الرئيسية » مقالات » مـن ايـن تبـد أ حينمـا تتحـدث عـن العـراق ..؟

مـن ايـن تبـد أ حينمـا تتحـدث عـن العـراق ..؟

( القيت فـي يوم التضامن مع الكرد الفيلية المصادف 16 / 12 / 2006 )


من اين تبدأ حينما تتحدث عن هذا الوطن ’ والى اين ستنتهي ان كنت ستنتهي اصلاً .

لا نهاية للحديث عن العراق ’ الحديث عنه نهر ازلي يعبر حدود الزمان والمكان مغيراً الوانه من الأزرق السماوي الرهيف حتى الأحمر الشفقي الدامي’ من بدايته الموغلة في كهنوت البدء الغامض والى نهايته الضاربة في تخوم اللأ انتهاء .

جرح راعف اتخذ شكل نبع فوار يأخذ مداده من دماء بنيه وسط لأاكتراث الأخرين حيناً وشماتتهم حيناً اخر…

هل يستحق خالق الحياة ومبدعها ان يموت ’ وهل يستأهل ان يذوي ويهلك على هذه الشاكلة وهو المربي والمانح والزكي ’ وهو صوت الحب في الحياة منطلقاً شعراً وغناء وموسيقى منذ الفيات موغلـة في البعد.. وهو منشور الضوء الباهر تتحف الناظرين حزمـة صادرة عنـه ابهى واروع من قوس قزح .

انهار وجداول وقلوب تتآلف مثلما تتآلف السواقـي .

جبال وهضاب وسفوح وسهول تكتمل في بعضها ارياف وقصبات ومدائن تحنو على بعضها ’ لغات ولهجات تتعانق وتتداخل مثل ارواح اهلها ’ بساتين وحقول وبحيرات تتداخل في بعضها اطرافاً ومواسم ’ تحلق فوقها طيور زرق جاءت اليها باحثـة عن دف تركت لأجله شمال الأرض البارد .

هذا هو العراق الذي يمكن ان يكون وهذا هو العراق الذي نريد : جنوباً وشمالاً ووسطاً وغرباً وشرقاً ’ عرباً وكرداً وتركماناً واشوريين ـ كلدانيين وارمن وكرداً فيليين .

نتوقف عند الكرد الفيليين ’ عند هذه الشريحة النبيلة الطيبة ’ وهذا اللون الرائع من لون الطيف العراقي الباهر …

ابناء مخلصون لعراقهم ’ صادقون في ودهم ’ مثابرون على حب بلادهم ’ وقع عليهم من الجور والأسى والغبن ما لا طاقـة لأنسان من لحم ودم ان يتحملـه ’ ذنبهم انهم في منتصف النسيج العراقي ’ في المركز منـه وفي القلب .. انهم في مركز هذا النسيج الذي يراد لـه ان يتمزق .

فهم كرد على صعيد القوميـة ’ مسلمون على صعيد الدين ’ وشيعة على صعيد المذهب ’ فوقع عليهم بهذا الظلم الذي وقع على الكرد مضافاً الى الظلم الذي وقع على الشيعة مضافاً الى الظلم الذي وقع على العراقيين جميعاً .

انهم كرد ’ ولكن لغتهم في البيوت هي اللغة العربية فهم بهذا حلقـة وصل بين العرب والأكراد .

انهم كرد والمعروف عن كرد العراق انهم اهل شمال البلاد ’ الا ان مساكن الكرد الفيليين امتدت من جنوب الشمال الى شمال الجنوب بل انها شملت العراق كلـه , بنوا بيوتهم على ارض العراق كله وحينما هجروا او هاجروا حملوا العراق كلـه في قلوبهم .

اخوة واشقاء من حب وحنين ونبل وقامات عالية تفتخر فيها مشاعر الصداقة واحاسيس الوداد وروافد شهامة عراقية اصيلة ’ هؤلاء هم الكرد الفيلييون العراقيون الذين مضت دمائهم بعيداً في قلوب العراقيين الذين عاشروهم وعاشوا واياهم واحبوهم وتصاهروا معهم .

لم يحملوا من العراق اموالاً وبعضهم كان من اصحاب الأموال الطائلة ’حملوا معهم المعاناة والأجحاف والذكريات المريرة ’ وكل ما من شأنه ان يجعل الأنسان غريباً وضائعاً ’ فبدلوا هذه المشاعر ليجعل الحب ’ حب العراق في قلوبهم وليتفجر الحنين اليه في ارواحهم .

انهم منابع حب عراقي بعيد وقريب مديد وازلي ’ ونحن هنا اذ نتضامن معهم ’ محتفين بأرواحهم العراقية الأصيلة مشيدين بذكرياتهم وذكراهم العذبة ’ انما نحتفي بالعراق كلـه ’ نحتفي بالحياة ’ ونتحدى الموت ’ ونحتفي بالأزل ’ ونتحدى الفناء ونحتفي بالماء ’ ونتحدى الجدب ’ نحتفي ’ ونحتفي بالشموس والأقمار والنجوم والشموع وكل مصادر الضوء ونتحدى الظلام .

اب قائل يقول :اهو زمن احتفاء واحتفال .

فنقول : انه زمن التذكر والذكرى ’ فالنجوم التي لمعت في سماء العراق بارقة متألقة نيرة لا ينبغي لها ان تغيب دون عودة ووعود . والعهود التي قطعتها الشموس على نفسها مع الجداول والأنهار ’ وهامات النخيل والشجر في وطن الضياء الأول لهي عهود صادقة لا يبددها الضباب ولا الدخان .

ربما نبدو هنا كشخص جالس على كرسي في حديقة يقلم اظافره بينما نصل حاد ينغمس في قلبه ’ فيفيض معه مدراراً على العشب والأرض .

اجل .. النصل الحاد والمسموم مغروس في قلب العراق ـ قلبنا منذ زمن بعيد ونحن نكابر الموت والأنقراض منذ زمان بعيداً ايضاً ’ لكننا اذ نقتطع لحضة خارج زمان الألم او داخله لنحتفي ونتذكر ونذكر بمن هم اهل للأحتفاء والتذكر’فاننا نقوم بمحاولة تضميد الجرح النازف او محاولة نزع النصل الحاد من القلب الجريح .

نحن العراقيين وحدنا جديرون بهذه المهمة ’ خليقون بهذا الأختيار .

نحن وحدنا بأمكاننا ان ننزع النصل المسموم عن قلبنا ونضمد جرحنا النازف .

لا ضمائر حية في هذا العالم تنتصر لنا كما ينبغي للضمير الحي ان ينتصر ’ ولا ينبغي ان نركن للوائح مزيفة لحقوق الأنسان ’ ولا يجوز ان نقع تحت رحمة ديموقراطية شاذة .

ما من احد بأمكانه ان يستدعي الشموس التي بزغت في بعيد البعيد من هناك الا نحن .

ففي قلب الفلاح العراقي الأمي جنوبياً ام شمالياً كان من شرق العراق ’ من غربه او من وسطه ’ في قلب هذا الفلاح العراقي كون كامل من المعرفة ’ وفيه من الوعي بالأنسان مالا يحمله قلب بروفسور في بلد صناعي كبير .

مخلوقات الحب والحنان وعواطف الرحمة الجياشة’ اولئكهم اسياد العالم ’ اسياد دون سوط السيد المزعوم ’ اسياد الحب ’ وبما يتمكنون من حمله من هذا الشعور العارم الجبار الساحر .

قولوا لي : اين ولد الحب اول مرة واين تغنى به الأنسان في اشعاره وادابه وفنونه ’ اقول لكم في العراق ’ لم ازل مؤمناً بالعراق .



لم ازل مؤمناً بالعـراق



لم ازل مؤمنـاً بالعراق

بالشموس المدلات فوق الضفاف

وزهو النخيل

بالزمان الذي يستطيل

ليشمل ما قبل بدء الطريق الطويل

بالمكان الذي يتحدى البداهة والمستحيل

لم ازل مؤمناً بالنشيد الجميل

تدلى من النجم صوب العراق الجميل

لم ازل مؤمناً بالسماء

التي ربطت بالضياء ليل العراق

وسالت على ارضه رافدين : ضياء وماء

لترسم في الأرض قلب السماء

لم ازل مؤمناً بالوداد العميق

ومحبـة اهلي

فيوضاً من العشق تحمل افئدة الأهل فوق رؤوس النخيل

اينا لا يميل

اذا ردد النجم اسم العراق

فباركه الله قبل ابتداء المحاق

وعند المحاق

وبعد المحاق

ايـه يا خالق الكون هذي بلادك فانظر اليها

وحطّ يديك على كتفيها

فوالله ان ضاع اسم العراق

واهل العراق

وذكر العراق

مضى ــ ابداً ــ قمر الكون نحو المحاق

وغطت غيوم ٌ سديميةٌ بأرقاب الشموس

فهن خفوت ٌ

وقلب الحياة نخيل قتيل

حدقوا في النخيل !

وكيف يهيم اذا رحل العاشقون

يهدل سعفاً ويبكي

ويرسل انآتـه في رياح الأصيل

وكيف يفيق من النوم إن رن َّ لحنٌ

وماجت مع النهر نفحات ناي

وسلوا كوكباً في اعالي الفرات

وانصتوا للجواب وقد جاء من كوكب في اعالي الفرات

وسلوا كلماتي ان سال دجلة في دمها

وسلوا من سواي

اننا خالدون

ومهما مضى الموت في غيه عائدون

لنشعل قلب الحياة بنور الحياة

ونسرج من زيت ارواحنا فرقدين

ونمنح للحب مركبة وحصان

ليبحر فوق الزمان وفوق المكان

اذا لزم الأمر

فالحب اقوى من المت

والحب اقوى من الموت

والحب اقوى من الموت

والشمس شمس العراق

برلين / كانون الأول / 2006