاه أسياده السابقين الذين زودوه بكل ما يحتاج من دعم دبلوماسي ولوجيستيكي عسكري ومالي كي ينفذ جريمة الحرب العراقية الايرانية التي عادت بالكوارث على الشعبين وسهلت الطريق امام تحقيق طموحات التطرف الديني في إيران ضد العراق والمنطقة.
كلمة الى الحكومة العراقية، فهي لم تكن تحتاج الى نشر فلم مقرف عن هذا التنفيذ كي تلبي مشاعر البلطجة عند بعض العراقيين ممن تتلمذوا على ثقافة البلطجية السابقين. إن المجتمع العراقي الآن هو بأمس الحاجة الى تصفية آثار البلطجة والعنف التي استمرت زهاء نصف قرن لا تغذيتها بواجهات مذهبية فاشية جديدة بعد ان إنهارت الفاشية القومية في بلادنا. إن الرقص حول الجاني بعد موته لهو تعبير عن ان ممارسات البلطجة قد تنتقل الى الضحايا ان لم يكن هؤلاء هم ممن كانوا على درب البلطجة السابقة وتابوا على يد “السيد”. كفانا بلطجة ولنتجه الى ثقافة الدولة العصرية المتسامحة المستندة الى ارادة الشعب المستنيرة لا البدائية والدونية، دولة تحترم مثل الثقافة الانسانية بعيداً عن تقاليد الانتقام العشائرية والقبلية التي ولى زمانها. على الحكومة ان تنفذ وعودها وأن لا تتردد أحتراماً لتعهداتها بإزالة كل مظاهر التسلح غير الشرعي للبلطجية القدامى والجدد وجمع السلاح لكي يتجه العراقيون نحو بناء بلدهم وان لا يضطر العلماء والاطباء وكل ذوي الخبرة الى الهروب من البلاد.
اما اؤلئك العراقيون الذين خرجوا في الشوارع لكي يلطموا ويندبون حظهم على فقدانهم لهذا “الرمز”، فأقول ابحثوا عن الضحايا من ابنائكم ممن غدر بهم على يد البلطجية السياسية، وأن لا تلطموا على رمز فاشل جلب الكارثة للبلاد، وعليكم وخاصة الفئات المثقفة منها ان تدرك ان “مشروع البلطجة القومية او الدينية” الفاشل الذي يلوحون به الآن، هي مشاريع ثبت افلاسها ومأزقها ولم تجلب الا الافلاس للبلاد والجوع لشعبه والتفرقة والتناحر في المجتمع وتراجع روح المواطنة العراقية لتحل محلها الولاء القبلي والعشائري والعائلي والاعمام والمذهبي الذي يهدد البلاد ووحدتها بحرب لا نهاية لها. اقلبوا صفحة ايها العراقيون على ذلك الماضي البغيض وابحثوا عن السبل والطرق لمحو البطالة ومساعدة ذوي الدخل المحدود وازالة الاثار الاخلاقية السلبية السابقة واعادة البناء وتطوير القدرة الاقتصادية لمناطقهم والعراق كله بدلا من السكوت او التستر على عملية القتل والتهديم او الركض وراء سراب القتلة من المتطرفين العرب او اكاذيب فتاوى القتل والتدمير لبعض ادعياء الدين. علينا ان ندفن ظاهرة البلطجة السياسية سواء تلك التي تكرست منذ اربعة عقود والى الآن في بلادنا، وندين مظاهر مماثلة في منطقتنا سواء على شاكلة احمدي نجاد في ايران او القذافي في ليبيا.
6/12007/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *