الرئيسية » مقالات » موجة – مشايخ الشوارع –

موجة – مشايخ الشوارع –

بداية أرى لزاما علي الاعتذار من ” أولاد الشوارع” لهذه المقارنة غير العادلة هؤلاء الذين لا أسمح لنفسي باالتقليل من شأنهم أو الانتقاص من حرمة وكرامة متساكني شوارع وأزقة مدننا وبلداتنا وقرانا فقراء كانوا أم أغنياء عاطلين عن العمل أومشردين أيتاما أو أبناء ذوات لأن الجميع دون استثناء هم جزء من مجتمعاتنا لهم حقوق متساوية وعليهم واجبات وكما هو معلوم فالعبارة قديمة وواسعة الانتشار تستخدم في الأوساط الشعبية وجدت مكانها في العقل الجمعي وحتى التراثي بين عامة الناس وترمز الى أفراد و فئات ضلت الطريق وخرجت عن المألوف الأخلاقي واخترقت القوانين والأعراف تلحق الأذى بالمجتمع وتعتدي على الممتلكات والأعراض أحيانا ولسنا هنا في معرض الخوض في السجال التاريخي الدائر في كل العصور ودرجات الخلاف والاختلاف حول مدىمسؤولية هذه الفئة المباشرة عن أعمالها قياسا بمسؤوليات الأنظمة الاستبدادية السائدة والأعراف الاجتماعية البالية والقاسية والتربية العائلية الناقصة , في مختلف الأحوال فان العبارة الدارجة تشمل أفرادا لاتربطهم آيديولوجية معينة أو فكر سياسي خاص ولاينتظمون في أطر أوخلايا ارهابية سرية تحمل أجندات محلية وعالمية مثل انتزاع السلطة أو البحث عن اقامة حكومات وأنظمة ولا يمارسون العنف كوسيلة وحيدة في تحقيق نزواتهم بالعكس تماما من طبيعة ومنهج الوجبة الجديدة من ” مشايخ الشوارع ” هذه الموجة المستحدثة الأشد خطورة والأكثر أذية الآتية من مجاهل القرون الوسطى بفكره الظلامي واسلامه السياسي المؤدلج الرافض للمقابل والمكفر للمخالف والسائر حسب المبدأ الميكيافيلي : -الغاية تبرر الواسطة – ان كانت باسم العنف – الجهادي – أوبا القتل أو التدمير أو الالغاء السياسي لافرق وذلك بهدف السيطرة على مقاليد السلطات التشريعية والتنفيذية بعد أن تلقت الدعم المالي الهائل والمتواصل من دوائر الخدمات والمهام السرية لدى جهات خارجية جلها من الأنظمة المستبدة وأقامت لها منظومات من الأجهزة العسكرية والأمنية المسلحة والاستخباراتية خارج أطر الدول الوطنية القائمة مثل حالات ( حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين وجيش الصدر وميليشيات هيئة علماء المسلمين في العراق والمحاكم الشرعية في الصومال ) كما هو حاصل أيضا في بلدان أخرى بالشرق الأوسط لسنا الآن في وارد بحثها .
واذا كانت الأطراف التي ذكرناها باتت معروفة للعالم أجمع ونزلت الى الشوارع وفي مقدمة صفوفها شيوخ ملتحون ومعممون ليس من أجل احقاق حق أو رفع مظلمة أو الاتيان ببديل أفضل وأنسب بل اندفعت في مسار آخر تشترك أطرافه بجملة من الممارسات و ” الممانعات ” والتوجهات نوجزها بالآتي :
1 – نزعة انقلابية على الشرعيات القائمة وتوجه عدائي ضد الحكومات والمؤسسات المنتخبة ديموقراطيا نتيجة العجز عن الوصول الى السلطة عبر الوسائل السلمية والفشل في ادارتها ان وصلت والامعان في اساليب التخويف والتهديد وعرض العضلات .
2 – خروج على مبادىء الاجماع الوطني واللعبة الديموقراطية التي تحدد خيوط الشد والجذب بين الأكثرية والأقلية المعارضة حسب الأصول والقوانين وانتهاك اسس الوحدة التوافقية بين مكونات المجتمع الواحد ومحاولة ضرب التوازنات بين الفرقاء شركاء الحاضر والمصير .
