الرئيسية » مقالات » البعد الاستراتيجي لفكر الكادر السياسي -نوشيروان مصطفى 2/4

البعد الاستراتيجي لفكر الكادر السياسي -نوشيروان مصطفى 2/4

الكلمة مسؤولية
الكلمة مسؤولية فكرية وأدبية قبل أن تكون مسؤولية شخصية، فعندما يتحدث المرء عن تخطيط البعد الأستراتيجي للأستاذ نوشيروان مصطفى لايعني أنه يخطط للسيطرة السياسية على دفة الحكم، إنما يخطط لسيطرة الشعب على مقاليد الحكم، من زاوية ثقة الشعب بالقائد الذي يختاره. ولعل من المفيد أن يفهم كل كردي لبيب سر تقدم التنظيم المدني وقيادته في الانتخابات الكردستانية حتى أصبح أكثر التنظيمات الكردستانية شعبية في الساحة الكردستانية مؤخرا. وهذا التقدم والزخم الجماهيري العظيم حول التنظيم والقيادة مرجعه هذا الفهم لإرادة الشعب، وهذا الاحترام لآراء الجماهير في ضرورة النقد النزيه البعيد عن المهاترات والشتائم. وهذا التوجيه المعنوي الجماهيري بالتربية على النقد العقلاني الضروري لمعرفة الأخطاء التي ترتكبها القيادة، ولتدريب الجماهير على التعبير عن الرأي. وكل هذه الممارسات تدخل في إطار احترام الكلمة، ونقل الكلمة باعتبارها مسؤولية فكرية وأدبية تخرج عن دائرة الشخص لتشمل دوائر المسؤوليات الاجتماعية في المجتمع، ولتحدد بوضوح استراتيجية الكوردايتي كإطار للأخلاقية الاجتماعية التي لا تقبل المساومة على الثوابت والأساسيات الكردستانية.

لا قدسية للقادة
يجب أن نقر أن القيادات الكردستانية، جميعها وبدون تمييز ليست منزهة من الأخطاء. والقياديون من أولهم إلى آخرهم يخطؤون كما يخطأ كل إنسان، لكنهم يعملون، ومن خلال عملهم وقيادتهم للشعب تأخذ الجماهير موقفها منهم. أما الذين يألهون ويقدسون القادة ويضربون هالة من القدسية والعصمة عليهم، فليذهبوا إلى البحار العميقة ويغسلوا آثامهم، لأنهم يخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا القادة، ولأنهم لا يفكرون بالشعب إنما بالمال والفخفخة والتقرب من موائد السلطان، فسحقا لهم.

الصراحة كل الصراحة أن التملق والتقديس لا يحرر كردستان، إنما العمل والمسؤولية والديمقراطية وممارسة الحرية والنقد العقلاني النزيه، لأن الحرية لا تكتسب إلاّ بالعلم والمعرفة والنضال. ويجب أن يكون هذا النضال مقترنا بالتمييز بين الخطأ والصواب في إطار سلطة الشعب بعيدا عن السلطة العشائرية والقبلية وأخلاقية عبادة السلطان.

الكوردايتي إطار الأخلاقية الاجتماعية
ماهي القوة الأعظم في المعادلة الكردستانية مستقبلا ضمن نطاق البعد الأستراتيجي لفكر الاستاذ نوشيروان مصطفى؟ كيف يمكن للشعب أن يقبل قائدا لايفكر بنفسه بقدر ما يفكر بالشعب؟ ولا يتباهى بقوة عشيرته بقدر ما يتباهى بقوة الجماهير؟ ولا يريد أن يخافه الشعب بقدر ما يريد أن يحبه الشعب؟ كيف يكسب حب الشعب فيحترمه تقديرا لبساطته وشعبيته وكرديته؟ يحبه لا لأنه ابن هذه العشيرة أو تلك، لأن كل هذه المراكز لا تساوي شيئا أمام عظمة الشعب ونُبله.
الاستاذ نوشيروان يُقدر القائد الرمز مام جلال، وهو فوق كل ذلك ينقده أيضا ولا يتردد في نقده. وهذا يعني أنه أيضا يتعرض للنقد ويقبل النقد وإلاّ فلماذا يقبل على نفسه أن ينقد دون أن يقبل أن ينقده الأخرون؟ وهذه صفة عليا لقائد سياسي يُعَلِّم الجماهير سر قوة التقد العقلاني النزيه، إذا أراد القيادي أن يعرُف أخطاءه من خلال رأي الجماهير فيه في حدود المسؤولية الفردية الاجتماعية وفي إطار الكوردايتي. فالنقد العقلاني إذن ممارسة أخلاقية اجتماعية، يمثل تعبيرا عن الرأي على أساس أنه مسؤولية وليس هواية. لذلك يجب أن يفكر المواطن الناقد ألف مرة أن الكلمة مسؤولية، وأن النقد واجب وطني إذا كان ذلك النقد في حدود المسؤولية. أما القادة الذين يخافون من النقد النزيه الذي يصب في مصلحة المجتمع فإنهم لا يصلحوا أن يقودوا أنفسهم، فكيف يستطيعوا أن يقودوا الشعب إلى الحرية؟ وهنا لابد من فهم معنى النقد العقلاني الذي حدده الفيلسوف (كانت) أو (كانط)، كما نقله المفكر العربي محمد عابد الجابري: “العقلانية النقدية في معناها الواسع هي التعامل النقدي مع جميع الموضوعات، مادية كانت أم معنوية. التعامل الذي يأخذ بعين الاعتبار تاريخية المعرفة ونسبيتها وحضور الآيديولوجي واللاعقلي فيها أو امكانية حضوره على الدوام. إنها باختصار ممارسة عقلية تقوم على عدم التسليم بأي شيء إلاّ بعد فحصه، إنها موقف ضد التقليد”.
يستغرب المرء حين يسمع أحيانا بعض التصريحات الصادرة من رئيس أو زعيم، بما فيهم الكرد، في فعل كذا وكذا، ولكن الممارسة العملية تخالف ذلك، وكثير من تلك التصريحات ليست أكثر من غوغائية لتمويه الجماهير وخداعهم. وكم مرة ينقد الناس، حتى البسطاء منهم، في الخفاء، وفي لقاءات منفردة، تلك التصريحات بعد فترة حين يفهمون أنها ليست أكثر من حقائق تكتيكية مزيفة بعيدة عن الحقائق الموضوعية والحقائق الصافية.
ممارسة الأستاذ نوشيروان للنقد العقلاني مرده ذلك البعد الأستراتيجي لتدريب الناس في الجرأة في أن يعبروا عن رأيهم وفي أن ينقدوا ما يرونه واجبا. وواضح أيضا أن تَقَبل بعض القادة، ولاسيما الرئيس مام جلال للنقد، نابع من الوعي الاجتماعي الذي يعطي دروسا للكرد بجدوى النقد العقلاني البعيد عن المهاترات، طالما أنه يصب في خدمة الشعب الكردي، وقضيته العادلة، ولمعرفة جوانب الخطأ والصواب.
يقول ميكيافيللي (1469-1527): على الأمير أن يكون شديدا ليخشوه الناس. ولكن ميكيافيللي يقع في تناقض حين يعالج الأحداث بمنظار الواقعية، فيجعل خضوع الشعب للأمير خوفا منه، عاملا للابتعاد والتخلي عنه في حالات شن الحرب عليه من طرف آخر. ومكيافيللي في هذا الموقف يعارض تفكيره المتشدد في الدفاع عن الأمير بكل الوسائل، ليتحول إلى الاعتراف بالمخاطر التي تحيط بالأمير وسلطة الأمير حين يتحدث عن فشل إيطاليا في الوحدة وبناء المجد لأن الجماهير لم تلتف حول الأمير الإيطالي ولم ترغب في الدفاع عنه، فأصبحت إيطاليا مفككة ومبعثرة تلتهمها المصالح الدولية الأخرى. ويذكر مكيافيللي نموذج نجاح Nabis (نابيس) أمير سبارتا Sparta والتفاف الجماهير حوله في الدفاع عن الوطن حين كان محاصرا من قبل القوات اليونانية وبعد ذلك الرومانية. ولكنه انتصر على العدو الأٌقوى بإرادة الجماهير المؤيدة له. فمكيافيللي الذي كتب كتابه (الأمير) دفاعا عن الأمير، يجنح إلى الواقعية حين ينصح الأمير من أنه لا يستطيع أن يحقق النصر بدون أن تلتف الجماهير حوله. (ينظر بهذا الصدد باللغة السويدية N. Machiavelli, Fursten, Stockholm 1958, pp. 52-53).
ويمكن تعليل هذه الحقيقة أن أموال الأمير الإيطالي لم تنفعه مثلما لم تنفع أموال ملوك قصر االباستيل في فرنسا، حين زحفت الجماهير نحو القصر لتحطيم أسواره تحت راية الحرية والإخاء والمساواة. كما لم تنفع أموال شاه ايران ولا قوته، ولا أربعين ألف جندي أمريكي في إيران أمام المد الجماهيري، فهرب إلى الخارج. وكذلك الحالة مع شاوسيسكو وعيدي أمين وسوموزا وصدام حسين وعشرات غيرهم. وكثيرون أمثال هؤلاء لن ينجو من قبضة التاريخ حين يريد الشعب أن يكتب التاريخ.
هنا نأتي إلى بيت القصيد في البعد الأستراتيجي لفكر الأستاذ نوشيروان مصطفى في تجَلّيه للتأكيد على دور الشعب في الدفاع عن الوطن، وضرورة كسب القيادة لرضى الشعب، وأنه لا قيادة بدون شرعية من الشعب. فمهما تكن لدى القيادة من أموال لا يمكن الديمومة بدون أن يكون للشعب قوة مركزية في اختيار القادة، والمساهمة في السلطة وتقاسم السلطة لا مجرد على أساس الأغلبية إنما على أساس المشاركة في صنع القرار. وكل هذه العوامل لا تتحقق إلاّ في إطار الأخلاقية الاجتماعية للكوردايتي.
ومن هذا المنطلق، ومن أجل ممارسة الجماهير إرادتها، لابد من التأكيد بضرورة دخول الأحزاب الكردستانية منفردة، وليست في قائمة مشتركة، في الانتخابات الكردستانية، وأؤكد الانتخابات الكردستانية، وليست العراقية لانتخاب البرلمان الكردستاني على مستوى أقليم كردستان، ليستطيع الشعب الكردي أن يعطي قراره في اختيار التنظيم الصحيح الذي يقتنع به كمؤسسة ديمقراطية مدنية تعبر عن مصالح الجماهير حسب قناعته. إن دخول الأحزاب الكردستانية لانتخاب البرلمان الكردستاني في قائمة مشتركة على نطاق أقليم كردستان تُضعف اللعبة الديمقراطية في الأقليم، وتنفي جدوى دخول المواطنين في انتخابات الأقليم، لأنها تحرم المواطن أن يختار الحزب الذي يريده، وتجبره أن تصوت للقائمة التي تضم أكثر من حزب. هذه العملية تشجع بعض الأحزاب التي تفقد شعبيتها بحكم ممارساتها الخاطئة من التزمت بالسلطة على حساب الشعب، مدعية أنها حصلت على أكثرية الأصوات. وعليه فإن عدم ممارسة اللعبة الديمقراطية من قبل الأحزاب الكردستانية بنزاهة، تُجَرد الجماهير الكردستانية من التأثير على الأحداث والمساهمة في اختيار القادة لتبوء السلطة التي تمثل الشعب. كيف يستطيع المواطن الكردستاني أن يُصَوت لحزب معين إذا كان في قائمة مع حزب كردستاني آخر لا يريد ان يصوت له على مستوى أقليم كردستان؟ لابد من أعطاء الحق للمواطن في الاختيار أثناء التصويت لتنظيم معين يمثله ويعبر عن طموحاته، لأن المنافسة الديمقراطية مشروعة وضرورية.
أما الدخول في الانتخابات العراقية على مستوى العراق، فمن الضروري أن تدخل الأحزاب الكردستانية في قائمة كردستانية موحدة، لتستطيع مواجهة الأحزاب العراقية المؤتلفة، ولتتمكن الجماهير الكردستانية أن تبرز قوتها وثقلها على الساحة العراقية، لحصد أكبر قدر ممكمن من الامتيازات، ولتبرهن حجم قوة ونفوس أبناء الشعب الكردي في العراق.
وأعتقد أن هذا هو سر البعد الأستراتيجي للأستاذ نوشيروان في تأكيده على أن القرار للشعب عبر صناديق الانتخابات وليس على أساس الحرب الكردية الكردية أو عبادة الشخصية والقبلية والترهات التقليدية التي لا زالت تحكم المجتمع الكردستاني. فعجلة التاريخ لن تسير أبدا بشكل حلزوني إنما إلى الأمام. إننا لا نستطيع أن نخدع الجماهير إلى ما لا نهاية.
الأستاذ نوشيروان يجعل الكوردايتي إطارا للأخلاقية الاجتماعية بدلا من الفرد والعشيرة والقبيلة، باعتبار أن دائرة الكوردايتي أوسع وأشمل من دائرة الفرد والعشيرة والقبيلة، وأن دائرة الكوردايتي تشمل الأفراد والجماعات والعشائر والقبائل والمنظمات والأحزاب والجمعيات والمؤسسات الرسمية والشعبية على السواء. فالمواطنون يجب أن يشعروا بمواطنتهم بدون تمييز بغض النظر عن الانتماء العشائري والفكري والديني.
الأخلاقية الاجتماعية للكوردايه تي هي التي تقرر الممارسات الاجتماعية وليس عادات هذه العشيرة أو تلك. لأن انتماء الفرد لعشيرة معينة بمعزل عن الكوردايتي يجعل عشيرته في مرحلة أعلى من العشائر الأخرى، بل وحتى من المجتمع. ومثل هذه الممارسة تجعل من كردستان مراكز قوى متصارعة تؤدي إلى حروب داخلية لا تخدم القضية الكردية ومستقبل كردستان.
إذن ينبغي أن نؤكد على العلاقة الجدلية بين القوانين الخاصة لفكر الكوردايتي في الواقع الكردستاني والقوانين العامة للأهداف الأستراتيجية البعيدة المدى في كيفية ملائمة هذه الأهداف مع القوانين التي تحكم الحركة التحررية الكردستانية في الأبعاد العراقية والأقليمية والدولية.

كيف يمكن تحقيق ذلك؟
– الابتعاد كليا عن الحرب الكردية الكردية أو ما تسمى حرب اقتتال الأخوة.
– المساهمة الجدية في بلورة الوعي الجماهيري الكردستاني ليس على أساس قبلي أو قومي متصلب ومتعنت إنما على أساس وطني ذات إصالة في الوعي، والوعي الاجتماعي والوعي التاريخي. وأعني بالوعي كما نقله الأستاذ محمد حجازي: “طاقة ذهنية لها حضور إدراكي وجودي قادر على الاختيار أو الانتقاء النقدي. ومعرفة الصواب من رموز الواقع وأحداثه. ومن ثم فإن للوعي القدرة على أن يستشف المستقبل وأن يحس به إحساسا غامضا أو أن يوقف به إيقافا غامضا”. ويتميز الوعي بـ “القدرة على التقييم والتقدير، والقدرة على الفعل الإيجابي في تلقائية حرة”.
أما الوعي الاجتماعي: فـ “هو مجموعة الآراء السياسية والحقوقية والأخلاقية والفنية والفلسفية والدينية والمعارف العلمية الموجودة في المجتمع المعني”. (بودوستنيك وسبيركين، عرض موجز للمادية التاريخية، دار التقدم، موسكو، ص137). في حين يتكون الوعي التاريخي طبقا لمفهوم السيد حجازي في كتاب (صدام محنة الاسلام والتاريخ) من مجموعة من العوامل أهمها:
“التنشئة الأولى، أي دائرة الأسرة.
ونظام التعليم والصبغة الثقافية السائدة.
وطبيعة العلاقات الاجتماعية بين طبقات الشعب.
وطبيعة نظام الحكم، والعراقة الحضارية للأمة”.

القسم الثالث: الأنتلجنسيا الكردستانية والوعي الاجتماعي في البعد الأستراتيجي