الرئيسية » شخصيات كوردية » البعد الاستراتيجي لفكر الكادر السياسي -نوشيروان مصطفى 1/4

البعد الاستراتيجي لفكر الكادر السياسي -نوشيروان مصطفى 1/4

تمهيد
لم يكن لكاتب هذه المقالة أن يكتب عن الأستاذ نوشيروان مصطفى لو لم يكن قد قدم استقالته من المكتب السياسي للأتحاد الوطني الكوردستاني في ديسمبر 2006. فقد كان يقوم بمهام الأمين العام للإتحاد المذكور في فترة غياب مام جلال رئيسا لجمهورية العراق. ترك مركزه القيادي ونزل من سلّم المسؤولية الحزبية العليا ليصبح متفرغا في المجالات الفكرية والعلمية والثقافية بمركز من مراكز الدراسات والأبحاث. من هذا المنطلق وجد الكاتب لزاما عليه أن يكتب عن هذا الكادر اليساري التقدمي الكوردستاني الذي كان في صف الكادحين والمعدمين، وأحد مؤسسي الإتحاد الوطني الكوردستاني بصحبة مام جلال منذ عام 1975.
لقد تعلمنا من التاريخ الكوردي المأساوي أن الذين يتركون العمل الحزبي والقيادي ينساهم التاريخ وتنساهم الأيام وتمحوهم الناس من ذاكرتهم. ولأن أغلب الكُتاب الكورد لايكتبون عادة عن المثقفين والمفكرين لأن المثقفين والمفكرين يعيشون بؤساء فقراء بين الجماهير في أقليم كوردستان العراق ولا يملكون خزائن الدولة ليمنحوا الكُتاب صكوك الغفران وشيكات الأموال والتقرب لموائد السلطان. ولا بد من نقد أولئك الكُتاب الذين يكتبون لقاء مال أو سلطة من السلطان، لأن الكاتب الذي يستلم مالا من السلطان لقاء مايكتب يصبح تُرسا في آلة، وأداة مسيرة في ماكنة السلطة.
إذن ينبغي أن يكتب كاتب عن الأستاذ نوشيروان مصطفى كادرا ومثقفا كورديا، لا رئيسا وزعيم حزب. وقد سبق لكاتب هذه السطور أن كتب عن الأستاذ مام جلال أيضا سلسلة من المقالات التي جُمِعت لاحقا بين دفتي كتاب مطبوع طبعات عديدة، لا من منطلق أن مام جلال رئيس حزب أو دولة، إنما من منطلق أنه كان مجدد فكر الكوردايتي (النضال الوطني الكوردي) بتجديد الحركة التحررية الكوردستانية بعد إنهيار تلك الحركة التي قادها الرئيس الخالد مصطفى البارزاني بين أيلول 1961- آذار 1975. فالكتابة عن رموز نضال الشعب الكوردي رغم بعض أخطائهم وسلبياتهم واجب حتى لاتنساهم ذاكرة التاريخ، ولكن ينبغي هنا التأكيد على ضرورة رفض الكاتب استلام أي دعم مالي أو سلطة أو جاه من القيادات الكوردستانية وغير الكوردستانية لقاء مايكتب. فالكاتب الذي يكتب لقاء مال أو سلطة يفتقد للنزاهة، وما يكتب يفقد للمصداقية. ومن هنا يكتب كاتب هذه المقالة، من أنه كاتب مستقل ترك العمل السياسي بمحض إرادته في حزب البارزاني الأب منذ فبراير عام 1983 بسبب الصراع الدائر المعادي لتراث البارزاني مصطفى في قيادة أوربا للحزب، مع القناعة أن هذا الحزب لايمثل اليوم تراث البارزاني الخالد. إذن يجب على الكاتب أن يكتب للشعب ويرفضُ أن يستلم الأموال من السلاطين والأمراء، ولا يفكر في مسؤولية أو سلطة سياسية أو حزبية يستلمها. يكتب ما يقتنع به دون أن يكون كاتب فرد أو حزب أو عشيرة. ومن هذا المنطلق أيضا يكتب الكاتب عن الأستاذ نوشيروان مصطفى الذي قدم استقالته، هذا الشهر، من القيادة العليا للإتحاد الوطني الكوردستاني.

كيف نتعرف على الكادر القيادي نوشيروان مصطفى؟
قد يستغرب القاريء الكوردي قبل القاريء العربي حين يقرأ مقالا يُكتَب عن السياسي والقيادي الكوردي نوشيروان مصطفى، لأنه ليس رجل الأضواء، ولا يحب المظاهر البراقة والتظاهر والفخفخة التي يتميز بها كثير من القادة الكورد. وعندما يراه الإنسان، يبدو له للوهلة الأولى أنه يلتقي برجل عادي وبسيط، يصعب عليه فهمه ببساطة لأنه يبدو طبيعيا واعتياديا. وعليه لا يعرفه الكثيرون من غير الكورد إلاّ عن بُعد بأنه آخر مَن يتحدث عنه الإعلام والصحافة.

لم ألتق به وجها لوجه، ولم أراسله يوما، ولم أتحدث معه نداءً، ولم أكتب عنه رغبة في المسؤوليات أو في الأموال، لأنني لا أفكر بكل هذه ولا تلك. فأنا لا أكتب عنه لأنني بحاجة إليه، وهو لا يحتاج إلى شخص بسيط مثلي لا يملك قيادة ولا مالا ليمنحه. لكني أكتب عنه لأنني أريد أن أتمرد على راحتي، وألح إلحاحا شديدا أن أتمرد على هذه الراحة لأكون منصفا مع نفسي، قبل أن أكون منصفا معه. أكتب عن قائد سياسي ومفكر لا يكتب عنه الآخرين، رغبة مني في أن أقرأ ما يكمن وراء الألوان بدلا من أن أنظر إلى الألوان.
نعم لم ألتق به في حديث مباشر، لكنني التقيت به خلال قراءتي عنه وتعَرفي عليه في بحثي لبعض كتاباته، ولقاءاتي بمعارفه، ومشاهدتي لحركاته وأحاديثه، ومن خلال فهمي لفكره وممارساته السياسية والاجتماعية، ومساهمتي في لقاءات ومؤتمرات التقيت فيها بعض الأخوة الكورد الذين تساءلوا فيما إذا كنت قد تعرفت عليه أو التقيت به يوما، وكنت أستغرب من هذا السؤال وأتساءل عن السبب، فكان الجواب غالبا، التقاء في بعض الأبعاد الفكرية والثقافية.

من هذا المنطلق راودتني الأفكار أن أدرس هذا الشخص المتواضع الذي يعبر عن بساطة الانسان الكوردي المناضل الذي يعمل أكثر من جيش من المفكرين، ولكن بهدوء وصمت وسكينة. رجل يتقد ذكاء، ويحمل فكرا متنورا، ويكتب بشكل يختلف عما يكتبه كثير من الكتاب، فهو لا يكتب من أجل الكتابة، ولا يكتب هاويا ليقرأ عنه الناس، إنما يكتب من أجل هدف، ويكتب طبقا لمنهج في الحياة. إنه يكتب لأنه يعرف لماذا يكتب، وماذا ينوي في كتاباته.

تعرفت عليه في صراحته مع نفسه ومع الآخرين، وتعرفت عليه في تضحياته في ساحة النضال الشعبي وهو أحد أركان قادة الكوردايتي (النضال الوطني الكوردستاني) ومن المؤسسين للإتحاد الوطني الكوردستاني مع رفاقه ومنهم مام جلال في دمشق في يونيو 1975. وتعرفت عليه أيضا في بساطته وتصلبه في الثوابت والأساسيات الكوردستانية، وكرهه للعظمة والجبروت. وتعرفت عليه قبل هذا وذاك لأنه لا يحب الأضواء التي يمجدها بعض القادة المرضى، فهو شعبي وبسيط في مظهره وممارساته، شديد المراس، يرفض أن يخدع نفسه ويرفض أن يقول عن نفسه مالا يقتنع به. صريح في أبعد حدود الصراحة، سواء رضي منه صاحبه أو لم يرض. وهذا يمثل عقلية الإنسان المدني الذي ينقد ويعرف النقد ويمارس النقد. فهو ينقد القادة من القمة إلى الأسفل. ومعروف عنه حين قدم رسالة نقدية برفقة أخويه كوسرت رسول وعمر سيد علي إلى الأستاذ الرئيس مام جلال، مؤكدا على القيادة الجماعية والمسؤولية الجماعية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتجاوب معه القائد الرمز مام جلال، وهما يلتقيان، وينقدان ويحكمان، ويقبلان النقد. من الشعب وإلى الشعب، ولا أحد فوق إرادة الشعب.

كاتب جيد، له فكر يمكن أن يفهمه كل إنسان، ومناور بارع، يتحدث معك حيث يفهمك فتكون معه، ولكنه يحمل في أعماقه فلسفة مبرمجة، تعرفه حين يتحدث. فكر يساري تقدمي، وحديث بسيط شيق، يسمعك ويفهمك، ويجعلك تنسجم معه وكأنك تعرفه منذ زمن طويل. لا ينظر إليك من فوق، ولعله أحد القلة من القياديين الذين يتجرؤون في الحديث معك بصراحة، فهو ينقدك ويتخذ منك موقفا لتعرف نفسك، وقد عرفك، فتحبه أخا، أو تبتعد عنه حين تشعر أنك مخادع تعجز أن تخدعه، فتتراجع إلى الوراء.

قلة جدا من الناس الذين لا يفهمونه، يعتبروه متشددا، لكن الجدية والحرص على العمل نظام عمل مبرمج يتطلب المسؤولية. والمسؤولية ليست تشددا إنما جزءا من الواجبات التي تقع على عاتق المواطن الصالح مقابل حقوق المواطنة التي يتمتع بها. إنه لا يؤمن بفكر ميكيافيللي في أن يخافه الناس، فيُقَدروه خوفا منه، إنما يريد أن يُقدره الناس لأنهم يحبوه أخا لهم. ويبدو أن عقليته المتنورة، وصراحته تجبر الكثيرين أن يحترموه. قلة جدا من الناس أيضا، ولا سيما الرجعيين المنغلقين، ينكرون فكره النير. إنه مثقف من الطراز الأول، ومفكر واثق من نفسه إلى درجة الإشفاق، لا يساوم ولا يتنازل عن المباديء، ولا يخضع للابتزاز. وفوق كل هذا وذاك إنه شديد المراس، وعنيد في التزاماته الوطنية، وقد يتخذ منك موقفا لايعرف المساومة، ويكره التملق، ولا يتعامل معك حين تكون متملقا، ولا يصادقك حين تكون مصلحيا. مواقفه ثابته، وهذه المواقف تعََرضه للنقد وأحيانا للعداء والتهجم في الخفاء.

مجرد تحليل بسيط لهذه المواقف يجعل المحلل مقتنعا أنه لا يتحرك بعفوية، إنما طبقا لبعد استراتيجي. فالتنظيم أساس العمل، والفكر وسيلة لبرمجة النشاط الديناميكي، بعيدا عن الهوس والهرج والمرج. فالناس الذين يبحثون عن المناصب وجمع الأموال يتجنبون التعامل معه، لأنه لا يهب الأموال للناس، كونه ليس جابي ضرائب، ولا خادم بيت المال، إنما عامل في معمل القضية التي يقدسها، ويعمل طبقا للبرنامج الذي يقتنع به.

ماذا يقرأ المرء؟
الحديث عن الأستاذ نوشيروان مغامرة، لأنه يختلف عن الآخرين في المزاج. ولكنني أحببت أن أقرأ عنه من زاوية تختلف عن قراءة الآخرين.
من خلال قراءتي شعرت بالحاجة إلى الكتابة عن نوشيروان مصطفى، وقد أقنعني تمردي على راحتي أن أكتب عنه لأنه أحد القلة الذين يمثلون ضمير الشعب الكوردي بكل فخر واعتزاز، بل أنه فريد في تفكيره فيما يتعلق بالبعد الاستراتيجي في مخططاته. والغريب أن قلة من الكورد وحتى من غير الكورد يعرفون حقيقة هذا البعد الاستراتيجي في تفكيره ليس لذاته ولطموحاته الشخصية، إنما لمستقبل كوردستان. إنه يذهب بفكره أبعد بكثير مما يفكر الآخرين، وبهذا لا يعالج الأحداث في نفق ضيق ومظلم، إنما يبحث القضية الكوردية في أبعد أبعاد الاستراتيجية الكوردستانية، لفهم مستقبل تلك القضية، بربط الماضي بالحاضر، وعدم فصل الحاضر عن المستقبل. ومن خلال هذا الربط الديالكتيكي المحكم في الحركة الديناميكية والعلاقة الديالكتيكية بين فهمه للماضي، وما له من مآسي وهزائم تعرضت لها القضية الكوردية، وتحليله للوقائع التاريخية، لا كهواية لقراءة التاريخ، إنما الوعي بالتاريخ، إلى الحاضر الذي يعايشه، وما يتكهن بالمستقبل الذي تنتظره القضية الكوردية. فهو بهذا لا يعيش لنفسه بقدر ما يعيش لشعبه، ولا يفكر براحته بقدر ما يفكر بحرية الشعب الذي ينتمي إليه. ولذلك فهو في كيانه يشعر بأنه أعظم من أن يكون فردا أنانيا، إنما جزءا من شعب عظيم يشعر بالاعتزاز بكورديته ونقائه الانساني، وقناعته بالفكر الذي يؤمن به لتحقيق الهدف الذي يعمل من أجله بشكل يضم الشعب كله في ضميره ومسؤوليته.

المرحلة الأولى في البعد الأستراتيجي لفكر الأستاذ نوشيروان مصطفى
كيث يمكننا في هذا الإطار فهم البعد الاستراتيجي للأستاذ نوشيروان مصطفى، بعيدا عن التملق؟ قلت أنني لا أكتب هذا المقال لمنصب أو جاه من أحد، إنما لقناعة في إسداء ما أراه واجبا لخدمة الشعب الكوردي، وليس خدمة فرد من الأفراد. فالأستاذ نوشيروان مصطفى ليس شخصا عشائريا يفكر بالحكم البطرياركي، ولذلك فهو يكره المدح، كما أنني لا أحب أن أمدح شخصا، إنما أريد أن اقول الحقيقة بالشكل الذي أفهه، وعليه حين أكتب لا أفكر فيما إذا رضي الشخص المعني أو لا، إنما رغبة مني في تحقيق الديمقراطية الصحيحة تحت قيادة كوردستانية موحدة بعيدة عن التملق واحتكار السلطة.

حين يصبح المجتمع ديمقراطيا لا يفكر الناس بالمسؤوليات الرسمية وبالمال بقدر ما يفكروا بالكرامة الوطنية. وهنا هو بيت القصيد في البعد الأستراتيجي لفكر الأستاذ نوشيروان مصطفى، وذلك بالشكل التالي.

أولا: ضرورة تجنب المواجهة العسكرية مع التنظيمات الكوردستانية لأن هذه المواجهة تنسف العملية الديمقراطية في أقليم كوردستان، ويكون الخاسر هو الشعب الكوردي نفسه. فالمواجهة العسكرية التي يسعى إليها بعض الجهات الكوردستانية تؤدي إلى تحطيم الإرادة الشعبية، وإضعاف الثقة بالقيادات الكوردستانية دون تمييز، وجعل القضية الكوردية مهزلة من مهازل التاريخ من أن الشعب الكوردي لا يعرف إلاّ العداء لنفسه، لأن قراءتنا للقضية الكوردية في العقود الماضية هي قراءة حركات عشائرية قضت على قضيتها بنفسها.
إن هذه المواجهة تعني مساهمة كافة الجهات في عملية نسف العملية الديمقراطية، مما يعني فسح المجال للقوى المصلحية المعادية للعملية الديمقراطية بالتسلط من جديد، وإرجاع القضية الكوردية إلى مرحلة ما قبل البناء الديمقراطي. لكن الرجوع إلى تلك المرحلة يُعَد انتحارا سياسيا يضر بالقضية الكوردية، ويقضي على كل الانجازات التي حققها الشعب الكوردي، وذلك باحتكار السلطة بيد القوى الضيقة الأفق، وعصابات التهريب والتجار السياسيين.

ثانيا: الحكمة في هذا البعد الأستراتيجي للأستاذ نوشيروان مصطفى بتجنب الحرب الكوردية الكوردية هي ضرورة السيطرة على الوضع ديمقراطيا ليكون الحكم بيد الشعب. فالشعب ليس عشيرة أو قبيلة أو فرد أو حزب إنما يضم كل طبقات وفئات المجتمع. والشعب يساهم في بناء ديمقراطي مدني، يكون الحكم فيه للقانون الذي يقره الشعب نفسه بعيدا عن العشائرية والتزمت الفكري والقبلية المتحكمة على رقاب الشعب.

ثالثا: الحكمة الأهم في هذا البعد الأستراتيجي للأستاذ نوشيروان، هي أن القانون يحل محل الفرد والعشيرة، ويتحول أقليم كوردستان إلى دولة القانون، ويشعر المواطنون أنهم سواسية أمام القانون، وأن المواطن الكوردي يصبح عضوا كامل النمو في المجتمع بدلا من أن يكون تُرسا في آلة. وهنا يفهم المواطن أن له حقوق يجب أن يمارسها بقدر ما يكون له واجبات يجب أن يقوم بها.

رابعا: الحكمة الأكثر بعدا في هذه الاستراتيجية هي أن أقليم كوردستان يصبح منبرا ديمقراطيا يحتل مركزا عراقيا وأقليميا ودوليا عاليا في المحافل الدولية وفي الحركة الديمقراطية العالمية، فتحظى برضى النظامين الأقليمي والدولي. وهذا أحوج ما يحتاجه الشعب الكوردي في معمعة نظام الشرق الأوسط الجديد.

خامسا: إذا نشبت الحرب بين الأحزاب الكوردستانية فإن الخاسر دائما يكون التنظيم المدني الجماهيري. فهناك فرق كبير بين التنظيمات العسكرية في ثوب سياسي والتنظيمات الديمقراطية المدنية. فالأولى مبنية على خداع الجماهير بالكلمات والرشاوى والتهديدات، أو الإبداع في الديماجوجيا من أجل السيطرة على السلطة والاحتكام إلى القوة في حالة فقدان السلطة أو الاستعداد بتسليم كوردستان إلى العدو أو السماح لقوات العدو بدخول مدن كوردستان طبقا للمقولة القائلة “ليكن من بعدي الطوفان”. بينما الثانية تهدف إلى بناء المؤسسات الديمقراطية الدستورية على أسس ديمقراطية، وضرورة قناعة الجماهير بالمساهمة في هذه المؤسسات في إطار اللعبة الديمقراطية، والقدرة على النقد العقلاني وصنع القرار، طبقا للمقولة القائلة: “نحن نستمد قوتنا من الشعب ونرسم سياستنا من ضمير الشعب”. وقد أثبت التاريخ أن النصر للشعب، لذلك فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الشعب بالالتفاف حول التنظيمات المدنية، وعزل التنظيمات العسكرية، والاحتكام إلى صناديق الانتخابات بالوسائل الديمقراطية، وبناء المؤسسات الدستورية المدنية، بعيدا عن الفردية والعشائرية والاستبدادية.

سادسا: القاعدة الأساسية الأولى في هذه المرحلة من تحقيق الأستراتيجة في عمق هذا البعد، تحقيق الأمن والاستقرار في أقليم كوردستان، وإلتفاف الجماهير الكوردستانية حول قيادتها المنتخبة والمسؤولة أمام الشعب. وإذا ما برهن التنظيم المدني الذي ينتمي إليه الأستاذ نوشيروان جدارته في هذا المضمار فإنه سيقود الشعب الكوردستاني ليصبح بحق حزب الجماهير الكوردستانية وقاعدتها الصلبة في مواجة التطورات الجديدة التي تطرأ على الساحة الكوردستانية وما حولها.

سابعا: القاعدة الأساسية الثانية هي القضاء على عبادة الشخصية، والتأكيد على الشعب أولا وقبل كل شيء، ومحاسبة الشعب للقيادة. واستحالة شراء النفوس المريضة بالمال والتهديد والترغيب.

ثامنا: إذا ما تحققت النقاط الأساسية في جوهر هذا البعد الأستراتيجي، فإنه يجب حل جميع الميليشيات الحزبية والعشائرية والدينية بالشكل الفئوي الذي يأتمر بأمر فرد أو حزب أو عشيرة. وهذه الاستراتيجية، كما أفهمها، تتطلب أن لا تكون هذه الميليشيات أداة بأيدي قوى معينة غير منتخبة من قبل الشعب، لأن دمقرطة المجتمع تتطلب سلطة الشعب، ومشاركة جميع التوجهات السياسية الشعبية في تقاسم السلطة طبقا للدستور بعيدا عن ممارسة العنف والحرب الكوردية الكوردية. ولذلك تنتفي بقاء هذه الميليشيات، وضرورة تحولها إلى أداة سياسية لخدمة الشعب في قوة عسكرية تنظمها القوانين التي أقرها الشعب لحماية الشعب. وتكون هذه القوة تحت قيادة مؤسسة مدنية ديمقراطية طبقا للمعايير الدولية، دون أن تكون خاضعة لسلطة حزب سياسي معين أو عشيرة أو قبيلة معينة.

كيف يتحقق الهدف؟
إذن تجنب المواجهة العسكرية، ونبذ حرب اقتتال الأخوة، وحكم القانون، وجعل الديمقراطية وسيلة للحكم، واعتبار الشعب مرجعية للولاء طبقا للدستور الذي يقره الشعب يدخل في حيثيات عمق التفكير الأستراتيجي لفكر الأستاذ نوشيروان مصطفى حسب ما أفهمه، بعيدا عن الأضواء والمدح والخضوع.
وهنا يتحقق الهدف في حكم القانون، والقانون فوق الجميع، والمواطنون متساوون أمام القانون، بما فيهم الرئيس والمرؤوس. ولا يمكن أن ينجو الجاني من حكم القانون، وإلا يفشل جميع خطط الاستراتيجة ويرجع المجتمع إلى نقطة البداية. وطبيعي لا يتحقق هذا البعد الأستراتيجي بصورة اعتباطية وفورية، إنما تدريجيا وعلى مراحل، وبشكل يصل الوعي الجماهيري درجة، يصبح كل مواطن مفعما بالمسؤولية، ويعرف حقوقه وواجباته، وينظر إلى الحاكم والمحكوم نظرة الأحترام على أرضية أفقية وليست عمودية.

بقية: القسم الثاني: الكلمة مسؤولية، والكوردايتي إطار الأخلاقية الاجتماعية

===========
*الكاتب مستقل/ مدير مركز الدراسات- دكتوراه فلسفة، تخصص الفكر والنقد الأدبي