الرئيسية » مقالات » لو كانت زمرة صدام حسين البعثية جادة لقدمت اعتذاراً إلى من غدرت بهم طوال حكمها!

لو كانت زمرة صدام حسين البعثية جادة لقدمت اعتذاراً إلى من غدرت بهم طوال حكمها!

جاء في تقرير بيكر-هاملتون بشأن البعثيين والقوميين ورموز صدام حسين ما يلي:
“تتطلب المصالحة الوطنية إعادة البعثيين والقوميين العرب إلى الحياة الوطنية, مع رموز نظام صدام حسين. على الولايات المتحدة أن تشجع عودة العراقيين المؤهلين من السنة أو الشيعة أو القوميين أو البعثيين السابقين أو الأكراد إلى الحكومة”.
تطرح هذه الفقرة أفكاراً عديدة تحتاج إلى مناقشة وإبداء الرأي وعدم السماح لها بالمرور, إذ أنها تتضمن مسائل تسهم في إيذاء التوجه العراقي صوب المصالحة الوطنية والمجتمع المدني والدولة الاتحادية, إذ تثير من المشكلات أكثر مما تسهم في طرح الحلول وتعجيل المصالحة الوطنية المنشودة, مع ضرورة عدم نسيان الوضع الراهن المتأزم والإرهاب الدموي الذي تمارسه مختلف القوى المسلحة تحت مسميات مختلفة, ولكنها في الجوهر واحد, مع حصولها على دعم إقليمي ودولي غير قليل.
منذ سقوط النظام الصدامي اعتبرت القوى البعثية والقومية أن نظامها السياسي “القومي” قد سقط, وأن القومية العربية في خطر وأن الجماعات الكردية والشيعية هي التي تسيطر على الحكم ولا تريد مشاركة السنة, وأن هذه القوى شعوبية معادية لكل ما هو عربي. وقد تجلى ذلك في أكثر من بيان وموقف للقوى البعثية وبعض القوى القومية العربية الأكثر يمينية وتطرفاً وقررت حمل السلاح ومقاومة الوضع الجديد للعودة بالعراق إلى حكم الدكتاتورية البغيضة والممارسات العنصرية والطائفية المشينة والحروب المحلية والإقليمية.
فهي ورغم مرور فترة غير قصيرة على سقوط النظام لم تستطع هذه القوى, مع اختلاف موقف القيادة القطرية لحزب البعث في العراق المرتبطة بالبعث السوري المترددة في مواقفها بسبب موقف النظام السوري من الوضع في العراق, الاعتراف ببشاعة الحياة التي كان الشعب العراقي يعيش في ظلها في فترة حكم صدام حسين والسياسات التي مارسها على الصعد المحلية والإقليمية والدولية والمجازر الدموية المرعبة التي نظمها ومارسها بها وبغيرها من القوى والجماعات. بل بالعكس من ذلك رفعت السلاح وعانقت قوى القاعدة الإرهابية وكل المنظمات الإسلامية السياسية المتطرفة, ومنها هيئة علماء المسلمين لتشن عمليات عدوانية دموية قذرة ضد الشعب العراقي وتؤجج تدريجاً حرباً طائفية, شاركتها قوى ومليشيات شيعية طائفية أيضاً بحيث أصبح القتل اليومي أمراً اعتيادياً في العراق.
أما قائد هذه الطغمة المستبدة صدام حسين, فأنه وطيلة فترة محاكمته, لم نسمع منه كلمة تعبر عن وعيه الفعلي بما جره على الشعب العراقي من مآسي وكوارث ما يزال يئن تحت وطأتها وستستمر طويلاً. وبدلاً من الاعتذار للشعب العراقي عما اقترف من جرائم بشعة ومجازر دموية ضد الشعب الكردي وضد الكرد الفيلية وضد العرب الشيعة وما وجد من بشر في المقابر الجماعية وضد معارضيه من السنة, بل راح يحمل القرآن بيديه القذرتين مدنساً هذا الكتاب الحكيم, مدعياً الإيمان زوراً وبهتاناً, وهو الذي لم يخش الله حين صب على أهل حلبچة ومواقع كردستانية أخرى السلاح الكيماوي وقتل وجرح أهلها أو نظم بقية مجازر الأنفال أو حفر المقابر الجماعية للناس الأبرياء من العراقيين من جميع الأطياف السياسية المعارضة. لو كان هذا الصعلوك مؤمناً لقدم, منذ اعتقاله في تلك الحفرة النتنة, اعتذاره عما فعله طيلة حكمه, أو حتى قبل ذاك, للشعب العراقي بما في ذلك محاولة اغتيال ثم اغتيال رئيس وزراء أول جمهورية عراقية الشهيد عبد الكريم قاسم.
يشير التقرير إلى ضرورة عودة البعثيين والقوميين إلى المشاركة في الحياة الوطنية. ولكنه لم يكتف بذلك, بل أشار إلى رموز نظام صدام حسين. وهي المسألة الأكثر خطورة, إذ أن هذه الرموز هي بالذات التي ما تزال أيديها ملطخة بدماء العراقيين ويفترض أن تحاكم أمام القضاء العراقي. إذ لو كان التقرير قد اكتفى بالحديث عن البعثيين والقوميين العرب, لكان الأمر, وبحدود غير قليلة معقولاً, إذ ليس كل البعثيين أو القوميين العرب شاركوا بجرائم النظام الصدامي, كما أنهم ليسوا ضمن المسؤولين عن كل ما حصل في نظامه, بل أن جمهرة من البعثيين والقوميين العرب قد تعرضت للقتل والسجن والتعذيب والاضطهاد. وليس هذا الأمر بخاف على أحد. إلا أن دعوة رموز صدام حسين للمشاركة في الحكم لا تعني الحديث عن “عفا الله عما سلف” فحسب, بل يعني أيضاً عدم محاكمة الطغمة الباغية, في حين أن الوضع في العراق وتجارب الماضي تستوجب مثل هذه المحاكمة بغض النظر عن موقف الشعب بعد الانتهاء من تلك المحاكمات وإصدار الأحكام المناسبة بحقهم. وهذه الطغمة صغيرة ويستوجب على البعثيين الذي يدركون حقيقة ما حصل في العراق أن يتبرأوا من المجرمين القتلة ممن كانوا على رأس هذا الحزب, لا أن يعملوا لإعادتهم إلى الحكم.
إن الموقف العقلاني والحكيم يتطلب التمييز بين الذين لطخت أيديهم بدماء الشعب وبين الذين كانوا يرفضون تلك السياسات ولكنهم عجزوا عن تغييرها, وعجزوا عن النضال ضدها. وهذا الطرح ليس جديداً, إذ طُرح الموقف من الجمهرة الواسعة من البعثيين منذ فترة طويلة بعد سقوط النظام, على الرغم من وجود جماعة مغالية في مواقفها وتطالب بقتل البعثيين, وربما تعني كل البعثيين, وهو أمر خطير وغير مطروح أصلاً بالنسبة للقوى والأحزاب الديمقراطية العراقية, سواء أكانت عربية أم كردية أم غيرها.
والمغالطة الثانية في هذا النص من التقرير قوله: ”على الولايات المتحدة أن تشجع عودة العراقيين المؤهلين من السنة أو الشيعة أو القوميين أو البعثيين السابقين أو الأكراد إلى الحكومة”.
ويمكن إبراز المواقف السيئة والخاطئة في هذا النص بالنقاط التالية:
1. لا يرى التقرير في العراق سوى سنة وشيعة وبعثيين وقوميين سابقين أو كرد, وينسى أن هناك جماهير واسعة من البشر في العراق ترفض أن تعامل على أساس الهوية الطائفية, بل هي جماعات مدنية عراقية, سواء أكانت عربية أم كردية أم تركمانية أم كلدان وآشورية. وهو خطأ فادح سقطت فيه الإدارة الأمريكية وحكومة بريمر منذ البدء وأدى إلى محاول تهميش القوى العلمانية أو القوى المدنية والأحزاب السياسية غير الإسلامية السياسية.
2. يدعو التقرير الكرد إلى المشاركة في الحكم, في حين أنهم من المشاركين الأساسيين والرئيسيين في حكم البلاد حالياً عبر قائمة التحالف الكردستاني التي تضم جميع الأحزاب السياسية المدنية في كردستان إضافة إلى الحزب الإسلامي الذي يشارك في الحكم في بغداد وأربيل. فمن هم إذاً أولئك الكرد الذين يراد إشراكهم في الحكم؟ أم أن التقرير يسعى إلى شق الصف الكردي, كما هو عليه الصف العربي والذي يعاني من انشقاقات واسعة وتفتت فعلي, حتى بين المدنيين منهم؟ هل يقصد التقرير تنظيم أنصار السنة الإرهابي الذي يشارك مع تنظيم القاعدة في عمليات القتل والتخريب؟ يبدو لي بأن الموقف الذي اتخذه تقرير بيكر-هاملتون غير ودي على أقل تقدير إزاء الشعب الكردي والقيادة الكردية وإزاء العراق عموماً ومستقبله, في حين أن فيدرالية إقليم كردستان وقائمة التحالف الكردستاني تشكل اليوم ضمانة مهمة لعدم التوجه صوب إقامة دولة دينية ثيوقراطية متخلفة في العراق على غرار ما كان في أفغانستان مثلاً. ولا شك في أن المشكلات القائمة بين الحكم في كردستان والحكم في العراق الاتحادي يمكن أن تعالج عبر الحوار والتوافق, سواء أكان موضوع النفط أم توزيع الموارد أم قضية كركوك التي تحدد حلها في مضمون المادة 140 من الدستور العراقي الجديد.
3. ويبدو لي أن تقرير بيكر-هاملتون لا يعترف بالقوى والأحزاب السنية المشاركة في الحكم, ومنها جبهة التوافق الوطني التي يترأسها الدكتور عدنان الدليمي, أو جبهة الحوار الوطني التي يترأسها الدكتور صالح المطلك. كما يبدو أنه يريد إشراك جماعة هيئة علماء المسلمين التي أيد رئيسها, الشيخ حارث الضاري, أخيراً تنظيم القاعدة واعتبرها جماعات مجاهدة ومناهضة للاحتلال. كان وما يزال الباب مفتوحاً للحوار والعمل السياسي لكل القوى العراقية شريطة أن تكف عن حمل السلاح وأن تكف عن تأييد قوى الإرهاب, ومنها تنظيم القاعدة.
إن تقرير بيكر – هاملتون يتضمن جملة من المواقف الإيجابية على الصعيد العربي والمحلي التي يفترض دراستها والتمعن فيها, ولكنه يتضمن في الوقت نفسه أفكاراً أخرى غير صالحة ولا تساهم في تعزيز دور الحكومة في العملية السياسية وفي عملية المصالحة الوطنية في العراق, كما في الفقرة التي حاولنا تفكيكها ومعرفة ما يراد منها.
إن على الحكومة العراقية الراهنة والقوى السياسية المكونة لها أن تطرح مشروعها الواضح لكي تستطيع مناقشة ما ورد في هذا التقرير, إذ أنه لا يزال مطروحاً كمقترح, لا يفترض الأخذ به كلاً أو جزءاً. ونأمل أن تتخذ القوى العراقية التي يهمها مستقبل العراق المدني الديمقراطي والاتحادي موقفاً موحداً وواضحاً إزاء جميع الفقرات الواردة في هذا التقرير.
16/12/2006 كاظم حبيب
جريدة الاتحاد العراقية