3 – تقديم الخدمات لقوى خارجية ونقل أجندتها لفرضها في بلدانها وبشكل خاص الارتهان لمحور دمشق – طهران الذي يجمع الكل ويقود الآن على الأرض وعبر الأموال والسلاح مجموعات ” شيوخ الشوارع ” على امتداد ساحات التوتر في المنطقة .
4 – التحرك في اطار – ممانعة – العملية السياسية الجارية وعرقلة سيرها وايقاف مشاريع التغيير الديموقراطي المنشود من شعوب المنطقة للخلاص من الاستبداد وتحقيق الحريات .
5 – عرقلة المساعي الوطنية والدولية الهادفة الى مواجهة الارهاب عبرالكشف عن فرق الموت والاغتيالات ومجرمي الحرب وقتلة الأحرار والاقتصاص لآلاف الضحايا من رجال الدولة والساسة والمثقفين المناوئين للدكتاتورية .
6 – الاعتماد الرئيسي على الديماغوجية الاعلامية والغوغاء والانفعالات الزائفة والانتصارات – الالهية – المزعومة والشوفينية القومية العنصرية تجاه الشعوب والقوميات غير العربية أمام المنطق الهادىء المنفتح المتسامح القابل للآخر والمقنع والواقعي .
7 – الانطلاق أولا وأخيرا من فكر ومصالح واحتكار الطائفية السياسية وأمرائها وأسيادها الشيوخ المتفرعة من نهج الاسلام السياسي والتوغل بعيدا في طريق تشويه العمل السياسي الوطني وحرف الصراع التاريخي عن مساره المستمر منذ الأزل بين الظلم والعدل والحق والباطل والديموقراطية والاستبداد والحرية والعبودية الى تقاتل الأديان والمذاهب وصراع الحضارات والثقافات .
8 – تهديد السلم الأهلي والوحدة الوطنية وفكرة المواطنية من الأساس ومحاولة ضرب الاستقرار وقواعد العيش المشترك بين القوميات والأديان والمذاهب .
9 – انهاك الاقتصاد الوطني ووقف التعامل بين المناطق وضرب التعاملات مع الخارج مصرفيا وتجاريا ودفع المواطنين للتوجه نحو الهجرة القسرية فتلك المجموعات تعتمد على دعم المحور الاقليمي ماليا وبالتالي لاتتأثر من الركود والجمود الاقتصادي بعكس الأغلبية الساحقة المتضررة .
10 – نشر وممارسة ثقافة الارهاب عبر الاغتيالات والسيارات المخففة والخطف والتحضير لايقاظ الخلايا النائمة من تنظيمات ومجموعات الاسلام السياسي في ساحات أخرى وما حصل في جامعات مصر مؤخرا من جانب ميليشيات الاخوان المسلمين ينذر بالخطر الشديد .
ليس من شك وبعد كل ذلك أن أمام الحركة الوطنية لشعوبنا وقوى التغيير الديموقراطي مهام وتحديات مستجدة وطارئة عليها تحملها وانجازها وفي مقدمتها تطوير برامجها النضالية لاتقان التعامل الفكري والسياسي والثقافي والشعبي مع ” شيوخ الشوارع ” وعزلهم عن الجماهير التي تنجر بعض الأحيان دون وعي الى موجاتهم الهيستيرية تحت غطاء الانتماء الطوائفي والشعارات التخديرية التي تستثمرها جماعات الاسلام السياسي في العقدين الأخيرين وبذل الجهود الثقافية والاعلامية المنتظمة من أجل التوضيح لعامة الناس وفقراء الريف والمدينة والطبقات الوسطى بأن هؤلاء ” المعارضين ! ” الجدد لا يمثلون مصالحهم ولا يعملون من أجل تحقيق طموحاتهم الاجتماعية والسياسية بل انهم من الطارئين على العمل الوطني والمفتقرين الى أية جذور نضالية تاريخية لا في عهود مقارعة الاستعمار والانتداب ولا في عهود مواجهة الاستبداد والتحولات الاجتماعية والتقدم ولا في الظروف الراهنة عصر التصدي للارهاب والظلامية وتحقيق التغيير الديموقراطي في المنطقة .