الرئيسية » مقالات » تعقيب على تعقيب الأستاذ القاضي زهير كاظم عبود

تعقيب على تعقيب الأستاذ القاضي زهير كاظم عبود

قرأت بعناية تعقيب الأستاذ الفاضل زهير كاظم عبود حول مقالي النقدي لكتابه الموسوم “لمحات عن سعيد قزاز”, تماماً كما كنت قد قرأت كتابه حين كتبت النقد, إذ أن مسؤولية الناقد تعادل مسؤولية الكاتب في التحري عن الحقيقة والالتزام بالموضوعية. عبر الصديق الأستاذ عبود عن موقف علمي وتواضع جم إزاء النقد الذي وجهته له, وهو ما كنت أتوقعه منه, إذ أن أي نقد علمي بناء يخدم الحقيقة ولا يسيء للكاتب, بل يساعده ويساعد الناقد ذاته من خلال مواصلة النقاش بهدف الوصول إلى رؤية أكثر وضوحاً حول المادة التي يجري حولها النقاش. وإذا وجد من لا يرتاح للنقد ويشعر بالمرارة من نقد الآخرين له, فهو لا يستحق أن يكون كاتباً ومشاركاً في تبادل الرأي ووجهات النظر والحوارات الفكرية والسياسية أو النقاشات المختلفة, شريطة أن يكون النقد لا يستهدف الإساءة لأحد.

سأحاول فيما يلي أن أتطرق مرة أخرى إلى الكتاب وإلى التعقيب الذي تفضل به الأستاذ عبود حول مقالي الموسوم “كيف يقرأ كتاب الأستاذ زهير كاظم عبود لمحات عن سعيد قزاز”.
أولاً: حول المنهج
1. لا يمكن من حيث المبدأ الاتفاق مع الكاتب السيد عبود بشأن قوله أنه لا يكتب رسالة ماجستير أو رسالة دكتوراه ليلتزم بمنهجية الرسائل الأكاديمية, إذ أن أي كتاب, وخاصة من يريد إعادة كتابة التاريخ, أن يلتزم بمنهجية علمية لا تقل صرامة عن رسائل الماجستير والدكتوراه, لكي يستطيع بموجب تلك المنهجية أن يصل إلى نتائج ربما لا يستطيع تقديرها في بداية البحث, إذ لا يجوز في البحث أن تكون لها استنتاجات مسبقة بشأن هذه القضية أو تلك بل البحث والتحري يفترض أن يوصلنا إلى ما هو موضوعي. ويفترض أن يحرص الكاتب على التناغم بين الشكل والمضمون, بين العنوان والبحث أيضاً. وهو ما أردت الإشارة إليه, إذ أن ذلك يعتبر أحد مستلزمات الكتابة العلمية الجادة, إذ أعرف أن ما كتبه الزميل عبود ليس برسالة ماجستير ولا رسالة دكتوراه, ولكنها محاولة لإعادة الاعتبار لشخص سعيد قزاز, ومحاولة لإعادة كتابة التاريخ في العراق. ولهذا أشرت إلى ملاحظتين, بغض النظر عن حجم الأخطاء المطبعية والتي لا دخل للكاتب بها, وهي أن مفردات الكتاب تفتقد إلى التسلسل المنطقي, وهي جزء من منهجية العمل وليست كل المنهجية أولاً, ومن ثم أن اسم الكتاب لا ينطبق على مضمونه وكان الأفضل أن يسمى محاكمة سعيد قزاز على نمط محاكمة صدام حسين, إذ أنها كانت المسألة المركزية في الكتاب.
2. يشير السيد عبود إلى أنه سيواصل تتبع خطى الأستاذ الدكتور كمال أحمد مظهر ومنهجه في إعادة كتابة التاريخ. وليس لدي أي اعتراض على ذلك. وهي مسألة تمس الزميل ذاته. ولكن من المفيد أن نشد أنفسنا على المنهجية وليس إلى فرد يستخدم منهجيته في البحث. والمنهجية في كتابة التاريخ ليست واحدة, كما أن الباحث أياً كان ليس معصوماً عن الخطأ. أحترم الأستاذ الدكتور كما أحمد مظهر باعتباره باحثاً جاداً ومشرفاً على عدد غير قليل من رسائل الدكتوراه والماجستير, ولكني لا أتفق مع الطريقة التي مارسها, فهي طريقة انتقائية وليسن منهجاً حين بدأ في إعادة كتابة تاريخ بعض الشخصيات العراقية, سواء أكان ذلك بالنسبة إلى نوري السعيد أم سعيد قزاز, إذ أجد أنه بعيد كل البعد عن المنهج الموضوعي في دراسة الشخصيات والأحداث في أجوائها وظروفها الملموسة.
أدرك أن الكاتب السيد عبود يتسم بالجرأة في الكتابة وفي البحث في مسائل مهمة, ولكني لم أتوقع صدور مثل هذا الكتاب عنه. إذ تبدو لي ملاحظته الواردة في التعقيب لا تتناغم مع مضمون كتابه حول سعيد قزاز حين كتب في تعقيبه يقول: “ولم تكن عيني الثانية مغلقة مطلقا فقد بقيت منفتحة على الحقيقة التي تحملت وسأتحمل من أجلها الكثير حتى يستقر منهجنا في كتابــة التأريخ ( منهج كمال أحمد مظهر ) الذي يقول : ” علينا أن نعيد النظر ببعض أحكامنا السابقة إزاء الأحداث أم الشخصيات, ولكن وفق منهج علمي وموضوعي محايد وغير متحيز”. النقد يا صديقي لا يسئ لأحد ولا يحتاج الإنسان إلى أن يتحمل الكثير من أجل الحقيقة, إذ أنها نسبية ومتغيرة باستمرار مع تغير الزمان والمكان وغيرها, ولا اعتقد بأن كتابه عن سعيد قزاز سيحمله الكثير دفاعاً عن حقيقة سعيد قزاز, هي ليست بالضرورة الحقيقة بعينها . أتمنى لزميلي أن لا تتحمل في المستقبل الكثير من أجل الكشف عن الحقائق التي هي باستمرار نسبية والتي يمكن أن يعتبرها البعض إنها الحقيقة المطلقة. كما أني وفي الوقت الذي أقول أن عيونه على الكثير من الأمور متفتحة ومنفتحة, ولكنها هنا كانت النظرة من خلال عين واحدة, علماً بأن التعقيب على مقالي يشير إلى أن الصديق الكريم بدأ يفتح أحياناً ويغلق أحياناً أخر عينه الثانية.

ثانياً: حول مضمون الكتاب
1. حين ندرس سيرة حياة شخصية عامة مثل سعيد قزاز يفترض أن ننتبه إلى مسألتين متباينتين لا يجوز الخلط بينهما, رغم التفاعل القائم بينهما, ولكنهما تعبران عن أمرين مختلفين, وأعني بهما: أ. السلوك الشخصي أو الفردي والخاص للشخصية العامة, وربما في بيته ومع الأصدقاء؛ وب. السلوك الوظيفي أو باعتباره جزءاً من نظام سياسي قائم في حينها. فغالباً ما تختلف الشخصيتان وتعبران عن ازدواجية أو انفصام في الشخصية التي غالباً ما يتميز بها المسؤولون المستبدون, كما في حالة صدام حسين مثلاً. ولهذا فأن الخلط بينهما وتبرئة ذمة هذا المسؤول أو ذاك من السلوك العام أمر يتناقض مع المنهجية العلمية بشكل عام. فما كان يمارسه سعيد قزاز في البيت أو مع البعض من أصدقائه أو معارفه هو غير ما كان يمارسه مع المجتمع والمعارضة السياسية للنظام. وبقدر ما كان ودوداً مع صحبه, كان قاسياً وشرساً وعدوانياً مع المعارضة السياسية, وخاصة إزاء الحركة الشيوعية والتقدمية بشكل عام, وهو ما لا يجوز نسيانه والخلط به.
2. يفترض أن لا ننسى الحقيقة التالية: لم يكن سعيد قزاز أحد بيادق النظام الملكي في فترة تفسخه وسقوطه, بل كان أحد قادة النظام المعتمد من قبل شركات النفط والسفارة البريطانية ونوري السعيد, رغم وجود بعض مواقف الخلاف بين الشخصيتين. ولم يحكم على هذا الرجل وحده بالإعدام, بل حكم على مدير التحقيقات الجنائية بهجت العطية, ومتصرف لواء بغداد عبد الجبار فهمي ومدير السجن عبد الجبار أيوب بالإعدام ايضاً ونفذ الحكم بالأربعة. أي المجموعة التي كانت مسؤولة في وزارة الداخلية, والتي كانت مسؤولة عن كل ما كان يجري في العراق في التصدي للمعارضة السياسية للنظام الملكي. وسعيد قزاز لم يكن موظفاً صغيراً في وزارة الداخلية لينفذ أوامر سيده الوزير, بل كان السيد وزيراً للداخلية ومن أبرز واضعي سياسة العراق الداخلية حينذاك في موقف الحكومة العراقية الملكية من المعارضة السياسية. ولم تكن محاكمة سعيد قزاز قضائية فقط, رغم أنها كانت كذلك, ولكنها كانت بمعنى معين سياسية ضد كل النظام وضد كل الذين أساءوا للشعب وقضيته في تلك المرحلة. يبدو لي مفيداً أن نتعمق في دراسة سلوكية الفرد المسؤول, والتحري عن ازدواجية أو انفصام الشخصية فيه, وخاصة لشخصيات مستبدة مثل نوري السعيد وسعيد قزاز وغيرهما في المنطقة.
3. حين يتفق معي الصديق الفاضل عبود إلى أن سعيد قزاز كان جزءاً من النظام القمعي حيث كتب يقول: هل كان المتهم مذنباً ويتحمل مسؤولية ما ارتكبه من مخالفات فعلية؟ أم كان بريئاً من أي تهمة في ارتكاب المخالفات؟. فأقول نعم هو جزء من النظام القمعي ولكنه ليس كل النظام وليس الجزء الأساسي منه, …”, إذن من الواجب محاكمته. وليس هناك أي خطأ بمحاسبته. وأختلف معه في كونه ليس الجزء الأساسي, بل أقول لقد كان سعيد قزاز جزءاً أساسياً وقطباً فاعلاً ومؤثراً في تشكيلة النظام القمعي وليس خردة أو هامشياً في الوزارة, ولم يكن عبثياً أن يكون وزيراً للداخلية في نظام قمعي. وبقية الموضوع أشرت إليه في مكان آخر من هذا التعقيب.
4. لقد حوكم أغلب مسؤولي النظام الملكي, عدا الذين قتلوا تجاوزاً على حقوق الإنسان, في شوارع بغداد, وهم الملك فيصل والوصي عبد الإله ورئيس وزراء الوحدة العراقية الأردنية حينذاك, نوري السعيد. وكان رمز النظام حينذاك هو سعيد قزاز, الذي تجاوز مع غيره على دستور البلاد لعام 1925. وكان في مقدوره أن يرفض ما يصدره مجلس النواب ويستقيل من وظيفته ويقبل بتحمل ما تتحمله الآن من أجل الكشف عن الحقيقة. ولكنه لم يفعل ذلك بل غاص في مستنقع قمع الشعب, بما في ذلك قضية شعبه الكردي. (وبالمناسبة عدت قبل يومين من زيارة شخصية إلى إقليم كردستان العراق واستفسرت بشكل مباشر عن الأسطورة الواردة في الكتاب عن اللقاء بين السيد مسعود البارزاني وسعيد قزاز في حينها, كما جاء في كتاب السيد عبود, وعن موضوع الخيار بين الخنجر والقلم, فجاء الجواب من مصدر موثوق تماماً بأن الحادث لا أساس له من الصحة كلية ولم يكن هناك أي لقاء بين الرجلين أبداً). لم يكن سعيد قزاز ظالماً مع المعارضة العراقية فحسب, بل كان ظالماً مع قضية شعبه ومواقفه إزاء الحركة السياسية الكردية, وليس مع الكفاح المسلح فقط, وهذا يؤكد ما أشرت إليه في تعقيبي على كتاب السيد عبود.
5. أشرت إلى أني قرأت بإمعان محاكمة سعيد قزاز, إذ أن مجلدات محكمة الشعب موجودة في مكتبتي, إذ أنجزت دراسة عن طبيعة هذه المحكمة وتصرفاتها ضمن كتابي الموسوم “لمحات من عراق القرن العشرين”. إلا أن هذه المحكمة صدر بها قرار من أعلى سلطة في البلاد, رغم اختلافنا معها عن مدى صلاحيتها في تشكيل مثل هذه المحكمة. ولكن سؤالي الذي أثرته ما يزال مطروحاً. لست إلى جانب قرار حكم الإعدام بأي حال, ولكن ألم يكن الرجل مذنباً حتى لو كان الحكم عليه بعدة سنوات أو غرامات كما تشير إلى ذلك, فلم لا يشار إلى ذلك بأن الرجل كان مذنباً في أكثر من حادث أو إجراءٍ مارسه وهو على رأس وزارة الداخلية. لست مع من يقول أن الرجل كان عميلاً, فهؤلاء كانت لهم فلسفة ونهج نختلف حوله. وليست هذه هي المشكلة, بل المشكلة في القوانين التي أصدروها والسياسات التي مارسوها. وإذا كان الأستاذ عبود صبياً يافعاً حينذاك, فأن كثرة منا كانوا ضحايا سياسات النظام التي كان سعيد قزاز أحد أبرز أقطاب تلك السياسة. من المفيد إعادة كتابة التاريخ ولكن شريطة أن تكون وفق أسس ومعايير واضحة بحيث لا يتحول الجلاد إلى ضحية والضحية إلى جلاد, والسياسة القمعية التي مورست كانت تدافع عن نظام رسمي وعن دستور وبرلمان وحكومة, والمعارضة كانت متطرفة في مواقفها وبالتالي استحقت العقاب! هذا هو تقريباً ما توصل إليه الدكتور كمال أحمد مظهر, وهو ما لا أتمنى أن يتفق معه الأستاذ عبود ويجد منهجه صائباً.
6. لم تكن هناك مخالفات مارسها وزير الداخلية, بل كانت هناك جرائم ارتكبت بحق الوطنيين العراقيين وصدرت بقرارات وأوامر من مجلس الوزراء, وكان هو أحد أبرز المسؤولين عنها, باعتباره وزيرا للداخلية, وبالتالي لا يجوز وضعه في خانة وكأنه موظف بسيط. إن الجهة المسؤولة عن محاكمته كان يفترض أن تكون محكمة جنايات وليس محكمة جزاء. إن إسقاط الجنسية العراقية جريمة, إن شنق الناس بمحاكمات شكلية وقرارات مسبقة الصنع جريمة, أن قتل السجناء العزل جريمة, إن قتل المضربين جريمة. ولكن لا أختلف في الوقت ذاته بأن من الصائب أن لا تكون المحكمة عسكرية, رغم أن القضاة كانوا جميعاً, وكذلك هيئة الادعاء العام من خريجي كلية الحقوق العراقية التي يعين منها القضاة, بل كان الأفضل تقديمه إلى محكمة الجنايات.
7. لقد كانت وزارة الداخلية, ومنها مرؤوسيه في التحقيقات الجنائية, تتدخل في الأحكام التي تصدر ضد المتهمين بقضايا سياسية خلال فترة وجود سعيد قزاز على رأس وزارة الداخلية. ولدي من الشواهد ما يؤكد العلاقة المباشرة بين ما كانت تمارسه التحقيقات الجنائية وما كان يؤيده سعيد قزاز باعتباره المسؤول الأول عن أمن العراق حينذاك وعن التحقيقات الجنائية. وهذه المسألة بحد ذاتها تستوجب تقديم سعيد قزاز إلى المحاكمة. لقد كان الشهود يزورون, وكانت الأوراق والمستمسكات تزور في المحكمة, وكانت الأحكام معدة سلفاً في وزارة الداخلية والتحقيقات الجنائية. لقد قدمت صورة مبسطة عن أساليب التعذيب التي كانت تمارس في العهد الملكي في ذكريات نشرتها حول وجودي في ضيافة التحقيقات الجنائية في العام 1955 ولمدة أسبوعين, ثم صدر حكم بحقي بالسجن والإبعاد. وكان تعذيبي أهون بكثير مما واجهه في حينها بهاء الدين نوري وحميد عثمان وجبار حسين وكريم أحمد الداوود وفاضل عبد الكريم والمئات بل الآلاف من المناضلين. وكانت بعلم ومسؤولية وموافقة وزير الداخلية يا صديقي العزيز. وما كان يجري في سجون العراق لم يكن تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية فحسب, بل ووزارة الداخلية وكان العمل مشترك ومنسق بين الوزيرين.
8. المتهم الرئيسي في فترة الملكية هو النظام السياسي, هو الحكم. وكان الحكم يدار بشخصيات معينة, وبالتالي فأنها المسؤولة عن سياسات تلك الفترة. لم يكن فاضل الجمالي بفظاعة سعيد قزاز. وإذا كان قزاز هو المسؤول عن المشاركة في إصدار المراسيم التي وضعت قبل أن يكون في الخارج ويأتي ليجدها جاهزة, فقد كان متفقاً معها وموافقاً عليها, فأن الجمالي كان المسؤول عن إطلاق الحريات الديمقراطية في العام 1953/1954 التي أتى عليها نوري السعيد ومعه سعيد قزاز بمراسيم عام 1954 و1955 وكذلك عبد الإله. ومع ذلك حوكم فاضل الجمالي وصدر بحقه حكم من ذات المحكمة, ولكن أخف من حكم سعيد قزاز, ثم أطلق سراحه. وأنا مع هذا الحكم وضد الحكم الذي صدر بحق سعيد قزاز, ولكن هذا الموقف يختلف عن محاولة تبييض وجه سعيد قزاز بالطريقة التي جرت في الكتاب, وبالتالي, فأنا ما أزال ألاحظ عيناً مفتوحة وأخرى مغلقة, وهي ليست إساءة لأحد بل هو نقد لمنهج البحث الذي يخلط بين السلوك الشخصي والسلوك العام, عندها يصعب التمييز بينهما.
9. أعرف أن السيد عبود عربي القومية والراحل سعيد قزاز كردي القومية ولم أدعي وجود رابطة قومية أو عائلية أو شخصية من هذا النوع أو غيرها بينهما, ولهذا لم يكن موجباً طرحها. ومع ذلك أشير بما لا يقبل الالتباس إلى أن ملاحظتي حول رغبة السيدة الفاضلة ابنة الراحل سعيد قزاز التي اتصلت, بعد نشر فصول الكتاب في جريدة الزمان, بالكاتب الفاضل لا تعني أي إساءة للكاتب, ولكن أشرت إلى حصول مثل هذا الموقف أو الصلة فقط وهو الذي أشار لي بها حين كنا معاً في لندن, وحين حثته بصراحة بملاحظاتي حول الكتاب وأشرت إلى أنها ستنشر قريباً.
10. أشارك السيد عبود رأيه في الموقف من أحمد صالح العبدي. لا أظن بأن أي إنسان تقدمي رفع صورة العبدي في بيته, ومنهم أعضاء الحزب الشيوعي العراقي, ومن رفع صورته كان في الغالب الأعم هم البسطاء من الناس بسبب ظهور اسمه مع بقية الذي شاركوا في الثورة على النظام الملكي, كما رفع صور الكثير من هؤلاء القادة. وأنا شخصياً لم أرفع أي من صورة هؤلاء القادة في بيتي وغير مسؤول عمن رفع صورته. ولكن يبدو مفيداً أن أشير إلى أن العهد الجمهوري قد ارتكب الكثير من الأخطاء والخطايا بحق الناس الأبرياء وليس فقط بحق البعض من أقطاب النظام السابق. ولكن حين نكتب عن النظام الجمهوري, سنشير إلى تلك التجاوزات, وعلينا أن لا نخفف من طبيعة الحكم الملكي وسياساته أو سياسات وإجراءات أقطابه لأن الوضع الذي تلي ذلك كان أسوأ من قبله. وينطبق هذا على النظام القضائي, وخاصة السياسي منه أيضاً.
11. صدرت أحكام مختلفة بحق الوطنيين العراقيين في عهد نري السعيد وسعيد قزاز. وكان المسؤول عن تلك الأحكام هو النظام الملكي ومجلس النواب والنخبة التي كانت تحكم البلاد حيث صدرت في عهدها تلك الأحكام. هذا صحيح جداً. وإذا قصر المسؤولون في محاكمة الآخرين, علينا أن نتساءل لماذا؟ ولكن لا يجوز, كما أرى, أن نقول ولِمَ حوكم هذا فقط. أرجو أن لا تقترن الإجابة بكونه كردي, إذ أن بقية من حوكم معه وصدر بحقهم حكم الإعدام كانوا جميعاً من العرب. السبب أن هؤلاء كانوا مسؤولين عن وزارة الداخلية وعن الأمن والتعذيب والقتل …الخ. هل ينبغي أن نحاسب من يوقع على اتفاقيات مخلة باستقلال وسيادة العراق أو مخلة بالديمقراطية وحقوق الإنسان, رغم موافقة البرلمان عليها؟ أقول نعم يجوز ذلك, لأن بإمكان الوزير, وهو رجل يمتلك عقلاً ومسؤول عن أفعاله, أن يرفض التوقيع أو ممارسة سياسة مخالفة لنصوص الدستور أو لحقوق الإنسان, وكان العراق قد وقع منذ العام 1948 على لائحة حقوق الإنسان العالمية وصادق عليها. ولكنه الوزير الراحل كان يمارس تلك السياسات والإجراءات لأنها كانت تنسجم مع سلوكه وبرنامج الوزارة التي كان جزءاً أساسياً منها. ينبغي أن لا تأخذنا العزة بالخطأ ونصر على أمور ونتحرى عن سبل للدفاع عن أمور غير صحيحة.
12. أختلف مع السيد عبود حول من سماهم, شاء ذلك أم أبى, بالكذابين, رغم قوله بأنه كان لا يريد تسميتهم لأنهم أموات, فالإشارة ذاتها تعبر عما كان يريد أن يقوله فعلاً بشأن من تعرضوا للاضطهاد في فترة حكومة نوري السعيد والوزير سعيد قزاز. والعودة إلى أضابير المحكمة تؤكد أن هؤلاء الناس لم يكذبوا, ولكن لا شك في أن كل فرد يرى الأمور من زاويته الخاصة ويمكن أن تحصل مبالغات معينة, وتبقى نسبة الانحراف غير كبيرة. إن من عاش تلك الفترة غير من سمع بها أو قرأ عنها. لقد كان من نصيبي أن أكون أحد الذي عايشوا هذه الفترة. كان وزير الداخلية هو الذي وافق على إرسال المئات من أساتذة الكليات والمعاهد والمثقفين العراقيين إلى السعدية, وإرسال مئات من طلبة الإعدادية إلى العسكرية بعد جروهم من مقاعد الدراسة قسراً ودون قرارات قضائية وممارسات شرعية. وكان في مقدوره أن يرفض التوقيع على تلك الإجراءات, ومن واجب القضاء محاسبته على تلك المواقف وكامن يعرف بها جيداً, بل بأوامر منه صدرت في ضوء قرارات من مجلس الوزراء وكان في مقدوره أن يستقيل ويرفض التنفيذ. هل يجوز لنا أن نعفي عصابة صدام حسين الآن ونقول أن المسؤول هو صدام حسين فقط, أم يفترض أن يحاكم كل الذين مارسوا القيادة الفعلية, ومنهم الوزراء الذين مارسوا القمع, وخاصة وزراء الداخلية والأمن والاستخبارات؟
13. نعم أستغرب, وهو حق لي, من اعتماد شخص مناهض للشيوعية والشيوعيين العراقيين ليقدم شهادة ضد الشيوعيين باعتبارهم مسؤولين عما جرى من اضطهاد لسعيد قزاز أثناء التحقيق أو الاعتقال. نعم استغرب إذ لا يجوز الاعتماد على مثل هذه الشهادة, فهي من خصم لا يريد إلا الإساءة القصدية للشيوعيين, خاصة بعد أحداث الموصل ومحاولة انقلاب العقيد الركن عبد الوهاب الشواف, إذ كان طرفاً في تلك الأحداث, وكان الأفضل رفض تلك الشهادة أو التشكيك بصحتها على الأقل وليس القبول بها كما وردت في الكتاب وكأنها الحقيقة الناصعة. أنها أقرب ما تكون إلى موضوع العلاقة بين السيد مسعود البارزاني وسعيد قزاز وقضية الخنجر والقلم. لست ضد نقد الشيوعيين أو غيرهم, بل يمكن توجيه النقد للشيوعيين في مواقع أخرى وفي أحداث أخرى, واعتماد أناس حياديين حقاً, ومناسبات ذلك ليست قليلة في تلك الفترة. إن العودة إلى كتابات السيد حسن العلوي تشير إلى مدى الكذب الذي مورس من قبل جمهرة من البعثيين والقوميين لتشويه سمع الشيوعيين, بما في ذلك الادعاء بحرق القرآن أو الإساءة إليه أو شتم عبد الكريم قاسم …الخ. ومن هنا كان الموقف الحذر مناسباً. 

10/12/2006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *