الرئيسية » شخصيات كوردية » مشاهير الكرد في التاريخ الإسلامي ( الحلقة السابعة والعشرون ) أبو القاسم الآمِـدي

مشاهير الكرد في التاريخ الإسلامي ( الحلقة السابعة والعشرون ) أبو القاسم الآمِـدي

التاريخ مسؤولية
قراءة التاريخ مسؤولية وليست ترفاً.
فإما أن نقرأ التاريخ بعمق، ونسرده بصدق.
وإما أن نلتزم الحديث النبوي القائل: ” رحم الله امرأً عرف حدّه فوقف عنده “.
ومن أبسط درجات العمق ألا ننشغل بالحدث التاريخي، ونذهل عن أسبابه.
كما أن من أبسط درجات الصدق ألا نقتلع الحدث التاريخي من سياقه.
إن غزو التاريخ على صهوات النزعات القبلية أو القومية أو المذهبية أو الدينية، واحتكار الأمجاد، وصناعة الأوهام، أمور قد تُرضي الأنانية القبلية أو القومية أو المذهبية أو الدينية بعض الحين، لكن في النهاية لا بد أن يذوب الثلج كما يقول المثل، ونستيقظ على حقائق تطاردنا، ومشكلات تؤرّقنا.
ودعونا نبحث عن آمِد انطلاقاً من هذه الرؤية في قراءة التاريخ وسرده، فمنذ فجر التاريخ كان غربي آسيا موطن الحضارات، وكان من ثَم مسرحاً للصراعات بين الدول والممالك التي نشأت فيه، أو قامت على تخومه، ومن غير الموضوعية تناول حاضر شعوب هذه المنطقة بعيداً عن تاريخها في الإسلام، إذ كيف لنا أن نتجاهل أحداثاً كبرى واكبت الفتوحات الإسلامية، وأحدثت انقلاباً شبه كامل في الجغرافيا السياسية والديموغرافية والثقافية، من جبال هندوكوش شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً؟ وكيف لنا أن نضرب صفحاً عن الأمويين، والعباسيين، والفاطميين، والبُوَيهيين، والسلاجقة، والمغول، والأيوبيين، والمماليك، والعثمانيين؟
ومن غير الموضوعي أيضاً أن نتوهّم أن الفتوحات الإسلامية كانت بداية تاريخ غربي آسيا، إذ كيف لنا أن نتجاهل التاريخ الممتد من الألف الثالث قبل الميلاد إلى القرن السابع الميلادي؟ وكيف لنا أن نفهم المكوّنات القومية والثقافية القائمة الآن في غربي آسيا ما لم نعرف الأحداث الكبرى التي ارتبطت بالسومريين، والغوتيين، والأكاديين، والكاشيين، والبابليين، والآراميين، والفينيقيين، والخالديين، والميتانيين، والحثيين، والآشوريين، والليدييين، والميديين، والأخمينيين، والإغريق، والبرث، والساسانيين، والأرمن، والرومان، والروم البيزنطيين؟

آمِـد.. وليس (ديار بكر)
بلى، من المفيد أن نبحث عن آمد في سياقها التاريخي مكاناً وزماناً، ويوصلنا هذا السياق إلى أنها مدينة كردية عريقة، تقع في المنطقة الكردية بجنوب شرقي تركيا، وتسمى الآن (ديار بَكْر)، ولعل هذه التسمية هي من موروثات العهد العثماني، وقد ذكرها ياقوت الحموي (ت 626 هـ) في كتابه (معجم البلدان، 1/76) قائلاً:
” هي أعظم مدن ديار بكر وأجلُّها قدراً، وأشهرها ذكراً، … وهي بلد قديم حصين ركين، مبنيّ بالحجارة السود على نَشَزٍ [ مرتفع ]، دجلة محيطةٌ بأكثره، مستديرةٌ به كالهلال، وفي وسطه عيون وآبار قريبة نحو الذراعين، يُتناول ماؤها باليد، وفيها بساتين ونهر يحيط بها السور، … وفُتحت آمِد في سنة عشرين من الهجرة، وسار إليها عِياض بن غَنْم بعدما افتتح الجزيرة، فنزل على أن لهم هيكلهم وما حوله، وعلى ألا يُحدثوا كنيسة، وأن يُعاونوا المسلمين ويرشدوهم، ويُصلحوا الجسور، فإن تركوا شيئاً من ذلك فلا ذمّة لهم “.
وها نحن أولاء نرى أن ياقوت انطلق في التعريف بآمد بدءاً من العهد الإسلامي، أما قبل ذلك، فلا شيء، سوى الإشارة إلى أنها ” بلد قديم، حصينٌ ركين “، ومع ذلك فقد فرّق ياقوت بين دلالة كل من اسمي (آمد) و(ديار بكر)، وأوضح أن اسم (ديار بكر) كان يطلق على المنطقة التي كانت آمد عاصمتها الإقليمية، ولم يكن اسماً لمدينة آمد نفسها، تماماً كما نقول الآن عن مدينة (حلب) إنها عاصمة المنطقة الشمالية في سوريا؛ أي أنها أكبر مدن شمالي سوريا.
ومعروف في كتب التاريخ الإسلامي أن القبائل العربية كانت تتبع مسارات الفتوحات الإسلامية، وكانت الدولة تبيح لتلك القبائل أن تتخذ من البلاد المفتوحة مراعي لأنعامها، وعندما فتح العرب المسلمون الجزيرة- وهي تقع بين نهري دجلة والفرات، وتمتد من العراق جنوباً إلى المناطق التابعة لمدينة آمد شمالاَ، مروراً بشمالي شرقي سوري- انتشرت قبائل ربيعة في المناطق التابعة للموصل، فسمّيت (ديار ربيعة)، وانتشرت قبائل مُضَر في المناطق التابعة للرقة، فسمّيت (ديار مُضَر)، وانتشرت قبائل بَكْر في المناطق التابعة لآمد، فسمّيت (ديار بَكْر).
وهكذا فقد أُطلق الاسم العربي (ديار بكر) على المناطق التي كانت تابعة مدينة آمد حاضرتها وعاصمتها الإداريةً، أما آمد نفسها فاحتفظت باسمها التاريخي العريق، والدليل على ذلك أن الجغرافيين والمؤرخين المسلمين سمّوها (آمد)، ولم يسمّوها (ديار بكر)، وأطلقوا على المشاهير من أبنائها لقب (الآمدي)، ولم يقولوا: (الديار بكري)، وأحسب أن هذه النسبة الجديدة ظهرت في العهد العثماني، وتحوّلت بتأثر قواعد اللغة التركية إلى صيغة (الديار بكرلي).

آمِـد.. وميديا
ويقول ياقوت الحموي في تفسير اسم آمد:
” وما أظنها [ آمد ] إلا لفظة رومية، ولها في العربية أصل حسن، لأن الأمدَ الغايةُ، ويقال: أمِد الرجل يأْمد أَمَداً، إذا غضب، فهو آمِدٌ… والجامع بينهما أن حصانتها مع نضارتها تُغضب من أرادها “.
ونستدل من قول ياقوت على أنه لا يعرف شيئاً عن تاريخ آمد قبل الفتح الإسلامي سوى أنها كانت على صلة ما بالروم البيزنطيين، ظاناً أن الاسم رومي، ثم سرعان ما يعود إلى نهجه المعروف في البحث عن دلالات عربية لبعض الأسماء غير العربية، ويتوصل إلى تفسير لا يخلو من سطحية حول العلاقة بين (الأمد) و(آمد)، ولا أدري كيف استطاع التوفيق بين أن اللفظة رومية (لاتينية) وأنها من أصل عربي في الوقت نفسه؟
ومهما يكن فلا عتب على ياقوت، فهو رومي الأصل، ولا نعرف شيئاً عن اسمه الرومي، وقد اختُطف وهو صغير من دياره، وبيع في الأسواق، فاشتراه تاجر حموي الأصل، بغدادي الإقامة يدعى عَسْكَر، وكان عسكر أمياً، فحرص على تعليم عبده ياقوت، ليعينه في ميادين التجارة، ثم كلّفه بالتجارة في أرجاء العالم الإسلامي حينذاك، وهكذا فإن ياقوت هو في النهاية تاجر يبحث عن تبرير ما لتسويق بضاعته، حتى وإن كانت بضاعته مادة تاريخية.
وعندما نضع الأمور في نصابها، وننظر إلى آمد في سياقها الجغرافي والتاريخي الحقيقي، نجد أنفسنا مضطرين إلى الاختلاف عن ياقوت في تفسيره، ولاتضح أن آمد كانت- وما زالت- واقعة في صميم المنطقة الكردية، وهي المنطقة ذاتها التي كانت تابعة قبل الميلاد للدولة الميتانية، ثم للدولة الميدية، ومعروف أن الميتانيين والميديين هم من أسلاف الكرد قبل الميلاد، ومن المفيد أن نتذكر أن حدود دولة ميديا كانت تقف عند الشاطئ الشرقي لنهر هاليس (قيزيل إرماق)، لتبدأ حدود دولة ليديا الإغريقية من الشاطئ الغربي لذلك النهر، ولو تتبّعنا اليوم مواطن الكرد في شرقي تركيا لوجدناها تتطابق والمناطق التي كانت تتبع الدولة الميدية قديماً.
واعتماداً على هذه الحقائق التاريخية والجغرافية نرجّح أن لاسم (آمد) علاقة ما بالميديين، وثمة مدينتان أخريان تحملان اسماً مقارباً لاسم آمد، هما مدينة (هَمَذان= آمدان)، وكانت تسمى (أكباتانا) أيضاً، وكانت عاصمة الدولة الميدية، ومدينة العمادية (آمادي = آميدي) في إقليم كردستان بشمالي العراق، وهي من المدن الكردية القديمة.
وللمرء أن يتساءل: كيف تكون آمد كردية في الوقت الذي ذكر ياقوت- وتؤيده أخبار الفتوحات الإسلامية- أن الذين وقّعوا اتفاقية دخول العرب المسلمين إلى آمد كانوا من المسيحيين، إذ وردت بنود حول الهيكل والكنائس، مع العلم أن الكرد كانوا من أتباع العقيدة الزردشتية قبل الإسلام، ولا نجد أية إشارة إلى الكرد والمعابد الزردشتية في تلك الاتفاقية؟!

احتكام إلى التاريخ
ها هنا لا بد من الاحتكام إلى السياق التاريخي، فبعد أن خسر الميديون دولتهم سنة (550 ق.م)، وورثهم جيرانهم- وربما أقاربهم- الفرس الأخمينيون، أصبحوا تابعين للفرس سياسياً وثقافياً، وكانت كردستان بأجمعها تنضوي تحت لواء الأخمينيين، ولما أسقط الإسكندر المكدوني الدولة الأخمينية سنة (331 ق.م) كانت كردستان تتبع الدولة السلوقية الإغريقية حيناً، ثم الدولة البرثية (الأرشاكية)، ثم الدولة الساسانية، لكن مناطق منها كانت تقع تحت الهيمنة الأرمنية في المرحلة التي أسس فيها الملك الأرمني ديكران الثاني إمبراطوريته (حكم بين سنتي 54 – 34 ق.م).
وعندما ورث الرومان إمبراطورية الإغريق واستولوا على ليديا، اجتازوا نهر هاليس، وتوسّعوا شرقاً في أراضي ميديا، بل فرضوا هيمنتهم على أرمينيا نفسها أحياناً، وبعد أن انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى جناح شرقي عاصمته بيزنطة (القسطنطينية)، وجناح غربي عاصمته (روما)، خاض البيزنطيون صراعاً مريراً وطويل الأمد ضد الفرس الساسانيين، وخرجت أرمينيا من ساحة الصراع، وأصبحت كردستان موزّعة بين الفرس والروم، وكان الروم قد أنشؤوا قاعدة هامة لهم في نصيبين، وكانت مناطق نفوذ كل من الدولتين في كردستان تتسع وتضيق تبعاً لمراحل القوة والضعف التي كانت تمر بها كل دولة من الدولتين العظميين في ذلك الزمان.
وحينما بدأت الفتوحات الإسلامية في كردستان عامة كانت بلاد الكرد في جنوب شرقي تركيا تقع تحت هيمنة الدولة البيزنطية، ومعروف أن الدولة الحاكمة، ولا سيما إذا كانت غريبة عن الشعب، تُمركز رجالاتها وقياداتها ومؤسساتها- سواء أكانت إدارية أم ثقافية أم اقتصادية- في المدن والحواضر الكبرى، وهذا ما حصل في الأقاليم الكردية الواقعة تحت الهيمنة البيزنطية، وكان من الطبيعي أن تقوم الجهات البيزنطية الحاكمة بأمور الحرب أو التفاوض مع العرب المسلمين الفاتحين، وأن تحرص قبل كل شيء على تأمين مصالحها في بنود الاتفاقيات.
أضف إلى هذا أن الكرد كانوا يدينون بالعقيدة الأزدائية (الميثرائية)، ثم اعتنقوا العقيدة الزردشتية تحت تأثير السياسات الثقافية الأخمينية والساسانية خاصة، إذ صحيح أن النبي زردشت نفسه كان ميدياً نسباً وإقامة، لكن يبدو لي أن دعوته لقيت قبولاً عند الفرس في الدرجة الأولى، وأصبحت إيديولوجيا وظّفها الفرس على نحو ذكي للقضاء على الدولة الميدية.
والمهم أن معظم الكرد كانوا على الزردشتية قبل الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي (الأول الهجري)، وكانوا على خلاف عقدي مع جيرانهم الأرمن الذين اعتنق ملكهم درطاد الثالث المسيحية في أوائل القرن الرابع الميلادي، كما كانوا على خلاف عقدي مع جيرانهم البيزنطيين الذين اعتنق ملكهم قسطنطين المسيحية حوالي سنة (330 م)، ورغم الجهود الأرمنية والبيزنطية لم يعتنق المسيحية إلا عدد قليل جداً من الكرد، وكان الكرد في غالبيتهم من المزارعين والكُوچَر (الرُّحّل)، ويقيمون في الأرياف والمراعي الجبلية (زُوزان)، ومن الطبيعي ألا نجد لهم حضوراً في الاتفاقيات المعقودة بين الروم والفرس، وبين الروم والعرب الفاتحين.
هذا عن آمد.
وماذا عن الآمدي؟

الآمِـدي طالباً وكاتباً
هو أبو القاسم الحسن بن بِشْر بن يحيى الآمِدي، وهو آمِدي الأصل، وليس بين أيدينا من المعلومات ما يجعلنا نُجزم بأنه كردي قُحّ، لكن كردستانيته حقيقة لا شك فيها، بل إن كردستانيته ظاهرة في لقبه (الآمدي)، وبناء على المعطيات الجغرافية والتاريخية التي سبق ذكرها قبل قليل نرجّح أن الآمدي كردي النسب، وقد ناقشنا أسباب هذا الترجيح باستفاضة في كتابة ترجمة ابن تيمية.
وقد أجمعت كل المصادر على أن الآمدي ولد بالبصرة ونشأ فيها، ولم تذكر المصادر تاريخ ميلاده، أما تاريخ وفاته فقد اختلف فيه، وتردّدت أقوال المؤرخين أنه توفي بين سنتي (370 هـ) و(371 هـ).
وقد بدأ الآمدي حياته العلمية بالتتلمذ على أيدي العلماء في البصرة، ثم في بغداد، فقد أخذ اللغة والنحو عن أبي موسى الحامض (ت 305 هـ )، وأبي إسحاق الزجّاج (ت 311 هـ أو 316 هـ)، والأَخْفَش الصغير (ت 315 هـ)، وأبي بكر بن السرّاج (ت 316 هـ)، وأبي بكر بن دُرَيْد (ت 321 هـ)، وإبراهيم بن عَرَفة المشهور بلقب نِفْطَويه (ت 323 هـ).
ويذكر الآمدي نفسه أنه بدأ يتلقّط محاسن شعر أبي تمام والبحتري سنة (317 هـ)، وقد تكون هذه بداية مرحلة جديدة في التأليف والبحث، بعد أن اكتسب المعارف والعلوم التي هيّأت له عقلية عملية ناضجة.
واستطاع أن يتصل بأبي جعفر هارون بن محمد الضبّي، ويكون من كتّابه، وهارون هذا كان من سادات بني ضبّة، وكان أسلافه ملوك عمان. وبعد ذلك كتب الآمدي لآخرين، وأشار ياقوت الحموي إلى أن الآمدي ألّف كتاب ( تبيين غلط قُدامة في نقد الشعر ) لأبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد (ت 359/ 360 هـ)، وكان أبو الفضل هذا من أئمة الكتّاب، ولقّب بالجاحظ الثاني في أدبه وترسّله، والأرجح أن اتصال الآمدي بأبي الفضل كان بعد سنة (324 / 325 هـ) وهي السنة التي تقلّد فيها أبو الفضل الوزارة، وامتدت هذه الفترة إلى ما قبل سنة (335 هـ)، إذ يروي الآمدي أنه في تلك السنة كان في البصرة يكتب لأبي أحمد طلحة بن المثنّى.
وبعد مقتل طلحة بن المثنّى عاد الآمدي إلى البصرة، وتولّى الكتابة لقاضي البلد أبي جعفر بن عبد الرحمن الهاشمي، ثم لأخيه أبي الحسن محمد بن عبد الواحد لما ولي قضاء البصرة، وبدءاً من سنة (356 هـ) اعتزل الآمدي عمل الكتابة، ولزم بيته إلى أن توفّي سنة (370 / 371 هـ)، وهذا يدل على أنه آثر السلامة، ونأى بنفسه عن دسائس السياسة ومشكلات المناصب.

مؤلفاته وتلامذته
أجمعت المصادر على سعة علم الآمدي، ودقة معرفته بالشعر والأدب، قال القِفْطي في كتابه (إنباه الرواة على أنباه النحاة، 1/285):
” إمام في الأدب، وله شعر حسن، واتساع تام في علم الشعر ومعانيه رواية ودراية وحفظًا، وصنّف كتبًا في ذلك حساناً … صحب المشايخ والجِلّة … واتّسع في الآداب وبرز فيها، وانتهت رواية الشعر القديم والأخبار في آخر عمره بالبصرة إليه “.
وتظهر في كتابه (الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري) سعة معرفته بالشعر، فقد حوى الكتاب كثيراً من أبيات الشعر التي استشهد بها، وكثيراً من القضايا النقدية التي شرحها ونقدها، وألّف في بعضها كتباً مثل كتابه (تبيين غلط قُدامة بن جعفر في نقد الشعر).
أما ثقافة الآمدي في النحو فتعكسها مؤلفاته النحوية، مثل كتاب (فَعَلتُ وأَفعلتُ)، وقد أورد حاجي خليفة في (كشف الظنون) عدة كتب تحمل العنوان نفسه لكل من أبي علي القالي، وأبي إسحاق الزجّاج، وأبي زيد سعيد بن أَوْس الخزرجي، والآمدي، وقال: ” وهو أجوده “. ووصف ياقوت في (معجم الأدباء، 8/86) هذا الكتاب بأنه: ” غايةٌ لم يُصنّف مثلُه “.
وذكر الآمدي في ( الموازنة ) أنه ألّف كتاباً في معنى ( قد، وهل )، لخّص فيه ما ذكره النحويون وسيبويه في معناهما، غير أن مؤلفاته في الأدب والرواية هي الغالبة؛ إذ تبلغ أربعة وعشرين كتابًا. هذا ونذكر من مؤلفاته ما يأتي:
كتاب المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء، كتاب الموازنة بين الطائيين، كتاب نثر المنظوم، كتاب ما في عيار الشعر لابن طباطبا من الخطأ، كتاب فرق ما بين الخاص والمشترك، كتاب تفضيل شعر امرئ القيس على الجاهليين، كتاب فعلتُ وأفعلتُ، معجم الشعراء، كتاب شرح حماسة أبي تمام، شرح ديوان المسيَّب بن عَلَس، ديوان الأعشى الكبير، كتاب الشعراء المشهورين، كتاب الأمالي، كتاب أشعار بني يَرْبوع، كتاب تبيين غلط قُدامة بن جعفر في نقد الشعر، كتاب في معنى قد وهل.
وإن عالماً بالأدب والنحو مثل الآمدي لا بد أن يحظى به كثيرون من طلبة العلم، ويُقبلوا على تلقي المعرفة منه، ومن أبرز طلبة الآمدي: أبو الحسن علي بن دينار الكاتب ( 323 – 409 هـ )، وكان شاعراً مجيداً، شارك المتنبي في أكثر ممدوحيه، وعبد الصمد بن حُنيش النحوي، وأبو علي عبد الكريم بن الحسن بن الحسين بن حكيم السكري النحوي.

مكانته النقدية
النقد الأدبي باختصار هو تذوّق النص الأدبي، وتحليل عناصره، تمهيداً للحكم عليه، ويعلم كل قارئ للتراث العربي أن الشعر كان ديوان العرب، ولا عجب من ثم أن يكون الشعر محور الحركة النقدية الأدبية في تاريخ الثقافة العربية القديمة، وكان النقد الأدبي العربي في القرنين الأول والثاني الهجريين قائماً على الذوق، ومسترشداً ببعض المعايير المتعلقة بالفصاحة والبلاغة، ويلخّص مصطلح (الفحولة) تلك المعايير عند من اهتموا بالنقد، وصنّفوا الشعراء ضمن هذه الطبقة أو تلك.
وفي القرن الثالث الهجري برز الاهتمام بالمعاني، وبحث النقاد عن قواعد يحكمون من خلالها على الشعر والشاعر، وألّف ثعلب (ت 291 هـ) كتابه (قواعد الشعر)، وألّف ابن قُتَيْبة (ت 276 هـ) كتابه (الشعر والشعراء)، هذا عدا الآراء النقدية الكثيرة التي أوردها الجاحظ (ت 255 هـ) في كثير من رسائله، وساقها ابن المعتزّ (ت 296 هـ) في كتابه (البديع).
ومع القرن الرابع الهجري دخل النقد الأدبي العربي مرحلة جديدة، يصح أن نصفها بأنها مرحلة التأصيل والتقعيد، ومن أبرز أعلام النقد في هذه المرحلة: ابن طَباطبا العلوي (ت 322 هـ) صاحب كتاب (عِيار الشعر)، وأبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي موضوع دراستنا هذه، وقُدامة بن جعفر (ت 310 هـ) صاحب (نقد الشعر)، والقاضي علي بن عبد العزيز الجُرجاني (ت 392 هـ) صاحب (الوَساطة بين المتنبي وخصومه)، وأبو هلال العسكري (ت 395 هـ) صاحب كتاب (الصناعتين).
وكان الآمدي من الرعيل الأول في هذا المجال، حتى إن الدكتور إحسان عباس يقول في كتابه (تاريخ النقد الأدبي عند العرب، ص 142):
” فإذا بلغنا أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدي نكون قد وصلنا إلى أول ناقد متخصص، جعل النقد أهم ميدان لجهوده، وفيه كتب أكثر مؤلفاته “.
ويضيف الدكتور إحسان عباس قائلاً (ص 154):
” ويأوي الآمدي في نقده إلى ركن شديد، يجعله أساساً لنظرته النقدية، وهو الرجوع في كل أمر يختلف فيه المتذوّقون والنقاد إلى ما تعارفت عليه العرب وأقرّته وأثر عنها، فكما أن على الشاعر أن يلتزم عمود الشعر، فإن على الناقد أن يلتزم عمود الذوق “.
وقال الدكتور عبد الله حمد محارب في دراسته حول كتاب (الموازنة، ص 39):
” وما من شك في أن الآمدي كان يتمتع بحس فني كاشف، وبموهبة في التذوّق مرهفة، أضفيا على أحكامه لمسات جمالية، فجاءت قريبة من القلب، وإن خلت في كثير من الأحيان من التعليل “.
وقال الدكتور إحسان عباس (ص 145) مبدياً رأيه في كتاب (الموازنة):
” فكتاب (الموازنة) وثبة في تاريخ النقد العربي، بما اجتمع له من خصائص، لا بما حققه من نتائج؛ ذلك لأنه ارتفع عن سذاجة النقد القائم على المفاضلة بوحي من (الطبيعة) وحدها دون تعليل واضح، فكان موازنة مدروسة مؤيَّدة بالتفصيلات التي تلمّ بالمعاني والألفاظ والموضوعات الشعرية بفروعها المختلفة “.
وقال الدكتور علي علي صبح في كتابه (عمود الشعر العربي في موازنة الآمدي، ص 12):
” والآمدي كما نلاحظ في الموازنة ذو عقل حصيف، وفكر ناضج، وثقافة واسعة، وهو لا يسير وراء العلماء والأدباء، وإنما يجيء في الطليعة مجدّداَ لا مقلّداً، ومتبوعاً لا تابعاً “.
ورغم أن محمد رشاد محمد صالح يرى، في كتابه (نقد الموازنة بين الطائيين أبي تمّام والبحتري، ص 17)، أن الآمدي متعصب على أبي تمّام، متحيّز للبُحتري، فإنه يشيد بكتاب الموازنة قائلاً:
” ذلك كله لا يقلّل من شان كتاب الآمدي (الموازنة)، ولا يهدر من قيمته شيئاً، لأنه هو الأستاذ والمدرسة والمرجع الأم في كل ما كُتب عن النقد والبلاغة منذ 350 هـ وإلى يومنا هذا “.

المراجع
1. الآمدي: الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري، دراسة وتحقيق الدكتور عبد الله حمد محارب، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1990م.
2. السيوطي: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1964 م.
3. الدكتور علي علي صبح: عمود الشعر العربي في موازنة الآمدي، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، 1986م.
4. القفطي: إنباه الرواة على أنباه النحاة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، 1950 م.
5. محمد رشاد محمد صالح: نقد الموازنة بين الطائيين أبي تمام والبحتري، المركز العربي للصحافة، القاهرة، 1982م.
6. ابن النديم: الفهرست، تحقيق ونشر الدكتور شعبان خليفة، وليد محمد العوزة، العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، 1991 م.
7. ياقوت الحموي:
– معجم الأدباء، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1936م.
– معجم البلدان، تحقيق فريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990 م.

وإلى اللقاء في الحلقة الثامنة والعشرين.
د. أحمد الخليل في 1 – 11- 2006

تعليق واحد

  1. تحياتي وتقديري لدكتور أحمد الخليل
    والله يشهد اني اقدر واحترم كل ماتكتبه ياأستاذ اتمنى كل التوفيق ولكل انسان مثلك يعمل لبيان حقائق التاريخ المخفية
    عمدا او بغير عمد ارجو الله لك الصحة والعافية ومن الله العز والتوفيق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *