الرئيسية » مقالات » انتهى (صدام ) لتتواصل عملية التغيير

انتهى (صدام ) لتتواصل عملية التغيير

لم أجد في عشرات المواقف الرسمية ومثلها في ردود الأفعال المحلية والاقليمية والعالمية وبينها العربية والاسلامية على عملية اعدام الدكتاتور العراقي صدام حسين أمرا جديدا غير متوقع خارجا عن السياق التقليدي أو ملفتا للنظر مستثنيا فقط مواقف كل من الرئيس الامريكي جورج بوش وفرنسا وانكلترا واستراليا والكويت الذين أعطوا الحدث حقه مراعين حرمة واستقلال قرار الحكومة العراقية المنتخبة ديموقراطيا ومعتبرين ذلك قضية عراقية وطنية من الصميم .
تباينت المواقف الرسمية بشكل خاص وجزء من قراءات التيارات السياسية خارج السلطة عامة ليس في المضمون فحسب بل في الشكليات أيضا والتي توزعت بين ” الاستهجان ” والاستغراب ” والأسف ” والادانة ” أو اعادة الموضوع ” لمؤامرة ” أو خطة أمريكية ” ففي حين غابت النظرة المبدئية الشفافة الى درجة العدم لمسنا ضروب المزايدات القوموية – الاسلاموية ناهيك عن الانتهازية والتي توحدت على مشترك واحد : الانطلاق في تقييم اعدام الطاغية من مصالح وحسابات ذاتية وليست عراقية وطنية وهذا هو المقتل ومصدر التشكيك في صدقيتها , معظم الأنظمة والحكومات العربية التي انتهجت هذا السبيل كانت ممن تنسج علاقات الانصياع الممزوجة بالخوف مع النظام العراقي المخلوع عندما كان في أوج عزه وتقدم له – الخوة – عنوة من السعودية الى الامارات مرورا بقطر ليس ذلك فحسب بل أنها هي من طلبت بالحاح من الرئيس الأمريكي بوش الأب بالتخلي عن الكرد والشيعة خلال انتفاضتهما بعد تحرير الكويت ووقف زحف الجيش الأمريكي باتجاه بغداد والاكتفاء بخيمة صفوان باذلال النظام وعدم اسقاطه ليس حبا فيه بل خوفا من التغيير الديموقراطي الذي يحصل الآن في العراق وليس مضمون تقرير بيكر – هاملتون الا جزء من ذلك الارث المشين كما أنها وقفت الى جانب النظام حتى اللحظة الأخيرة قبيل سقوطه مقدمين له طوق النجاة بعدد من السيناريوهات منها تنصيب ابن الدكتاتور قصي أو أحد القادة البعثيين مقابل التأمين على حياة الطاغية واسرته والذي جوبه منه بالرفض القاطع .
الآن يتكرر المشهد ذاته فبدلا من اعتبار ماحصل شأن وطني عراقي واحترام قرارات وخيارات مؤسسات البلد القضائية والتشريعية والتنفيذية والاستعداد لتقديم الدعم والمساندة لانجاح مشروع المصالحة الوطنية الهادف الى تحقيق الأمن والسلام وتعزيز وحدة العراق ولا نقول تهنئة العراقيين بدلا من ذلك نراهم يبحثون عن أعذار للتشكيك بشرعية اعدام الطاغية ولم يجدوا – لسوء حظوظهم – سوى كونه حصل في أول أيام العيد وليس ذلك الا امعانا في رفض العهد العراقي الجديد والممانعة في رؤية وقبول ما جرى ويجري من تغيير جذري هائل في بنية النظام السياسي وماحصل من انتخابات شرعية وقيام البرلمان والحكومة والمؤسسات اضافة الى هدف شرير أساسي غير معلن وهو تسعير الطائفية والمذهبية في بلاد الرافدين تارة عبر وسائل الاعلام وخاصة الفضائيات المستولى عليها من جانبهم والتي تقوم بالدور الأخطر في تهييج المشاعر عنصريا ومذهبيا ( آخر التقليعات هو اعتبار الدعم الأثيوبي للحكومة الشرعية الصومالية حربا مسيحية على الاسلام !) أو باستقبال رموز الطائفية والارهاب في عواصم بلدانهم وتقديم الدعم المالي والتسهيلات اللوجستية لهم والتي تذكرنا بما قدموه سابقا لطالبان ولمعظم المجموعات الارهابية التي تنشط الآن في لبنان وفلسطين والصومال والسودان وذلك بدلا من دعم قوى الاعتدال العراقية وما أكثرها , وأمام هذه الحقائق المريرة هل يمكن لأي منصف ادانة نظام آيات الله في طهران بتدخلهم السافر في شؤون العراق وجلب المآسي لشعبه واعفاء الآخرين من مسؤولية الفتنة ؟ وهل يمكن رد الموقف الاسرائيلي الملتبس والمنطلق من مصالحها تجاه الحدث العراقي والحدث السوري المنتظر ( تفضيل نظام بشار الأسد على بديل شرعي ديموقراطي مرتقب ) والسكوت عن مواقف الآخرين المماثلة من حيث المبدأ ؟ فماذا يعني سيل التهديدات بالقتل وعظائم الأمور ضد الحكومة العراقية الصادرة من المسؤول البعثي العراقي من دمشق أو اعتبار النظام الحدث با ” المؤلم والمفجع ” في وقت يزعم فيه قادة النظام الاستبدادي السوري أن العلاقات مع العراق اعيدت وفي حالة تطوير وتعزيز على نفس منوال التعامل المضلل مع الملف اللبناني .
كل ما يبث ويذاع وينشر من مواقف ناقصة وذرائع وشكوك وفتن يجب أن لا تحجب الحقائق الثابتة عن أعين الوطنيين ودعاة التغيير والاصلاح وحقيقة الحدث العراقي تتلخص في أن ماحصل هو وضع حد قانوني – دستوري – شرعي لشخص الطاغية من جانب العراقيين ومؤسساتهم بعد حوالي اربعة أعوام من اسقاط نظامه الاستبدادي وتصفية منظومته السياسية الأمنية وبعد أن أرسوا دعائم العملية السياسية الديموقراطية في العراق الفدرالي الجديد ومهما خرجت الأصوات النشاز من هنا وهناك ( وهي خافتة هذه المرة على أي حال ) ومهما حاول البعض عن سوء نية أو غيره في اضفاء الطابع الطائفي على الحدث في داخل العراق وخارجه علينا جميعا التمسك بالمحتوى السياسي للمسألة وهو أن ما حصل ليس الا جزء من المعركة السياسية الفاصلة على امتداد الشرق الأوسط بين الأغلبية في صفوف شعوبنا التي تنشد التغيير الديموقراطي والاستقراروالتحرر والخلاص من الاستبداد والظلامية والارهاب والعنف الأعمى من جهة وبين مجموعات تضم محورنظامي الاستبداد في دمشق وطهران ومن يسير في ركابه من جهة أخرى وليس من شك أن القصاص وعبر المحاكمات المعلنة وبهذا الشكل القانوني الفريد الذي يحصل للمرة الأولى في تاريخ العراق والشرق الأوسط من أكبر طغاة عصره يشكل رسالة واضحة الى كل المستبدين الطغاة حتى الصغار منهم بأن لامفر من ارادة الشعب وأن التغيير حاصل لامحالة وأن ما سقط في بغداد هو نفسه ( نهجا وسياسة وممارسات وطغاة ) الآيل الآن للسقوط في دمشق وعبر المحاكم الدولية والوطنية وفي هذا المجال على معسكر ” الاعتدال ” في الأنظمة العربية أن يحسم أمره نهائيا وأن لايتردد كما هوحاصل الآن أمام الحدث العراقي وكما هو متوقع أمام أحداث لبنان وفلسطين وسورية .
ان ما يحزن حقا أمام عظمة المعاني السياسية للحدث العراقي ضرب البعض على وتر المذهبية ومحاولة اظهار المسالة كانتقام لاهل – الدجيل – ذي الأغلبية الشيعية وغدا سيدق هؤلاء على وتر العنصرية عندما تقضي محاكمات الأنفال على البقية الباقية من المتورطين في جرائم ضد الانسانية متناسين أن أصحاب القضيتين هم الركن الأساسي في بناء العراق الحديث المتسامح التعددي الفدرالي ويشكلون الأغلبية الساحقة من النسيج العراقي وأن أخطر ما مارسته الدكتاتورية في العراق خلال أكثر من ثلاثة عقود هو تهديد وحدة المكون العراقي الوطني عبر القتل الجماعي والفردي والتمييز ( العنصري والمذهبي ) ضد شعب كردستان وأبناء الطائفة الشيعية الكريمة وجزاء هذا العمل لن يكون بأقل من ازالة النظام ادارة ونهجا وفلسفة وسياسة ورموزا وهذا ما يحصل الآن عبر الشرعية والقضاء العراقيين .