يشار كمال

مقالات لنفس الكاتب

يعتبر يشار كمال المنحدر من أصل كردي، أحد أبرز الروائيين المعاصرين في تركيا، ولد سنة 1923 في إحدى قرى محافظة أضنة، ترك الدراسة في المرحلة الإعدادية ليعمل في مهن كثيرة بينها عامل بناء، وناطور في مزارع الأرز في منطقة تشيكوروفا. هاجر مطلع الخمسينات إلى اسطنبول.

وعمل في صحافتها، إلى أن تفرغ للكتابة في السبعينات، رغم أن محاولاته الكتابية الأولى بدأت في العام 1939 م، وتعتبر رواية «محمد الناحل» باكورة أعماله الأدبية، ثم تتالت أعماله، ومنها رواية «جريمة سوق الحدادين».

و«باب القلعة»، و«أسطورة جبل آغري»…وسواها من الروايات التي حققت له شهرة واسعة، ونال عنها العديد من الجوائز في تركيا وأوروبا، ورشح مرارا لجائزة نوبل في الآداب.

ئ؟يعده النقاد رائد ما سمي ب«الأدب الريفي» فضلا عن اهتمامه بالفولكلور، وبالأساطير، والحكايات التراثية الشعبية، ولعل هذا الاهتمام يتبدى في رواية «صفيحة» التي تستلهم أجواؤها ومناخاتها من طبيعة الحياة في الريف التركي حيث العلاقات القائمة على المكر، والخداع، والابتزاز.

ومحاولات طبقة الإقطاع خرق القوانين، وإخضاع الفلاحين، بالترغيب حينا والترهيب أحيانا، في سبيل الحصول على المزيد من المكاسب والأرباح لتزداد هذه الطبقة ثراء، فيما يرزح الفلاحون تحت نير الفقر والاستعباد.

تعتبر هذه الرواية هي الثانية في مسيرة يشار كمال الإبداعية، وقد كتبها نهاية الستينات، وتتناول طبيعة الصراعات التي شهدها الريف التركي في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي.

إذ يتخذ الروائي من قرية تركية واقعة في منطقة تشيكوروفا نموذجاً لتصوير مدى فداحة الغبن الذي لحق بالفلاحين جراء الممارسات العدوانية التي كانت تقوم بها طبقة الإقطاع التي لم تكن تراعي أي مبدأ أو قانون أو عرف سوى مراعاة الشهوة العارمة إلى المال، وتكديس الثروة، والحفاظ على النفوذ.

بهذا المعنى يمكن القول إن الرواية، في خطوطها العريضة، تعيد إنتاج مقولات تلك الحكاية التقليدية الأزلية التي تظهر الصراع بين الخير والشر، غير أن يشار كمال يمنح لروايته خصوصية تجعلها مختلفة عن تلك الحكايات التي صورتها الفنون المختلفة في ثقافات الشعوب، فالروائي هنا يسعى إلى التقاط خصوصية البيئة التركية بمفرداتها، ولغتها.

وروحها متوسلا سردا ينتمي إلى ما يمكن تسميته بـ «الكوميديا السوداء» القائمة على المفارقات، عبر وصف شديد الالتصاق بالواقع، وحوار خال من التزيين والتنقيح، وشخصيات مرسومة في قالب خاص لا يمكن العثور عليها إلا على ذلك المسرح التركي الحزين الذي يختاره يشار كمال مكانا لأحداث الرواية.

يقدم يشار كمال حكايته دون تعقيد، وهو يبتعد عن كل ما يعيق سلاسة السرد. تقول الحكاية إن رسول أفندي الضئيل الحجم، ذا الوجه الطفولي المرح، هو قائمقام، بالوكالة.

في القرية التركية الأناضولية «صاظلي درة»، وهو يرفض بشدة، رغم التهديد والوعيد من الآغوات، منح التراخيص لزارعي الأرز في المنطقة، ذلك أن زراعة الأرز مخالفة للقانون لأنها تسبب مرض الملاريا المميت، وبينما يستمر في موقفه الرافض، ويعيش في قلق حوَّل أجواء بيته الجميل الذي فرغ من بنائه للتو إلى حداد مقيم، تصل الأخبار بتعيين قائمقام جديد للقرية، هو فكرت إرمقلي.

يتنفس الآغوات الصعداء، وتبدأ الاستعدادات لاستقباله، إذ أمر مرتضى آغا باختيار أجمل بيت في القرية للقائمقام الجديد، ويذهب الوفد المؤلف من الإقطاع والآغوات لاستقباله بغرض استمالته منذ البداية، ليوقع فيما بعد على تراخيص للسماح بزراعة الأرز.

وفعلا تقدم إليه الطلبات في اليوم الأول، فيوقع عليها غير مدرك لخطورة ما يفعل، خصوصا بعد ما رأى من استقبال حافل وحاشد، وسمع مديحا ترك وقعا طيبا في نفسه.

هو شاب تخرج حديثا، ولا يعلم ألاعيب هؤلاء الآغوات، ولم يقرأ قانون زراعة الأرز، ويجهل الكثير من مشكلات الأرياف وخبث الإقطاع، ومن بين التراخيص التي منحها، ترخيص للآغا اوقتشو اوغلو صاحب اكبر مساحة لزراعة الأرز في القرية. وسرعان ما ينشب الصراع بين القرويين الفلاحين الفقراء.

وبين الآغا الذي حصل على الترخيص وبدأ بالري، لتقوم قيامة القرية عند منتصف الليل «الكلاب تنبح، والحمير تنهق، والخيول تصهل، والعجول تخور، والناس يتصايحون. كأنها نهاية زلزال»، فيضطر رسول أفندي إلى إخبار القائمقام الشاب بان ما أقدم عليه يخالف القانون، فيعيد من جديد قراءة قانون زراعة الأرز.

ويكتشف المصيدة التي أوقعه فيها الآغوات، ليقف إلى جانب الفلاحين ضد الإقطاع، وتقوم ثورة في القرية ضد الآغا، بقيادة المرأة زينو، ومحمد علي الكردي، غير أن اوقتشو اوغلو يستخدم كل نفوذه ويقنع أهل القرية بشراء أراضيهم وممتلكاتهم شريطة أن يهجروا القرية كي يقدم تقريرا للقائمقام يقول فيه إن القرية مهجورة ويحق له ري محصوله.

محمد علي الكردي يرفض إغراءات الآغا الأمر الذي يجعل التقرير غير دقيق، فهناك سكان، وإن اقتصروا على محمد علي الكردي وأسرته، لا يزالون يسكنون القرية، وعندما تفشل جميع المحاولات يلجأ الاغوات إلى السلطات العليا في أنقرة مستخدمين النفوذ والرشاوى للحصول على ما يريدون، وفعلا تنتصر السلطات لطبقة الإقطاع.

وتأمر بنقل القائمقام الذي يقول لرسول أفندي رغم هزيمته «يجب ألا نيأس…الكفاح حتى النهاية»، وحين يستقل القائمقام سيارة لمغادرة القرية يجد عددا كبيرا من الأطفال، يحمل كل واحد منهم صفيحة، ويقرع بها بكل قوته، فالعادة، في تلك القرية البائسة، توديع الآمرين بهذه الطريقة المهينة.

لكن عزاء القائمقام المكلوم، جاء من أحد القرويين، هو محمد علي الكردي، الذي ودعه بصدق متمنيا له السلامة، ليعيد إلى شفتي القائمقام، وذاكرته السيمفونية التاسعة لبيتهوفن التي اعتاد أن يصفر بها، لتنتهي الرواية عند هذه النهاية المفتوحة على احتمالات شتى، لعل أكثرها ترجيحا، تشي بثورة مقبلة سيقوم بها الفلاحون ضد الإقطاع.

المصدر: روايات خالدة – صحيفة – البيان 20/2/2006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *