الرئيسية » مقالات » هل أن العلمانيين ملحدون حقاً؟

هل أن العلمانيين ملحدون حقاً؟

قمت بزيارة قصيرة إلى العراق وحللت لفترة قصيرة في أربيل, عاصمة إقليم كردستان حيث يحلو للكرد أن يطلقوا عليها اسماً كردياً هو هاولير. وهو اسم يطلق على أهل المدينة وحدها وليس لكل أهل محافظة أربيل, إذ يطلق على كل من هو ابن المدينة بـ “هاوليري” وبنت المدينة بـ “هاوليرية”.
وبالصدفة المحضة دعيت عبر صديق لي إلى مائدة غداء في بيت أحد الكوادر القيادية في الاتحاد الإسلامي الكردستاني من الهاوليريين, رغم أني لم أكن أعلم في البداية أنه من هذا الحزب. كان المضيف كريم النفس ومتحدث لبق وظريف في آن واحد. أطلعت على مكتبته حيث يحتفظ بالكثير من الكتب الإسلامية وكتب التاريخ الإسلامي, كما أطلعني على مجموعة الكتب الجديدة التي اشتراها من معرض لبنان في أربيل التي كانت تباع بنصف السعر المحدد على غلافها. وأغلب الكتب التي تاجرت بها الشركات القادمة من لبنان كانت دينية, ولكن ليس كلها, إذ كان فيها نسبة من الكتب المدرسية أو السياسية أو التاريخية والروايات.
تحدث الضيف عن حزبه وعن موقفهم من الإنسان باعتباره قيمة حقيقة بحد ذاته ويفترض أن يقيم على هذا الأساس وأن يعامل من خلال أن الإنسان له الحق في التفكير وبالتالي الحق في الاختلاف السياسي وضرورة احترام ذلك. وأن من الخطأ أن يسيطر على الحكم حزب واحد, بما في ذلك حزبه, إذ أن ذلك يعني احتمال هيمنته وتجبره, في حين لا بد من مشاركة مختلف الأحزاب في الحكم. والحكم القائم على أساس المشاركة المتعددة من أحزاب عدة أمر ضروري وسليم, ولا بأس حتى أن يكون من المسلمين والنصارى والأيزيديين, أو من قوى ديمقراطية وإسلامية وشيوعية أو من غيرهم من القوى السياسية. ثم أدان العمل العنفي سواء أكان من قوى الإسلام السياسي المتطرفة أم من قوى اليسار المتطرفة أو اللبرالية المتطرفة. فكل تطرف يقود إلى عواقب سلبية, هكذا قال. قيمت ما قاله إيجابياً وأشرت على مخاطر التطرف والقوى التي تقف وراء ذلك وسبل مواجهتها.
بعد ذلك أشار إلى وجود حساسية من جانب الشيوعيين إزاء حزبه وهم لا يجدون في هذا الحزب الإسلامي ما يمكن الأخذ به أو التعامل معه. وأثناء هذا الحديث تطرق قائلاً بأن كل الشيوعيين علمانيون. وسألته ما رأيه بالعلمانيين فأجاب بأن العلمانيين ملحدون. ثم سألته, وهل يعتقد بأن كل العلمانيين ملحدون, فأجاب بنعم! ثم سألته عن رأيه بمفهوم فصل الدين عن الدولة, وعن الموقف من المرأة ومن الحجاب. وكانت الإجابات في بعضها صريحة وواضحة, وفي بعضها الآخر دبلوماسية أكثر مما هي معبرة عن الموقف الفعلي لقوى الاتحاد الإسلامي. كان الموقف من العلمانية والدولة والمرأة والحجاب يشير إلى أحد أمرين, رغم أن الاتحاد الإسلامي يعبر حتى الآن عن موقف أكثر تفتحاً من غيره من القوى السياسية الإسلامية العراقية, كما أشار لي بذلك الشيخ ضياء الشكرچي الذي أثق بتقديراته:
1. إما أنه كان يعتقد بأني غير مطلع على سياسات ومواقف حزبه والاتجاهات الأساسية التي تنتهجها القوى الإسلامية السياسية التي يطلق عليها بالمعتدلة وما تسعى إليه حقاً, كان,
2. أو أنه كان لا يدرك حقاً مضامين وبعض المصطلحات التي ضببها من كان يريد تشويه الأمور عليه وعلى غيره.
أستبعد الأمر الثاني لأنه كان بمستوى ثقافي طيب وأنه عضو في مجلس النواب الكردستاني, كما أنه كان يعرف من دعا إلى بيته للغداء. كنت سعيداً إذ قبلت الدعوة, إذ كنت قبل فترة وجيزة قد كتبت عن قوى الإسلام السياسي في كردستان وعن هذا الحزب بالذات. ولهذا شعرت بأن في الأمر بعض الاستغفال. ولكن لم يكن ليهمني هذا بقدر اهتمامي بما كان يطرحه وسبل التفاعل مع ما طرحه.
أشرت إليه بوضوح لا لبس فيه ما يلي عبر حوار هادئ وموضوعي:
1. ليس كل الشيوعيين غير مؤمنين, بل فيهم الكثير من المسلمين أو المسيحيين أو من أديان ومذاهب أخرى, وهؤلاء حقاً مؤمنون بدياناتهم, ولكنهم اختاروا الحزب الشيوعي باعتباره أحد الأحزاب المناضلة من أجل قضايا الشعب والعدالة الاجتماعية, وبعضهم الآخر غير متدين كما هم كثرة في المجتمع العراقي وفي غيره من المجتمعات. وفيهم من هو ملحد. إذ أن هذه القضية تعود للفرد ذاته وليس لهذا الحزب أو ذاك, فهي قضية شخصية بحتة.
2. ليس كل العلمانيين أعضاء في الحزب الشيوعي, بل كثرة منهم أعضاء في أحزاب سياسية كردستانية ولا يشك الإنسان بإيمان أعضاء تلك الأحزاب بدياناتهم السماوية أو الوضعية, ومنها الحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني الكردستاني, على سبيل المثال لا الحصر.
3. ليس كل العلمانيين من الملحدين. فالعلمانية لا تعني الإلحاد بأي حال وليست هي مرادفة لها. العلمانية مصطلح يعبر عن موقف الفرد الذي يرى ضرورة فصل الدين عن الدولة, أي أن يقوم الدين بواجباته الدينية والاجتماعية, وأن تقوم الدولة بواجباتها السياسية والاجتماعية والثقافية والخدمية ..الخ, بحيث لا تتداخل المهمات, وأن تكون الدولة حيادية إزاء كل الأديان. والحيادية هنا تعني أن الدولة لا دين لها, بل الدين للفرد أو الجماعة أو الشعب أو الأمة, ولكن ليس للدولة التي هي أداة لتنفيذ سياسات المجتمع أو النخب الحاكمة.. الخ. فعلى الدولة أن تحترم كل الأديان ولا تميز في ما بين أتباع الديانات المتعددة من الناحيتين النظرية والممارسة, بل يشترط فيها في إطار المجتمع المدني الديمقراطي أن تمارس المساواة التامة بين المواطنين وتقوم على أساس المواطنة الحرة والمشتركة والمتساوية لا غير.
4. لا شك في أن بين من يدعي العلمانية إنسان من حزب ديمقراطي أو حزب شيوعي أو حزب فاشي أو من أتباع الديانة الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية أو الأيزيدية أو الصابئية المندائية ..الخ. فلا دخل للعلمانية بالإيديولوجيات أو الأديان, بل هي تعبر عن موقف لا غير. ولهذا لا يمكن اتهام العلمانيين كلهم بالإلحاد, وهو خطأ ترتكبه كل الحركات الإسلامية المتطرفة والمعتدلة في آن, في ما عدا الجماعات الإسلامية المتفتحة في العالم الإسلامي.
5. إن العلماني يفترض فيه من حيث المبدأ أن يحترم كل الأديان والمذاهب التي يطلق عليها بالسماوية أو الوضعية, وكذلك الاتجاهات الفكرية الإلحادية وغيرها, وهي لا ترى في الإنسان إلا مواطناً بغض النظر عن دينه ومذهبه. وعندما يحارب الشيوعي أو الديمقراطي أو الفاشي أو المسلم أو المسيحي أو اليهودي أو غيرهم أتباع هذا الدين أو ذاك أو يميز بينهم فهو يفقد صفة العلمانية, إضافة إلى فقدانه لصفة الديمقراطية أو العدالة الاجتماعية في التعامل مع الإنسان ويتحول إلى إنسان مستبد وظالم وغير عادل لا غير. وهذا ما وجدناه في مواقف الكثير من المستبدين ومنهم صدام حسين الذي ادعى العلمانية ولكنه مارس الاضطهاد والقمع والقتل اليومي ومارس العنصرية والتمييز العنصري والديني والطائفي. فهو بذلك لم يكن مستبداً وظالماً قاسياً فحسب, بل ولم يكن علمانياً بأي حال.
ثم تناقشنا حول العديد من تلك القضايا التي طرحها, وخاصة موقف الإسلاميين السياسيين من المرأة والحجاب والسلطة التي لا أجد ضرورة الخوض فيها في هذا المقال, إذ كان يهمني موقفه من العلمانية والعلمانيين وفهمه الخاطئ لها والذي يسود لدى الغالبية العظمى من القوى الإسلامية.
إن الكثير من المفاهيم والمصطلحات العلمية مضببة لدى الكثير من الناس, ولدى الكثير من المتعلمين, في العراق, وخاصة في صفوف الإسلاميين السياسيين, وهي تشكل مع الأسف الشديد نمطية في التفكير التقليدي العاجز عن الاقتناع بغيره, وهو ما يطلق عليه بالاستيرو توب, حيث تتشكل لدي الفرد رؤية مسبقة الصنع يرفض القبول بغيرها, حتى حين تورد له الكثير من الشواهد, وهي نمطية يمكن أن تكون جمعية لدى مجتمع ما إزاء مجتمع أخر حيث تظهر الأنا إزاء الآخر بشكل صارخ. وهي حالة لا تقتصر على شعب أو قومية واحدة, بل عامة ونجدها لدى جميع الشعوب. ودورها السلبي يزداد تأثيراً عندما يصل هؤلاء إلى السلطة حيث لا يجدون في الآخر إلا عدواً لهم لا غير, وعندها تنشأ الكارثة والرغبة في الإقصاء والاستئصال التي نجدها في دول غير قليلة في منطقة الشرق الأوسط على نحو خاص.

16/11/2006

جريدة المدى العراقية