الرئيسية » شخصيات كوردية » البعد الاستراتيجي لفكر الكادر السياسي نوشيروان مصطفى 3/4

البعد الاستراتيجي لفكر الكادر السياسي نوشيروان مصطفى 3/4

الأنتلجنسيا الكردستانية والوعي الاجتماعي في البعد الأستراتيجي
المعروف عن الأستاذ نوشيروان مصطفى أنه أحد القلة الذين يدعمون الأنتلجنسيا الكردستانية لإدراكه أن الثقافة لا تعرف الحدود القومية والعشائرية المتزمتة، وأن النضال الوطني الديمقراطي الكردستاني مبني على الوعي والممارسة الديمقراطية طبقا لقاعدة (دع ألف زهرة تتفتح). فعندما تكون الثقافة متبلورة لدى العامل والفلاح والطالب والباحث، تخرج القضية الكردية من الدائرة الحزبية والقبلية الضيقة إلى أفق أرحب وأشمل وأرسخ. وفي هذا المقام يبدو أن دعم الأستاذ نوشيروان للمشاريع التربوية والانمائية والثقافية حجر الأساس في استراتيجيته لإخراج القضية الكردية من بوتقة المعايير الشخصية والعشائرية إلى الآفاق الكردستانية ككل.
حين نتحدث عن دعم الأنتجنسيا الكردستانية وبلورة الوعي الاجتماعي، لا نعني مجرد فتح المدارس والحصول على الشهادات، وجعل خريجي الجامعات دراوشة لا يجرؤون على المعارضة، بتحريمهم من التحليل والتمحيص على أساس البحث العلمي، لأن بعض القادة الكرد يريدون منع نقد كُتاب المهجر للفساد المالي والإداري تحت حجة أنهم يسيؤون للمناضلين. ولكن أي مناضل هذا الذي يسرق وينهب تحت مظلة الحزب؟ وأي حزب هذا الذي لايتخذ الإجراءات؟ وأي قائد هذا الذي يمنع المبراة لئلا يُقَلم أو يُبَري الكاتب قلمه ليكتب بنزاهة عن فكره، وينقد ما يحدث من تجاوزات، لا من قبل الفلاح الفقير والعامل الكادح، إنما من قبل المسؤول والقائد. فالكاتب ينقد بمسؤولية من منطلق المحبة لشعبه ووطنه بعيدا عن التملق والخضوع لاحد؟
إذن لابد من ضرورة تربية النفس وبلورة الوعي الاجتماعي بالمفهوم المبَين أعلاه في خدمة المجتمع في إطار الأخلاقية الاجتماعية للكردايتي دون حصرها في دائرة عبادة الشخصية أو إطار تفضيل المصالح العشائرية أو القبلية على مصالح المجتمع والوطن.

تجارب كردية مؤلمة
يمكن هنا أن أذكر تجربة من التجارب التي قد تبدو شكلية وبسيطة، ولكنها جوهرية وخطيرة في آن واحد. فقد ساهم كاتب هذه السطور في حملة توعية في مدينة سنجار الكردستانية مع بعض الزملاء ومنهم على سبيل المثال الأستاذ عادل مراد الذي كان آنذاك رئيسا لإتحاد طلبة كردستان، والأستاذ جيا عباس الذي كان عضوا في سكرتارية الإتحاد المذكور. وكان كاتب هذه السطور رئيسا لقيادة اللجنة المحلية لنفس الإتحاد للعاصمة بغداد عام 1972-1973. وكان في الساحة حزب كردستاني واحد آنذاك وهو حزب البارزاني الخالد. وكان ذلك قبل النكسة التي كانت نتيجة فشل استراتيجيات ذلك الحزب في آذار 1975. سافرنا إلى مدينة سنجار الكردستانية بصحبة لجنة قيادية للالتقاء بالكرد الأيزيديين لغرض شرح حقيقة كونهم أكرادا أصليين، في الوقت الذي كان النظام البعثي العراقي يحاول تمويههم أنهم عرب. طلب الأخ عادل مراد الذي كان يقود الحملة، أن يعقد كاتب هذه السطور ندوة لبعض كوادر الحزب الديمقراطي الكردستاني، ولاسيما لأعضاء لجنتها القيادية المحلية في المدينة. وخلال الندوة طرح الكاتب سؤالا بسيطا وهو: ماذا تريدون ولماذا تناضلوا كأكراد؟
كان الجواب سريعا، قال أحدهم، وهو عضو قيادي: نريد ما يريده الرئيس البارزاني مصطفى. وقال الثاني: نناضل ما يناضل من أجله البارزاني.
وسألت: ماذا يريد البارزاني؟
فجاوب أحدهم: يقولون أن النفط نفطنا فيأخذه العرب منا.
فقال الكاتب: هل من أجل النفط تناضلون؟
فجاوب آخر: ليس المهم أن نعرف إنما المهم هو ما يريده الرئيس البارزاني.

هذه الأجوبة تبدو لنا مأساوية، حين لا يفهم المناضل الكردي، وهو الكادر الحزبي ماذا يريد الرئيس البارزاني؟ ولماذا يناضل الكادر الحزبي من أجل شخص بدلا من أن يناضل من أجل شعب؟ فهل إذا مات الشخص يجب أن يموت النضال وتموت الحركة التحررية الكردستانية؟ هذا الكادر يجهل فهم العلاقة الحوارية بينه وبين حزبه وقيادة حزبه إلى درجة السذاجة. كيف يمكنه أن يفهم مستقبل شعبه واستراتيجية الحركة التحررية الكردستانية بهذه العقلية العفوية؟ والأنكى من ذلك، كيف يمكنه أن يواجه العدو ليدافع عن نفسه وعن المباديء التي يؤمن بها ويضحي حياته من أجلها؟ والأسوأ من ذلك كيف يمكنه أن يحاور زميله قبل عدوه الذي قد يعيش معه ما يسمعه من أخبار ودعايات لمواجهة الأحداث؟ (يمكن مراجعة تفاصيل هذه الوقائع وعشرات الوقائع الأخرى في كتاب كاتب هذه السطور بعنوان: نظرة في التناقضات التي تحكم القضية الكردية).

لماذا تحكم هذه المأساة عقول بعض المناضلين الأفذاذ الذين يناضلون بعفوية متناهية، دون أن يفكر بعض القياديين ولو لحظة واحدة بهم أكثر مما يفكروا بمراكزهم؟ أليست هذه الحقيقة تؤكد عمق التناقضات التي تحكم تخلف الكرد في الصراعات الداخلية يوما بعد يوم، بزج هؤلاء الفقراء المناضلين في حروب داخلية لتحقيق مصالح شخصية؟

أجاد التربوي (فرايري) في قوله: “إذا لم يبدأ الأفراد أن يحرروا أنفسهم بأنفسهم في عمل جماعي، لا يمكن للقيادة أن تحررهم رغم أهمية الدور الذي تقوم به القيادة الثورية في العمل الثوري. إلاّ أن القيادة التي تحاول فرض رؤيتها على الأفراد محكوم عليها بالفشل لأنها في حقيقتها ليست قيادة ثورية إنما بديل متسلط يحل محل القاهرين”.
وهنا تبدو لنا عمق البعد الأستراتيجي لفكر الأستاذ نوشيروان، من أنه استوعب هذه الحقيقة بالشكل الذي بينّاه من أبعاد، ولا سيما في القسم الأول من هذا المقال، فأراد الإصلاح فكان الضحية. وأراد السيد جوهر نامق رئيس المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني الإصلاح فكان الضحية أيضا. وأراد السيد علي عبد الله نائب الرئيس البارزاني الأبن الإصلاح فكان الضحية أيضا وأيضا. وكثيرون أصبحوا ضحية وضحية، فما أكثر الضحايا وما أكثر تصفيق البؤساء للذين يعيشون في القصور الذهبية؟
لقد أراد المصلحون الإصلاح فأصبحوا الضحية، فما أعمق المأساة، والقصور المرمرية تزداد وتزداد، ونفاق الإعلام الحزبي وتملق الكُتاب وعبادة الأصنام في كل مكان. إذن يجب أن يعمل الكرد طبقا لمنهج، ومن أجل هدف يفهمونه، ومن خلال عملهم يستطيعون تغيير ما يصبون إليه بعيدا عن الدخول في حروب كردية كردية.

نوشيروان مصطفى والدعوة للإصلاح
قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: “ميدانكم الأول أنفسكم فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها أقدر وإن خذلتم كنتم على غيرها أعجز فجربوا الكفاح معها أولا”. إذن ماذا يمكن للكردي الذي لا يفكر في اهانة الآخرين وإن اختلفوا معه، أن يفعل مع أولئك الذين يعجزون أن ينتصروا على ذواتهم؟

ليست لدينا أزمةُ دين أو أزمة مبادئ إنما لدينا أزمة سلوك بشري لبعض الناس تجاه الآخرين. إن أمراض هؤلاء كما قال فرويد تنبع من نسيان الوجود، وهدف علم النفس هو تحطيم نسيان الوجود. لابد من العمل لإثبات الذات بين الحرائق والنيران لمواصل العمل بممارسة الإرادة كما قال رئيس الوزراء السويدي الأسبق أولف بالمه من أن “السياسة ممارسة الإرادة”. وحين يمارس الإنسان إرادته بنزاهة بعيدا عن الاهانة، وبعيدا عن التملق وعبادة الشخصية، يحقق أكثر من مجرد المقولة القائلة: “السياسة فن عمل الممكن”. فهمنغواي في رائعته الخالدة “الشيخ والبحر” يقص علينا كيف أن الشيخ الذي قرر بأرادته الحديدية أن يصطاد الحوت وهو يقود قاربه الصغير في أعماق البحر الهائج وقد أسدل الليل ستاره، لكنه نجح في صيده. إننا تعلمنا من وعينا بالتاريخ بفعل ما لاقيناه من تشرد وحرمان وعذاب وتهجير وتعريب وما شاهدناه من قتل وهدم وحرق قرى واغتصاب ووووالقائمة طويلة كيف أن (مارد) قاوم أمواج البحر وشعر أن الساحل يتقدم نحوه كما يتقدم هو نحو الساحل فوصل إلى الأمان.

الفكر والثقافة والبحث العلمي
يبدو أن الأستاذ نوشيروان مصطفى لم يفلح في تحقيق ماكان يصبو إليه بالعمل الحزبي، رغم أنه كان في قمة القيادة، فقرر أن يلجأ إلى المجال الفكري والأدبي والبحث العلمي. ويبدو لنا أن الموما إليه يدرك جيدا، وهو متضلع في المجال الفكري والثقافي، أن المثقف ليس ملزما بالحدود الحزبية، إنما ملزم بحدود الشعب، لأن المثقف ينبغي أن يكون للشعب لذلك فهو فقير، وهو يفهم أن العمل الأكاديمي في مستوى البحث العلمي يتطلب التحرر من القيود، على أساس حرية الباحث في تطبيق منهج البحث العلمي، وممارسة النقد المنهجي على كل المستويات. ((إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم)).
لايجوز للمثقف أن يكشف الأسرار الوطنية، ولا يجوز له إهانة القيادة، ولكن لابد من البحث العلمي والنقد النزيه بحق القيادة لخير الشعب والوطن في حدود الاحترام. وعليه فالبحث العلمي يرفض المهاترات والأهانات، لأن نزول الباحث إلى مستوى الإهانة يضر بالعمل الأكاديمي، ويفقد البحث العلمي منهجيته، كما يفقد الكاتب مصداقيته.
إدراك الأستاذ نوشيروان هذه الحقائق جعله يلجأ إلى ميدان الدراسات والأبحاث. فقد لعب الأدب والفكر والعلم دورا كبيرا في حياة الشعوب وثوراتها وحركاتها الاستقلالية والاجتماعية، لأن البؤس المادي ذاته لايحرك الشعوب، ذلك أن مثلث القوة المتمثل في المال، والتجسس على الشعب، والعسكرة، في أيدي قليلة من أصحاب السلطان يمكن أن يؤدي إلى إضعاف البؤس بإشباع كثير من الأفواه والبطون فترة معينة. أما مايحرك الشعوب هو الوعي بالبؤس السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسيكولوجي.

دور الكُتّاب والأدب والفكر
لقد نقل إلينا الناقد المصري محمد مندور في كتابه “في الأدب والنقد” هذه الحقيقة، بأن وظيفة الأدب الاجتماعية تصدر عن حقيقتين ثابتتين:
أولاً: إدراك العلاقة بين معنويات الحياة ومادياتها.
ثانيا: وعي الفرد بما فيه من بؤس.
عن هاتين الحقيقتين تصدر وظيفة الأدب الإجتماعية من حيث أن الأدب محرك لإرادة الشعوب. والذي لاشك فيه أن الحركات الكبيرة التي قامت في التاريخ الحديث كالثورة الفرنسية ووحدة إيطاليا وثورة روسيا البلشفية قد مهَّد لها الكُتاب بعملهم في النفس البشرية، تمهيدا بدونه لم يكن من الممكن أن تقوم هذه الحركات. ولنأخذ مثلا مسرحية “بومارشيه” للكاتب الفرنسي المسماه “زواج فيجارو” ثم روايته الأخرى السابقة على هذه، وهي “حلاق أشبيلية”. فقد هاجم الكاتب فيهما نظام الأشراف الذي كان سائدا قبل الثورة الفرنسية أعنف الهجوم، واتخذ من “فيجارو” حلاق أشبيلية الذي أصبح فيما بعد خادما للكونت “المافيفا” رمزا للشعب الثائر على عبودية الأشراف. وكانت لهاتين الروايتين أثر بالغ في التمهيد للثورة الفرنسية، حتى ألقى بمؤلفهما في “الباستيل”. ولا زال إلى اليوم “مونولوج فيجارو” في رواية “زواج فيجارو” نشيدا ضد الاستبداد.
القسم الرابع والأخير: “حال الدنيا وعذابات الناس في انعدام العدالة والمساواة”
في القسم الأخير إشارة لبعض أسباب الأستقالة التي تخص أكثر من طرف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *