الرئيسية » مقالات » صراع بين- القرار والتقرير-

صراع بين- القرار والتقرير-

استأثر تقرير ” مجموعة دراسة العراق ” المؤلفة من شخصيات سياسية ودبلوماسية مختارة من الحزبين الرئيسيين ومستقلين والمعروف بتقرير بيكر – هاملتون اهتماما ملحوظا من االنخب السياسية في الشرق الأوسط خاصة والغرب بصورة عامة فاق التوقعات بسبب طرحه في ظروف استثنائية شهدت خسارة الحزب الجمهوري الحاكم في الانتخابات النصفية وبالتالي فتح الأبواب أمام الديموقراطيين للتقدم باتجاه البيت الأبيض بعد عامين وفي ظل اوسع جدال تشهده الساحة الأمريكية حول الخيارات الواجبة اتباعها حيال المسألة العراقية وتعقيداتها الأمنية والسياسية والمواجهات الدموية التي تزداد وتيرتها بغية قطع الطريق على ارادة المصالحة الوطنية وتعزيز العملية السلمية الديموقراطية , وفي وضع تتجه فيه أكثر من ساحة في الشرق الأوسط نحو المزيد من التدهور جراء مخططات – محور الممانعة – بقيادة نظامي دمشق وطهران المستبدين واعوانهما من مجموعات الاسلام السياسي التي تمارس العنف والارهاب وخاصة في ساحتي لبنان وفلسطين .
منذ ترشح منطقة الشرق الأوسط لتكون احدى الساحات المقبلة على تغييرات مرتقبة منذ حوالي عقدين وتجتاز عتبة المرحلة الانتقالية المشرفة على الانتهاء ارتفعت حدة السجالات وتكاثرت التقارير الصادرة من مراكز البحث والاختصاص ودوائر صنع القرار في الغرب على وجه الخصوص تدور حول واقع ومستقبل المنطقة وحل القضايا العالقة بمنظور مصالحها ومن بينها تقارير منظمات الأمم المتحدة ولجان التحقيق الدولية حول محاكمة مجرمي الحرب والجرائم ضد الانسانية وفي المقدمة تقارير كل من القاضيين – دتليف ميليس – وبرايمرتس – بشأن اغتيال الرئيس رفيق الحريري ونخب سياسية وثقافية لبنانية وتقارير أوروبية وامريكية تطالب تركيا بالعدول عن سياستها العدوانية تجاه الكرد وقبرص وتنفيذ معايير كوبنهاغن حول الديموقراطية وحقوق الانسان كما تطالب سورية وايران بالتحول نحو الاصلاح وعدم التدخل في شؤون لبنان وفلسطين والعراق واطلاق الحريات العامة في الداخل ووقف البرنامج النووي الايراني وتقارير الامم المتحدة حول عمليات التطهير العرقي في كردستان العراق ودارفور وكوسوفا والبوسنة وراوندا ومن الواضح أن هذه التقارير برمتها تنتظر قرار ات المجتمع الدولي لاستكمال الاستفادة من مضامينها الايجابية وتنفيذ ما هو مفيد وصالح وتفادي ما من شأنه أن يلحق الأضرار بكل قضية على حدة وهي تتفاوت من حيث الالزام والالتزام والجدوى وفي هذا السياق يندرج تقرير بيكر – هاملتون كمشروع نظري – سياسي قابل للمناقشة والرفض والقبول والتجاهل من مختلف الفرقاء المعنيين بالمسألة العراقية وقضايا المنطقة الأخرى والذي شارك في صياغته مجموعة من الشخصيات ليست لها أية صفة رسمية حكومية أو حتى استشارية على صعيد الهيئات الدولية التابعة للأمم المتحدة .
يقترح التقرير شن هجوم دبلوماسي شامل بهدف : وحدة العراق ووقف التدخلات من الجوار ومساعدات اقتصادية ومؤتمرات في بغداد للحوار بمشاركة الجوار والأبعد . وتشكيل ” مجموعة دولية لدعم العراق ” بمساعدة الأمم المتحدة . واجراء الحوار مع سورية وايران لتحقيق الأهداف السالفة ( يمكن التحاور بين الأعداء حسب التقرير ) والزام البلدين لاتباع سياسة بناءة حول العراق والمنطقة ( لبنان وفلسطين … ) واقناع سورية بمراقبة الحدود .واعادة تدريب القوات العراقية والتاكيد على عدم وجود اطماع امريكية في النفط العراقي والتعاون حول الأمور الخدمية ومراجعة الدستور لتحقيق المصالحة الوطنية واعادة البعثيين والقوميين والمؤهلين من السنة والشيعة والكرد ( جماعات العهد السابق بما فيهم الكرد ) وانتخابات المحافظات واصدار عفو عام مع حماية حقوق الأقليات من تركمان وآشور وكلدان ايزيديين وصابئة وارمن ( لاحظ الخلط بين القوميات والأديان ) واشراك كل الأطراف ما عدا تنظيم القاعدة . ويعرج التقرير سريعا على بعض قضايا المنطقة فيدعو الى تسوية شاملة بين العرب واسرائيل عبر اللجنة الرباعية والولايات المتحدة الأمريكية خصوصا كوسطاء .أما بشأن لبنان فيؤكد على تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 ومواصلة التحقيق وعقد المحكمة ذات الطابع الدولي حول جريمة اغتيال الرئيس الحريري ومجموعة من اربعة عشر ضحية من خيرة السياسيين والاعلاميين كما يدعو الى اعادة الجولان الى سورية عبر التفاوض ويخلص التقرير الى التمني بحل مختلف المسائل الاشكالية في المنطقة وتحقيق السلام الشامل .
مضمون التقرير كما هو معلوم ليس موقفا رسميا ملزما لا للادارة الأمريكية ولا للاطراف الأخرى وبينها العراق . ومثل هذه المواقف تظهر في امريكا واوروبا بشكل دوري من مراكز البحث والمؤسسات العلمية والأكاديمية والمختصين وليس بالضرورة أن تكون صحيحة أو مفيدة أو خلاف ذلك لأن أغلبيتها تنطلق من مصالح دولها أولا ولاترى نفسها معنية بتفاصيل مآسي هذا الشعب أو ذاك البلد والجديد في هذاالتقرير انه تعبير عن نوع من التقارب بين الجمهوريين والديموقراطيين من التيار الانعزالي ومحاولة تخدم الأمن القومي الامريكي في نظر أصحابها والمصالح الآنية المتعلقة بالسلطة والحكم وكذلك للخروج من الأزمة العراقية والحفاظ على ماء الوجه ارضاء للرأي العام والقاعدة الانتخابية وتنفيس الاحتقان بالمنطقة بمحاولة الظهور بمظهر التوازن حيال المسالة الفلسطينية وتحفيزنظام سورية للابتعاد عن محور ايران واعادته الى بيت الطاعة . وكل ما ظهر في التقرير من مواقف ليس بجديد على الأوساط الانعزالية الأمريكية والمحافظين التقليديين الذين تعودوا على التعاطي مع الأنظمة الفاشية والاستبدادية في العالم على حساب الديموقراطية والتقدم والاستقرار .
لا أرى أية ضرورة للاهتمام الزائد بالتقرير أو اعطائه حيزا اكبر من حجمه ولكن بما ان الموضوع مطروح فلابأس وقد تقود المناقشات الى كشف حقائق جديدة وافكار مفيدة قد تؤثر في لجم اندفاعة الانعزاليين في الولايات المتحدة وأوروبا .
على صعيد العراق : لم يحصل التشاور مع معظم الأطراف الرئيسية وخاصة الكرد وهناك جهل في المسألة العراقية وعدم معرفة الوقائع والحقائق من دستور وانتخابات وتضحيات ومكاسب وانجازات مع تجاهل الهدف الأسمى وهو التغيير الديموقراطي مع تناول الوضع باسلوب طائفي وجهل في معرفة القرارات بخصوص العهد المقبور والقضاء والمحاكمات والجرائم وخلط القوميات بالأديان وتجاهل تجربة اقليم كردستان الفدرالي الديموقراطية ودستورها المتسامح والموقف من حقوق القوميات الكردستانية والاستقرار والمساهمة الكردية الوطنية الايجابية في المصالحة والعملية السياسية .
اقليميا : لاجديد حول لبنان وفلسطين بل محاولة عرقلة للحل وخلط للأوراق من جديد لأن مجرد مهادنة نظامي دمشق وطهران تعني اطلاق أيديهما للمضي في العبث باستقرار البلدين وتسعير الحرب الأهلية التي أوشكت على الوقوع .
لابد هنا من استذكار الماضي والتساؤل :هل نجح بيكر بآرائه ومواقفه المكررة في التقرير في حل مسالة الصحراء الغربية والخلاف بين المغرب والبوليساريومنذ أن كلف لعدة أعوام ؟
ان عقلية اصحاب التقرير من رموز التعاطي مع الأنظمة الفاشية والدكتاتورية في العالم خلال عقود تناقض التوجهات الايجابية الجديدة في الفكر الامريكي بعد أحداث ايلول 2001 ومنها المساهمة في اجراء التغيير الديموقراطي في البلدان التي تحكمها أنظمة شمولية استبدادية ونصرة الاصلاحيين ودعم حقوق الشعوب والمرأة , ومواجهة الارهاب الأصولي كما أن تلك العقلية تصر على حذف مهمة الدمقرطة من الاجندة الامريكية تجاه العالم والعودة الى الوراء وهي احد اوجه الصراع بين القديم والجديد في امريكا والعالم ومؤشر لنمو تيار فكري ثقافي وسياسي امريكي وغربي عموما يهدف الى التفاعل مع القضايا العالمية واختراق العزلة السلبية والمساهمة في عملية التغيير الديموقراطي ومناصرة الحقوق انطلاقا من مبدا التوافق بين المصالح الامريكية ومصالح شعوب العالم في اطار السلم والاستقرار والبناء والتجارة الحرة ومواجهة الارهاب .
من الملاحظ أن البعض ممن يتناولون المواقف السياسية بدوافع ذاتية عاطفية وحسب راي مسبق بعيدا عن الموضوعية لاهم ولاهدف له سوى الاشارة الى الفشل الامريكي وهذا امر يحمل اكثر من جانب ولايحقق مبتغى ذلك البعض لأن الأمر يدل على الديموقراطية الامريكية في اعتراف الادارة والنظام بالخطا اذا وقع وهذا بحد ذاته كاف لاعادة النظر والتصحيح والتراجع والسماح لمفاصل الراي العام من ابداء الراي والنقد والرفض بعكس مايجري في بلداننا ثم هل هناك نظام غير فاشل في المنطقة حول كل القضايا وليس حول بعض جوانب المسالة العراقية ؟ فلماذا تجاهل الوضع هنا والتركيز على ساحات تبعد عنا آلاف الكيلومترات ؟
نقول للذين رفعوا مرتبة بيكر بعد التقرير الى درجة القديسين ( لأنه خالف سياسة الادارة ! ) أن الرجل من نفس المدرسة التي اوعزت بتوقف الجيش الامريكي في مشارف بغداد والتردد في المضي قدما حتى اسقاط الدكتاتورية والاتيان بحكم ديموقراطي بعد عملية تحرير الكويت والتفرج على المذابح التي اقترفها النظام بعد انتفاضة الشيعة والكرد في الجنوب وكردستان وجاءت ادارة بوش الابن لتصحح الخلل وتكفر عن ذنوب بيكر وامثاله كما نقول لمن سجل مأخذا على موقفه من قضية الشعب الكردي العادلة واعتبره ابليس زمانه بأن يتساءل : وهل هناك موقف أمريكي رسمي موثق من قضية الكرد وحقوقهم بما فيها حق تقرير المصير كما هو الحال مثلا مع الشعب الفلسطيني ؟ أسارع الى القول أن السياسة الكردية لأمريكا محصورة أساسا بكرد العراق ومازالت في مستويات الرأي العام ومراكز الأبحاث والاعلام والمبادرات الشخصية من بعض أعضاء الكونغرس أوالتعاطف الآني من هذا المسؤول في الادارة أو ذاك وبينها الرئاسة حسب مقتضيات الأحداث وهو بحد ذاته تطور مهم في غضون سنوات قليلة يسير حتما باتجاه صياغة واقرار موقف سياسي رسمي وواضح في المستقبل المنظور اذا توفرت الشروط والعوامل اللازمة وخاصة في الجانب الكردي وتحديدا في قيادته السياسية التي لايمكن اعفاءها من مسؤولية التقصير في كسب وتحقيق موقف سياسي امريكي رسمي مقبول تجاه الكرد وحقوقهم المشروعة ولن تحجب تلك الحقيقة حملتها السياسية والاعلامية المقرة على تقرير بيكر – هاملتون فالأولى والأنسب مكاشفة الجماهير الكردية ومن على منبر البرلمان الكردستاني بحقائق الأمور وتفاصيلها وتعرجاتها ودرجة الجهود المبذولة حول العلاقات الداخلية والخارجية الأمريكية – الأوروبية على وجه الخصوص والبرنامج الكردي والمطالب الموثقة المقدمة اليها ( ان وجدت ) وما قبل منها وما رفض ومن ثم التوجه مباشرة الى تلك الحكومات بمختلف مؤسساتها وسلطاتها ورأي عامها ومنظمات مجتمعاتها المدنية لمطالبتها باتخاذ الموقف المطلوب وهذا لن يكون مثمرا اذا لم يتم في اطار قومي شامل منسق معبر عن كتلة موحدة في الشرق الأوسط .
ان كل الجهود الكردية السياسية والثقافية المرشحة للتفاعل في المستقبل بخصوص التقرير يجب أن لاتخطىء الهدف وتتوجه مباشرة الى المطالبة بموقف دولي معلن تجاه حقوق الكرد في الشرق الأوسط وضمان مكاسبهم في الفدرالية في العراق وخاصة من جانب امريكا واوروبا والتشديد على العلاقة العضوية بين التغيير الديموقراطي في البلدان التي يتوزع فيها الكرد وقضيتهم القومية العادلة .