الرئيسية » مقالات » أزمة الأخلاق في السياسة الأمريكية تجاه شعوب الشرق الأوسط

أزمة الأخلاق في السياسة الأمريكية تجاه شعوب الشرق الأوسط

منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية وابتداء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي ، ولإفرازات و مستلزمات الحربين و على التوالي ، غض النظر عن ابسط القيم الأخلاقية في التعامل مع شعوب الشرق الأوسط من قبل هذين القطبين العالميين ، وكانت (( مكافحة الديمقراطية )) في منطقنا الهدف المشترك الوحيد بينهما ، فمن اجل تحقيق مبتغيهما هذه برزت الحاجة الملحة لساسة أذكياء يتمتعون بكل شئ عدى الأخلاق ، لذا أصبحت مقولة ميكافيلي (( الغاية تبرر الوسيلة )) العبارة التي تعّلق في مكاتب أولئك الساسة ، علما بأنهم كانوا يمتلكون مواهب فكرية خلاّقة ، إن لم نقل كونهم مفكرين حقيقيين ! ، يستلهمون جل أفكارهم من حقب ماضية وبدايات الاستعمار القديم للشرقيين الأدنى و الأوسط ، وخاصة من معالجات ! الاستعمار البريطاني لمشاكلها مع شعوب مستعمراتها .

بنيت ورش عمل كبيرة في واشنطون و موسكو لتزوير الحقائق وتسفيه ذاكرة الشعوب والافتراء على التاريخ وخلق عراقيل جيوبوليتيكية وتشجيع الأفكار العنصرية وبعث الروح الشرير لتصارع الأديان والطوائف ، و تخدير المجتمعات بالأكاذيب المنسوبة إلى تلكم المعتقدات ، والتآمر ودعم الانقلابات العسكرية ، وخنق الاقليات القومية و ألاثنية والدينية والمذهبية ، والتشهير بمفكري المنطقة .. و كل ما يتصل بقاعدة (( فرّق تسد )) الاستعمارية ، لعدم تكاتف الشعوب وتقرير مصيرهم المشترك بعيدا عن هيمنة تلكما القوتين العظميين ، إضافة إلى قيامهما بتقسيم المجتمع الواحد بين يمين رجعي طفيلي متخلف ويسار طوباوي عبثي متطرف ، فخلال نصف قرن من الزمن توقفت عجلة التطور الطبيعي للفكر البشري عندنا ، علما بان ذلك الفكر كان أسير الاستبداد العثماني قبلها ، لذا انحرفت كافة المفاهيم الإنسانية عن معانيها الأخلاقية وانقلبت إلى مبادئ ! مدمرة تسحق المجتمعات و تلوث الحياة بسموم فتاكة ، تزرع الموت بنوعيها (( الفيزيائي و المعنوي )) في شرقنا الأوسط ، مما أدت إلى تشويه الإنسان وتهدم فكره وكبح طاقاته وتحّطم نفسيته ، التي أدت بدورها إلى تهتك تراث الشعوب ليتحولوا إلى تراتيل دينية كاذبة وأناشيد وطنية فجة و طقوس قبلية بليدة ، من أهدافها الغير معلنة ، إزالة المختلف عن الوجود ، واستغلال المرأة والطفل واضطهاد الاقليات ، لحساب مجتمع شمولي ذكوري أحمق يطمس أبسط الحقوق الإنسانية ناهيك عن القومية والدينية والمذهبية و الفكرية ، للآخرين .

تناطح القطبان على أشلاء منطقتنا وجندا حثالات مرتزقة بأسماء و مسمّيات شتى لقيادة ( الدول ) الوليدة في الشرق الأوسط ، ببرامج سياسية و دينية و تربوية مجردة من الخلق القويم ، لغسل أدمغتنا وحشوها بمعلومات متناقضة بعيدة عن الواقع و العلميّة لحساب الجهل و انفصام الشخصية ، ونشر الدعارة الفكرية العنصريّة .

استغل القطبان مأساة الشعب العبري للتخلص منه كشعب قائم في الغرب وعادوا به لمواجه الويلات على ارض أجداده ، كالمستجير بالرمضاء من النار ، وصوروا للعرب على أن (المغول) قد أتوا ثانية لاحتلال ديارهم في فلسطين ! ، كأنها دولة قائمة منذ الأزل ، ولم تكن يوما ضيعة من ضياع آل عثمان . بذرا الكراهية بين الشعبين الشقيقين اللذين لهما الكثير من المشتركات ، كالأصل الواحد والعيش المشترك و الحضارة المشتركة ، منذ أربعة آلاف عام على أراضي أماكن عديدة في شرقنا بل في مكة نفسها ناهيك عن فلسطين ومدينتها المقدسة (( أورشليم ـ القدس )) . حَصرا أحلام عشرات الملايين من فقراء العرب باستعادة عشرات الكيلومترات المربعة التي جعلوها واقع دوليا و مناطحة للصخر ، لتشعر الجماهير العربية بالذل و الإحباط وتفوق الدولة العبرية . من جهة أخرى دعما التطرف الديني و العنصري اليهودي ليشتتوا الفلسطينيين ، كأن المقسوم لهذا الشعب الواحد
أصلا أن يعيش نصفه في المنافي دائما و أبدا ، بدلا من بناء وطن في (( فلسطين ـ إسرائيل )) يكون مفخرة للتعايش المشترك بين أمم شرقنا .

دعما شاه إيران القبور في إسقاط جمهورية كوردستان الديمقراطية (جمهورية مهاباد) ، و جعلوه شرطيا للخليج (( الفارسي ـ العربي )) ، وأججوا الروح العنصرية الفارسية على حساب شعوب إيران الأخرى من كوردية و اذرية و عربية و بلوجية وغيرها ، ليحكمهم بالحديد و النار و أمروه بالقضاء على حركة جنوب كوردستان التحررية ضد سلطة البعث النازي عن طريق عرّاب السياسة الأمريكية حينذاك (( هنري كسنجر )) . ولكن بعد بروز أنياب الشاه كثيرا ، خلعوا ذلك العميل كأي حذاء قديم و جلبوا عبد الله الخميني بالطائرة من فرنسا ليرش ( بركاته ) على رؤوس الكورد و الأقوام الإيرانية الأخرى ، و يحقق أهداف البيت الأبيض في مكافحة الديمقراطية بنظامه الثيوقراطي الطائفي المتخلف ، و ليقف ندا لحكام آل سعود وشيوخ المحميات النفطية ، و لضمان عدم تكاتف شعوب المشرق وعسكرة المنطقة شحذوا عضلات صدام ليجر إيران إلى حرب مدمرة ، و بتمويل أمريكي ـ سوفيتي لوأد آخر ما تبقى من آمال الشعوب وخاصة بعد تجهيز دكتاتور العراق بالسلاح الكيماوي الحاسم في توازن المعركة على حساب بنات و أبناء الكورد و الشيعة على طرفي الحدود العراقية ـ الإيرانية وفي جبال كوردستان و اهوار جنوب العراق ، إضافة إلى انفلة عشرات الآلاف من شابات و شباب الكورد في (( حملات الأنفال )) السيئة الصيت .

أما تركيا السد المنيع للمد الشيوعي ، برروا و أيدوا ساسة واشنطن جرائم جنرالات الأتراك بحق القوميات الغير تركية عامة و الكورد خاصة ، وسخروا الشعب التركي للقيام بأدوار متكبّرة عنجهية ، و استشعروه بحداثة تواجده في المنطقة لضمان إخلاصه لسادته في البيت الأبيض . ويعتبر الآن المجتمع التركي المشوّه ، الطاقة العنصرية الأولى في الشرق الأوسط بل في العالم ، بحيث يصعب تفريغه منها في الوقت الحاضر على الأقل ، وما (ديمقراطية ) نظام الإرهاب التركي! إلا ماكياجا سميكا لوجه دستور قبيح ، و إن مقاليد الدولة الفعلية بأيادي الأعداء الحقيقيين للديمقراطية و المجتمع المدني ألا وهو الجنرالات الطورانيين العنصريين .

غيبا دور الشعب الكوردي ، واعطيت له أدوار ثانوية ، موحين للآخرين بأنه شعب خائن وعميل ل (( إيران والعراق وسوريا وتركيا والسوفييت وأمريكا وإسرائيل )) ! ، كلما قام بثورة أو انتفاضة أو احتجاج على الرغم من التقسيم الجائر لوطنه وحرمانه حتى من حق التكلم بلغته ناهيك عن الدراسة و التعّلم بها ، ولحد ألان في تركية ( الديمقراطية ) و إيران ( الإسلامية ) وسورية ( التقدمية ) عدى الجزء المحرر من جنوب كوردستان .

إن ساسة القطبين إثناء الحرب الباردة ، عملوا المستحيل من اجل منع المبادئ الديمقراطية عن الظهور في الشرق الأوسط ، الذي كان في بداية تلك الحرب القذرة ، متخلفا أصلا لخروجه للتو من سيطرة الحكم العثماني البغيض التي دامت ستة قرون ، استغلوا جهلنا و تخلفنا ليمارسوا ابشع الجرائم تجاه تراثنا الإنساني الغني و قيمنا و حضارتنا المشتركة . ان أولئك الساسة حطموا الروابط الأخوية بيننا نحن العرب و الترك و الكورد و الفرس و العبريين وبقية شعوبنا ، لحساب عصابات من العسكر و حفنات من الشيوخ يأتمرون بأوامر من البنتاغون و الكرملن سابقا ، محسوبين علينا بل يقودون ( دولنا ) منذ أجيال ، في مماليك و متجمهرات عسكرتارية بأسم الأوطان ! ، و ما هي في الحقيقة إلا سجون كبيرة ل( مواطنين ) مغسولي الأدمغة لا هم لهم سوى التعبد للخالق و المخلوق و الهتاف لعنصرية قوميته و دينه و طائفته و عشيرته ، و الانخراط في جيوش سادية و ( شعبية ) لذبح المختلف قوميا و دينيا و طائفيا ، كما جرى و يجري في العراق و تركية و … .

ولكن …. بعد انتهاء تلك الحرب ( الباردة ) بين العملاقيين ، بمصرع أحدهما و خروج الآخر بجروح مثخنة ، تنفس المجتمع الدولي الصعداء ، ومن ضمنه مجتمعنا الشرق أوسطي أملا في التخلص من ماسي تلك الحرب التي دفعنا فيها الكثير ، ولم تكن لنا فيها ناقة و لا بعير ، وخاصة بعد ان تعهدت سيدة العالم الجديدة ، بدمقرطة أنظمة شرقنا ، لتقود عصر العولمة و الثورة المعلوماتية و تقارب الشعوب و الأمم و مكافحة التعصب و التطرف و الجمود العقائدي ، بمحاربة الإرهاب لتقود العالم إلى عصر الديمقراطية و الانفتاح و الشفافية و اضمحلال حدود الدول ، لينهل بنات و بني البشر من ثقافات الأمم مجتمعة ، وكنا ننتظر من ساستها القدماء طلب الاعتذار من شعوبنا ، و ليكن تذرعهم بمستلزمات الحرب آنذاك سببا مقبولا ! نتقبّلها منهم و المسامح كريم في كل الأحوال .

ولكن يبدو إن سماسرة الحرب أولئك ، على غيهم قابعين و أخذت حالة الاستمرارية تجرفهم إلى اسفل السافلين ، فرفضوا الدخول في دور العجزة ليستغفروا فيها ما تبقى من عمرهم الرذيل ، بل بالعكس تماما ، فبعد ان دافعوا جل عمرهم الوظيفي عن صدام و أمثاله ، ترأسوا الوفود الأمريكية إلى العراق و رفعوا تقريرا إلى حكومة بلادهم ينصحون فيها بتطبيق استراتيجيتهم القديمة ! ، ضاربين مصداقية دولتهم و رئيسها بعرض الحائط .

إن الكذب عند هؤلاء دهاء سياسي! و عدم الأخلاق من صفات القائد الفذ! فبرأيهم يجب أن يتصف بها الرئيس الحالي جورج بوش أيضا .

عندما رأينا رامزي كلارك بثوب المحاماة ، يدافع عن صدام ، وهو الوزير الأسبق لوزارة العدل الأمريكية ، آمنا بأعراض مرض الخرف ، واثلج صدورنا حالة طرده من قاعة محكمة القرن ، من قبل القاضي العادل رؤوف عبد الرحمن ، و لكن نتساءل من أمريكا و ساستها الجدد . إن كان هذا المأفون لا يمثلكم ، أليس السيد جيمس بيكر و العقل المتبقي في رأسه يعتبر من العقول النيّرة لديكم!؟ . و إلا ، كيف تسمحون للانفسكم التشرف بترؤسه وفد ممثلي شعبكم!؟ . أم ، اننا سنقع ضحية صراع حزبيكم يا ترى؟.

بكل أسف سمعنا عرّاب (( اتفاقية الجزائر الخيانية )) هنري كسنجر يهلهل أيضا لرديفه بيكر ويبارك مسعاه ، وصرح بوجوب إعادة حكم العسكر إلى العراق ألان ، كوصفتي باكستان و تركية سابقا و اشاد بديمقراطيتهما حاليا !! ، وكأن مفهوم الديمقراطية لديه هو إجراء الانتخابات فقط ! وتبديل رؤساء الوزارات من بلند إلى ديمرل إلى بلند إلى ديمرل إلى.. لحين الممات ، والعسكر قرر و يقرر أولا و أخيرا ما قدم و ما هو آت في تركية .

الهدف الجديد القديم لبيكر و أعوانه واضح جدا ، وهو الاعتماد على المرتزقة منا وسحب جيوش بلاده إلى وطنهم ، لنقاتل بالنيابة عنهم أعدائهم حاليا وأصدقائهم سابقا الإرهابيين الإسلاميين! .

ننتظر ما تقررها البيت الأبيض في العام الجديد ، لكي نسير على ضوء قراراتها ! ، وهذا هو الخطأ الفادح ، فيجب أن يكون للعراقيين استراتيجيتهم و قراراتهم التي لا رجعة فيها ، كمسألة تفعيل الدستور و تطبيق الفدرالية و تشكيل الأقاليم و رسم حدودها و تطبيق المادة 140 من الدستور خلال هذا العام و بحذافيرها ، دون أية مساومة أو تراجع أو تأخير ، ورد أقوى على تقرير بيكر ان فعّلت أو لم تفعّل ، لإرسال إشارة واضحة إلي أمريكا و تبليغها بفداحة الخطأ القاتل إن اعتمدت على دبلوماسية ساستها المشرفين على الموت .

و الطلب من الحكومة الأمريكية الاعتذار من شعوب الشرق الأوسط عن ممارسات دولتهم خلال النصف الثاني من القرن المنصرم ، وليست العودة إلى نفس الممارسات اللاأخلاقية تجاهنا عن طريق أمثال بيكر و هاملتون و الجناح الذي يمثلانه في الكونغرس الأمريكي والسلطة التنفيذية الحالية أيضا ، إن أرادت كسب مصداقية جديدة لها لدى شعوب عالم (( الشرق الأوسط )) الجديد .

هشيار بنافي

برلين

27.12.2006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *