الرئيسية » التاريخ » الكرد: دراسة سوسيولوجية وتاريخية

الكرد: دراسة سوسيولوجية وتاريخية

صدر هذا الكتاب في منتصف الخمسينات باللغة الفرنسية، ومؤلفه هو مستكرد ( أو مستشرق) روسي الأصل فرنسي الثقافة، عمل في الدبلوماسية الروسية في إيران في أوائل القرن العشرين، وقد توفي عام 1960وقد درس اللغات الفارسية والعربية وعمل في الترجمة والبحث في المجال الاستشراقي، وتعلم اللغة الكردية على يد الملا سعيد، وبعد الثورة الشيوعية في روسيا هاجر إلى فرنسا .


غلاف الكتاب
-اسم الكتاب:”الكرد: دراسة سوسيولوجية
-الناشر: دار الساقي وتاريخية”
-المؤلف:باسيلي نيكيتين، ترجمة وتعليق: نوري طالباني، تقديم: لويس ماسينيون
-عدد الصفحات:204
-الطبعة:الأولى 2001، 2001، بيروت، لندن

ويبدو أن الكتاب قد أعد في الأربعينات كما تشير مقدمة المؤلف التي اتبعت بملاحظة شكر تاريخها عام 1955 وأما الترجمة إلى العربية فلعلها تمت في أواخر التسعينات كما تدل تعليقات المترجم التي تتحدث عن أخبار ومناسبات وقعت في أواخر التسعينات.
وبالرغم من قدم الكتاب فإن موضوعه التاريخي والثقافي يجعله مرجعا مهما، ولا شك أن الأحداث الأخيرة قد زادت من أهمية الكتاب، وجعلت المسألة الكردية موضع اهتمام، ولعل هذا هو السبب في ترجمة الكتاب بعد حوالي خمسين سنة على تأليفه.
ويتكون الكتاب من اثني عشر فصلا حول الكرد وخصائصهم اللغوية والعرقية، وكردستان ومفهومها الاصطلاحي، والعادات والتقاليد والأنظمة الاجتماعية والقبلية والحياة الروحية والثقافية للأكراد، والحركة الوطنية الكردية.

تاريخ الأكراد
يعود الكرد في أصولهم على الأرجح إلى الشعوب الفارسية، وتختلف الدراسات في أصولهم ولابد أن شعوبا أخرى قد اختلطت بهم في تلك البلاد المليئة بالشعوب المهاجرة المتحاربة، وقد ظهر اسم كردستان أي بلاد الكرد في القرن الثاني عشر الميلادي خلال حكم السلطان السلجوقي سنجر، وقبل ذلك كانت بلادهم تسمى ديار بكر أو الجزيرة، وتمتد مناطق الأكراد اليوم في سبع دول هي: إيران وتركيا والعراق وسورية وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا، وتغلب على بلادهم الطبيعة الجبلية، حتى إنه يقال إن الكردي والجبل لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وحيثما يبدأ السهل يخلي الكردي المكان للعرب أو الترك أو الفرس، وبقدر عدد السكان الأكراد اليوم بأربعين مليون نسمة.
وتبدو حياتهم كما يصورها المؤلف في الثلاثينات يغلب عليها البداوة والارتحال الصيفي والشتوي، ويجمعون بين الرعي والزراعة، وبعضهم يقيم في قرى ومدن حضرية لكنها مراكز للقبائل الرعوية.
ويظهر كتاب “الراعي الكردي” لمؤلفه الكردي “عرب شمو” بعضا من أنماط حياتهم ومعاشهم، فهم يتجمعون في مجموعات من أربعين إلى ثمانين عائلة ويعملون على نحو تعاوني في الرعي والإدارة والحراسة والترحال، فيمضون الشتاء في القرى الواقعة في الأودية المنخفضة، فإذا حل الربيع ينتقلون إلى الجبال المرتفعة ويقيمون في الخيام، ويتحركون في خط رحلات منتظم في الذهاب والإياب على مدى الأجيال.
ويحتفي الأكراد بالربيع باحتفالات تصحب الاستعداد للرحيل إلى الجبال ويعدون الولائم لاستقبال الموسم فالمواشي تبدأ بالتكاثر ويتوافر الحليب ومعه الطعام وفرص البيع والمبادلة، وينتهي الشتاء ومعه الانتظار الشبيه بالحبس والبرد وشح الطعام، ويكون الرحيل على هيئة قافلة يقودها كبير القوم “الأوباشي” يتبعه أكبر وأجمل كبش في القطعان “نيري” وفي رقبته جرس، ويعزف كبير الرعاة على مزماره فتتحرك القافلة على إيقاع العزف، وفي أواخر الخريف تعود المجموعة إلى القرية.
وتشكل تربية المواشي أساس الحياة الاقتصادية، فهي توفر الطعام واللباس والنقل والدفاع، ويعملون أيضا بالزراعة الحقلية لتوفير الطعام والعلف، وفي بعض مناطق الأكراد توجد زراعة متقدمة، ولديهم خبرة متقدمة في الري، ويستخدمون الغابات والأعشاب البرية في صناعة الأثاث وجمع الحطب والتداوي والصباغة، ويجمعون الثلج من المرتفعات ويبيعونه في الصيف لأهل مدينتي الموصل والعمادية.
ومن صناعاتهم اليدوية النسيج والسجاد والخناجر وصناعات الجلود والمعادن والأخشاب، ولكن خبرتهم بالتجارة قليلة برغم حاجتهم لبيع منتوجاتهم وتأمين احتياجاتهم الأساسية من السلاح والقماش والطعام.
وشهدت كردستان في القرن التاسع عشر فترة من الازدهار الاقتصادي فكانت تصدر إلى المناطق المجاورة المواشي والعفص المستخرج من الغابات والحبة الخضراء اللازمة لصناعة الصابون والصوف والعسل والحرير والجلود.

تشارك النساء في مجالس الرجال ويستمع إلى رأيهن، ولا وجود للبغاء بين الكرد، حتى إن الكلمة غير موجودة أبدا في اللغة الكردية، ويتعارف الفتيان والفتيات قبل الزواج في العمل وفي الاحتفالات، ويندر تعدد الزوجات في المجتمعات الكردية، وتزعمت النساء في حالات كثيرة القبائل

فردية الكردي وطباعه
يعتبر الكرد في مناطق طوروس وبادية الشام ومابين النهرين النموذج الأمثل للكرد لاحتفاظهم بأصالتهم أكثر من غيرهم من الأكراد، وقد تكونت طبائع الأكراد كما جميع الأمم من خلال الطبيعة والمناخ والصراع مع العدو، ففي مناطقهم يتتابع البرد القارص والحر الشديد والثلوج والأمطار والأعاصير ووعورة الجبال، وهذا يستدعي قوة الإرادة والاحتمال والخيال الواسع.
ويحب الأكراد القتال والحرية، وعلمتهم الحياة أن “العالم ملك الشجاع” والنظام العشائري يوازن هذه النزعة الفردية بتعليمهم السيطرة على النفس والتضحية وأداء الواجب تجاه المجموع، وكما أن الطبيعة لا ترحم الكردي فإنه لا يرحم خصمه أيضا، وقانون الاخذ بالثأر هو الذي يحكم الصلات بين العشائر، وسريرة الكردي مستقيمة وهذا مايبعده تماما عن عالم التجارة.
وكان بعض أمراء الأكراد يتولون مهمات الحراسة والأمن للطرق والقوافل ومهام إدارية أخرى إضافة إلى الفصل بين العشائر بالتتنسيق مع الدولة العثمانية وهذا أدى إلى قيام تجمعات كردية حضرية وتنظيمات عسكرية أقرب إلى الميليشيات أو الفرق العسكرية.
يقول الباحث الأرمني هو أبوفيان (وبين الأكراد والأرمن عداوة ومنافسة تقليدية) نستطيع أن نطلق على الكرد لقب “فرسان الشرق” بكل مافي الكلمة من معنى فيما لو عاشوا حياة أكثر تحضرا ذلك أن الصفات المشتركة لهذا الشعب تتلخص في استعدادهم الدائم للقتال واستقامتهم وأدبهم وإخلاصهم المطلق لأمرائهم والتزامهم الدقيق بكلامهم وحسن ضيافتهم والثأر للدم المهدور والعداوة القبلية والصبر على السلب وقطع الطريق واحترامهم غير المحدود للنساء.

اللباس والطعام
يلبس الأكراد ملابس بسيطة واسعة تتناسب مع متطلبات عملهم، وتنم عن ذوق غزير التعبير، ويتمنطقون بالخناجر والمسدسات ويضعون البنادق على أكتافهم وفي أحزمتهم الرصاص والخراطيش، وتختلف التفاصيل في اللباس حسب القبائل والمناطق والثراء والجاه، ولا تخفي النساء وجوههن.
ويستمد أغلب طعامهم من الحليب كالجبن والزبدة واللبن المخيض والرائب، ولا يستهلكون من اللحم إلا قليلا، ويعدون طعامهم من خبز الدقيق مع الذرة والرز والتوابل والجوز، ويخزنون اللحم بطريقة “القاورما” بحمسه بالدهن والاحتفاظ به في قربة لاستهلاكة في الشتاء وعند الحاجة.

عادات وتقاليد
يعتبر الكرد أكثر الشعوب الإسلامية تفتحا في موقفهم من المرأة، وتساعد المرأة في الأعمال المكملة مثل معالجة الحليب لاستخراج الزبدة وإعداد الجبن، وجلب الماء ونقله إلى المراعي وجمع الحطب والعناية بالأطفال.
وتشارك النساء في مجالس الرجال ويستمع إلى رأيهن، ولا وجود للبغاء بين الكرد، حتى إن الكلمة غير موجودة أبدا في اللغة الكردية، ويتعارف الفتيان والفتيات قبل الزواج في العمل وفي الاحتفالات، ويندر تعدد الزوجات في المجتمعات الكردية، وتزعمت النساء في حالات كثيرة القبائل.
وللأكراد رقصة خاصة بهم تدعى جوبي يشتبك فيها الرجال بالأذرع ويقفزون في الهواء ويقودهم أحدهم وبيده منديل يلوح به وفي حلقات أخرى للرقص يمسك الرجال بأيدي النساء ويرقصون على إيقاع الموسيقى. ومن وسائل اللهو لديهم إضافة إلى الغناء والرقص المصارعة والرمي والفروسية وتنظيم المصارعة بين الثيران والكباش.

القبيلة والعشيرة
تتكون العشيرة من مجموعة من الأسر يرأسها أحد أبناء العشيرة ويساعده مجلس من الكبار يلتقي يوميا في بيت الزعيم أو خيمته، وتعتبر العشيرة الكردية عالما خاصا منطويا على نفسه، فهي منظمة دفاعية ومؤسسة تقليدية ومحافظة، ولهذا التجمع شعور بالأفضلية على ماسواه، وتحافظ على العادات والتقاليد وطريقة العيش.
ويتكون الأكراد من طبقتين، إحداهما النبلاء والمحاربون وملاكو الأراضي والمواشي، والطبقة الثانية هي الفلاحون أو العمال الزراعيون والخدم وهم أقرب إلى العبيد وهم على الأغلب من غير الأكراد ولعلهم من الشعوب الأصلية الذين تغلبوا عليهم وسخروهم.
وتقسم الطبقة النبيلة إلى خمس فئات:
1. الملا زاده: وهم العلماء وأبناؤهم وأحفادهم.
2. شيخ زاده: رجال الدين وشيوخ الطرق الصوفية.
3. بيك زاده: الأمراء والباشوات وأبناء الأسر العريقة.
4. أغا زاده: رؤساء العشائر.
5. زيوه دار: أفراد الأسر
وينسب أمراء القبائل غالبا إلى أصول عربية من آل البيت والصحابة.. ويتمتع الزعيم بسلطة قضائية وإدارية ويوقع عقوبات على المخالفين والمجرمين أقساها عند الأكراد هي النفي والطرد من العشيرة ويليها نهب الممتلكات ومصادرتها ثم الغرامة المالية.
وتقسم القبائل الكردية إلى أربعة فروع رئيسية هي:
1. الكرمانجي
2. الكلهر
3. الكوران
4. اللر
وربما يكون من الأفضل تقسيمهم جغرافيا حسب البلدان:
1. أكراد تركيا في مناطق بدليس وديار بكر ونهر الزاب وبحيرة وان
2. أكراد أرمينيا
3. أكراد العراق ومن أهم قبائلهم البابان والهموند
4. أكراد إيران ومن أهم قبائلهم مكري على ضفاف بحيرة ورمي، وأردلان وجاف والكهلر.

الأمة الكردية
ظل الأكراد جزءا من الأمة الإسلامية وكانوا يقيمون إمارات محلية وبعضها أقرب إلى الدول المستقلة وإن لم تشمل جميع الأكراد، ومن أهم إماراتهم المستقلة إمارة الشداديين وإمارة المروانيين في القرن الرابع الهجري، وإمارة ديار بكر، وبالطبع فإن أهم وأشهر إمارة كردية هي الأيوبيين التي أسسها صلاح الدين الأيوبي وكان سلطانها يشمل العراق والشام ومصر.
وقد بدأت الأمة الكردية تتبلور مع قيام الدولة الحديثة وعندما تكونت دولتان إسلاميتان مستقلتان ومتنافستان يتوزع الأكراد بينهما وهما تركيا وإيران، وبدأت الحركة الوطنية بالظهور، وقامت ثورات كردية عدة ضد تركيا وإيران بسبب الشعور الوطني والاضطهاد والتمييز الذي كانت تمارسه كل من تركيا وإيران ضد الأكراد، ومن أهم ثوراتهم: ثورة عبدالرحمن باشا بابان عام 1806 ضد تركيا، وثورة بلباس عام 1818 ضد إيران، وثورة بدر الدين خان الذي نفته تركيا إلى جزيرة كريت حتى توفي فيها عام 1818، وثورة يزدان شير بين عامي 1853 و 1855 وثورة الشيخ عبيد الله النهري عام 1880.
ثم تبلورت الحركة الوطنية الكردية في أحزاب وتنظيمات سياسية وصحف تعبر عن المسألة الكردية، ومن صحفهم في القرن التاسع عشر صحيفة كردستان التي كانت تصدر في جنيف ثم في القاهرة، وصحيفة شمس الكرد (هة دي كورد) وتواصلت ثورات الكرد وأنشطتهم السياسية بلا انقطاع ولكنهم لم يحصلوا على دولة مستقلة أو حتى حكم ذاتي ضمن الدول التي يعيشون فيها.

الحياة الروحية والثقافية للكرد
يغلبت على الأكراد الإسلام وهم سنة، وبعضهم شيعة، وبينهم أقليات يزيدية وعلوية ومسيحية ونسطورية، ويعيش بين الأكراد يهود يشتغلون بالتجارة والحرف.. ومن علمائهم المشهورين محيي الدين الخلاط في القرن الثاني عشر الميلادي، وعبد السلام المارديني أحد أساتذة الأزهر.
نشأت اليزيدية بين الأكراد في القرن الحادي عشر الميلادي وكانت بدايتها صوفية على يد الشيخ عدي أحد تلاميذ عبد القادر الجيلاني، ثم حولها أتباعه بعد أكثر من مائة سنة إلى مذهب أقرب إلى ديانة جديدة مستمدة من الإسلام والزرادشتية والوثنية والمسيحية النسطورية، ومن أهم مبادئها قداسة الشيخ عدي، وإمامة يزيد بن معاوية وإعادة الاعتبار إلى إبليس، ولعلهم لم يكونوا مسلمين ابتداء أو حديثو عهد بالإسلام.
وأما العلويون فيعتقدون بألوهية الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب، ويؤمنون بتناسخ الأرواح.. ومازالت بين الاكراد بقية من الوثنية تقدس الثعبان والحيوانات والطاووس.. ولدى الأكراد معتقدات وأساطير حول الشمس والقمر والسحر لا تختلف كثيرا عن أساطير العرب.

يمتلك الأكراد حياة ثقافية ثرية مستمدة من الفلكلور والتاريخ والأديان وتراثا أدبيا من الشعر والقصص، ويلخص اللاوك (الشعر الكردي) مزاج الأكراد المعجب بالعشق والبطولة والنبل والفروسية

ويمتلك الأكراد حياة ثقافية ثرية مستمدة من الفلكلور والتاريخ والأديان وتراثا أدبيا من الشعر والقصص، ويلخص اللاوك (الشعر الكردي) مزاج الأكراد المعجب بالعشق والبطولة والنبل والفروسية.
ومن رواد الأدب الكردي الملا أحمد الجزيري في القرن العاشر الهجري، والشاعر أحمد الخاني مؤلف أرقى منظومة ملحمية كردية وهي “مم وزين” ويعتبر الخاني (1591 – 1652) مؤسس علم صناعة الشعر الكردي وهو من أعظم ناظمي الشعر الغنائي وتعد أشعاره بمرتية أشعار الشيخ جلال الدين الرومي أحد أهم مؤسسي ورواد الصوفية، ويبدو أن الخاني قد تأثر كثيرا بالرومي، وقد أعد قاموس عروض مقفى يؤسس لعلم صناعة الشعر الكردي، ومن شعراء القرن التاسع عشر نالي (الملا خضر بن أحمد الكايلي) وكان ينظم بالكردية والفارسية والعربية، وكردي (مصطفى بيك بن محمود صاحب قران) وسالم (عبد الرحمن بن محمود صاحب قران) وماهور (الملا أحمد بن عثمان البلخي).

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *