الرئيسية » مقالات » الجذور التأريخية لثقافة الإرهاب و العنف و رفض الآخر في المجتمعات العربية و الإسلامية

الجذور التأريخية لثقافة الإرهاب و العنف و رفض الآخر في المجتمعات العربية و الإسلامية

إن الثقافة الشمولية عند المجتمعات الإسلامية بشكل عام و العربية بشكل خاص، تقوم على العنف و إلغاء الآخر و بذلك لا تدع وجوداً للآخر للتحاور معه. هذه الثقافة المتخلفة هي نتاج ترسبات تأريخية تراكمت في عقل الإنسان العربي و المسلم خلال حقبة طويلة من الزمن و التى أنتجت الثقافة العربية المتزمتة و الشخصية العربية العدوانية التي نراها اليوم و المبنية على الكراهية و العنف و الإرهاب و روح الثأر و الإنتقام و الفكر الإقصائي و الإلغائي. لذلك، عند الحديث عن موضوع الثقافة العربية، يجب البحث عن العوامل التي أوجدت تلك الثقافة و البيئة التى ترعرعت فيها المجتمعات العربية و الإسلامية و التى ساهمت في خلق الشخصية العربية و الإسلامية الحالية.

يمكن أن نبدأ من الفترة الزمنية التي سبقت ظهور الدين الإسلامي. هنا أركز على المجتمعات العربية التي كانت تقطن الجزيرة العربية لأن ثقافة المجتمعات العربية، و الى حد ما، ثقافة المجتمعات الإسلامية السائدة في الوقت الحاضر هي ثقافة مجتمعات الجزيرة العربية التي إنتقلت الى المجتمعات الإسلامية مع بدأ الإحتلال الإسلامي العربي لمنطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا و أجزاء عديدة أخرى من مناطق العالم عند نشر الدين الإسلامي في تلك البقاع. كانت المجتمعات في الجزيرة العربية قبل الدعوة الإسلامية، هي مجتمعات بدوية بدائية تعيش على تربية الحيوانات و الى حد ما، على التجارة. الطبيعة القاسية لحياة الصحراء، حيث شحة المياه و الكلأ و شدة إرتفاع درجات حرارة الجو و قسوة الطبيعة الصحراوية و وحشتها، حيث العواصف الرملية و الجفاف و الكفاح المضنى من أجل توفير مستلزمات إدامة الحياة من غذاء و مأكل و ملبس و حماية النفس من الأعداء الكثيرين، حيث كان الصراع قائماً من أجل البقاء، أنتج كل هذا مجتمعات قاسية جافة. كما أن قلة المياه والمراعي لتربية الحيوانات خلقت منافسة شديدة بين القبائل البدوية للإستحواذ على مصادر الحياة و التي تسببت في إكتساب تلك المجتمعات لروح الثأر و الإنتقام و الغزوات و النهب و القتل. هذا النضال المرير ضد قساوة الطبيعة و الحياة و لكون الرجل الأقوى عضلياً من المرأة، جعل المرأة أسيرة الرجل و عبدته، حيث كانت تعتمد عليه في عيشها و التي أدت الى (إقتناء) الرجل لأكثر من زوجة للإستمتاع (بمباهج الحياة) و توليد أكبر عدد ممكن من الأطفال، و خاصة من الذكور، لمعاونته في كفاحه من أجل إعالة نفسه و عائلته.

بعد ظهور الدعوة الإسلامية، قام هؤلاء العرب البدو بنشر الدين الإسلامي، بإشهار سيوفهم بوجوه الشعوب الأخرى و غزو بلدانها و نهبها و فرض الدين الجديد على شعوب تلك الدول أو فرض الجزية عليها و سبي نسائها لمن يرفض الدخول في الدين الجديد. هناك عوامل عديدة ساهمت في إستعراب شعوب الدول التى تم إحتلالها من قِبل بدو الجزيرة العربية. يمكن تحديد هذه العوامل بفرض نظام الحكم العربي في تلك الدول المحتلةً، حيث إستلم المحتلون العرب المواقع السياسية و الإدارية و قيادات الجيش في تلك البلدان، فأصبح الحكم حكماً عربياً و اللغة العربية لغة رسمية. كما أن كون القرآن مكتوباً باللغة العربية، لعب دوراً محورياً في تعريب الشعوب غير العربية الواقعة تحت الإحتلال العربي، بل أن اللغة العربية الموحدة، التي نراها اليوم، لم تكن بإستطاعتها أن تظهر و تدوم لولا كون القرآن جامعاً للعرب. كان لإستخدام النصوص العربية في الطقوس و الفرائض الإسلامية، مثل الأذان و الصلاة و الحج، دوراً في إستعراب الكثير من الشعوب الخاضعة للحكم الإسلامي العربي. من العوامل الأخرى التي لعبت دوراً كبيراً في إستعراب الشعوب التي خضعت للحكم العربي، هي إرتفاع نسبة الولادة عند القبائل البدوية، مقارنة بسكان المدن و الأرياف، حيث أن طبيعة البدو تميل الى الإنجاب الوفير لحاجتهم الى المزيد من الأطفال لمساعدة الآباء في تربية الحيوانات و إنجاز الأعمال البيتية و لحاجتهم الى مقاتلين لتقوية القبيلة و درء أخطار الأعداء و كذلك نتيجة تعدد الأزواج و توفر الوقت الوفير عند الرجل ليختلي بزوجته. كما أن الإنجاب و الجنس يُعتبران من عناوين الرجولة و الفحولة عند البدو.

نجاح قبائل الجزيرة العربية في الإستيلاء على تلك البلدان و إحتلالها و حكمها، أمكنها من فرض سيادتها و ثقافتها البدوية على شعوب تلك البلدان. هكذا سادت الثقافة البدوية بين المجتمعات المستعربة و الإسلامية و إختفت الثقافات المدنية التي كانت سائدة فيها قبل الإحتلال العربي، حيث كانت لهذه الشعوب حضارات عريقة متطورة خدمت الإنسانية جمعاء. الحضارات السومرية و البابلية و الآشورية و العيلامية و الميدية و الفرعونية و الفارسية و غيرها حققت إنجازات عظيمة، حيث إكتشفت النار و الزراعة و الكتابة و الأرقام و المدنية. لو قُدّر لهذه الشعوب أن لا تتعرض للإحتلال البدوي أو لو ظهر الدين الإسلامي في منطقة أخرى غير الصحراء، في منطقة مثل وادي الرافدين أو وادي النيل، لكانت شعوب منطقة الشرق الأوسط و الشعوب الإسلامية قد تمكنت من إكتساب ثقافة متحضرة، قائمة على الإنفتاح و الحوار و قبول الآخر و إحترام الرأي الآخر. كما أنه لو سلك التأريخ طريقه السوي في المنطقة و تُركت هذه الشعوب تعيش حرة، تقرر مصيرها بنفسها، بعيدة عن الإحتلال البدوي، لَكانت هذه البلدان اليوم من البلدان المتقدمة علمياً و حضارياً و مدنياً، قد تكون أكثر تقدماً من الدول الغربية الحالية و لكانت شعوبها تعيش في سلام و وئام مع نفسها و مع جيرانها و مع شعوب العالم كلها و لَتجنبت هذه الشعوب الحروب و الموت و الدمار و الكوارث و الكراهية التي تعرضت لها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً و لَإستطاعت هذه الشعوب، الغارقة في بحر من الدماء و الدمار و التخلف و الكراهية، توفير و تسخير تلك الثروات البشرية و المالية الهائلة، التي هُدرت، لتبني بلدانها و تحقق الرفاهية لنفسها. نعم، أن الإحتلال البدوي دمّر الإنسان و الحياة و خرّب البلدان التي وصل إليها. آثار هذا الخراب الثقافي و االفكري و النفسي و الإجتماعي لا تزال متجذرة في نفوسنا و كامنة في عقولنا. قد نحتاج الى أجيال عديدة للتخلص من هذا الوباء، فيما لو نجحنا في العثور على طريق للنجاة، يساعدنا في إزالة الثقافة البدوية المتأصلة في عقولنا و نفوسنا.

إن ذوبان الثقافات القديمة للشعوب المستعربة و الإسلامية في الثقافة البدوية، خلق أزمة هوية عند هذه الشعوب بعد أن فقدت هوياتها و ثقافاتها الأصلية و إكتسبت ثقافة البداوة التي تسود فيها القبلية و الطائفية و الغزو و الإستيلاء على أرض الغير و على ممتلكاتهم و المتشبعة بروح الكراهية و حب السيطرة و سيادة المجتمع الرجولي. هذه الحالة أظهرت إختلالاً خطيراً في شخصية الإنسان المسلم، حيث أفقدته توازنه و أربكت شخصيته و أنهت إحساسه بروح الإنتماء لأرضه و شعبه و التي قادت الى إنتاج الطوائف و القبائل الهجينية المتنافرة و المتصارعة و جعلت الكراهية و روح الإنتقام و الإستبداد و القتل متأصلة فيه.

المأساة هي أن الثقافة البدوية تأصلت في نفوس الإنسان العربي و المسلم، حيث إستمر الحكم البدوي لفترة طويلة إمتدت لأكثر من أربعة عشر قرناً وبذلك إستمرت سيادة هذه الثقافة المتخلفة في البقاع التي إحتلها العرب البدو لتلك الفترة الطويلة و إستطاعت أن تعمل فينا و تُخرِب نفوسنا و عقولنا. بعد الخلافة الإسلامية، إستمر الحكم البدوي الصحراوي في المنطقة، حيث بدأ الحكم الأموي و من ثم الحكم العباسي اللذان كان الحكام فيهما من بدو الصحراء أيضاً. بعد العباسيين، إستمر الحكم البدوي من خلال الحكم التركي العثماني الذي كان يحمل الثقافة البدوية التي جاءته من الجزيرة العربية. هكذا عاشت هذه الثقافة البدائية و ما زالت تعشعش في وجداننا. لا تزال الحكام العرب و المسلمون و شعوبهم يدافعون عن الثقافة البدوية التي إكتسبوها و يقومون بالتمسك بها و فرض إستمراريتها. الحكام يستغلون الدين الإسلامي لإدامة حكمهم و شهرتهم و لنهب المزيد من ثروات شعوبهم. نرى أن المسيحيين و اليهود إستطاعوا، بعد نضال شاق و طويل و تضحيات جسيمة، من تحرير أنفسهم من عبودية الكنيسة و المعبد اليهودي و أن يوقفوا رجال الدين عند حدّهم و يمنعونهم من إستغلال الدين لمصالحهم الشخصية، فقاموا بفصل الدين عن السياسة و تركوا الدين ليكون علاقة روحية بين الخالق و المخلوق. سيكون النضال المطلوب لتخليص المسلمين من وصاية رجال الدين و إرهابهم و تحكمهم بحياة المسلمين و تدخلهم في حياتهم الشخصية، أصعب بكثير من النضال الذي خاضه المسيحيون و اليهود و الذي إستطاعوا من خلاله تحقيق أهدافهم في حياة حرة كريمة. صعوبة الأمر بالنسبة للشعوب العربية و الإسلامية لإنقاذ نفسها من براثن هذه الثقافة البدائية، تكمن في أن الديانتين المسيحية و اليهودية ظهرتا في منطقة مدنية ذات حضارة عريقة، حيث كانت ثقافة شعوب تلك المنطقة ثقافة مدنية منفتحة و متسامحة و مسالمة، بينما الثقافة الصحراوية الآتية من الجزيرة العربية هي ثقافة قبلية قاسية و متزمتة، مبنية على الإرهاب و العنف و فرض كل شيئ بالقوة. من هنا ندرك أن عملاً كبيراً و صعباً ينتظرنا لكي نفلح في إزاحة الثقافة البدوية من عقولنا و إيجاد ثقافة عصرية مؤمنة بعلو قيمة الإنسان و حقه في إختياره لنمط حياته كما يشاء دون أي تدخل من الآخرين، بشرط أن لا يضر أو يؤذي ذلك الإختيار الآخرين و أن لا يتقاطع مع مصالحهم.

إذن، العامل الرئيس و الأساس لفقدان لغة الحوار و المناقشة في المجتمعات العربية و الإسلامية و طغيان روح الإرهاب و العنف و القتل و الكراهية و الإقصاء و الإلغاء في هذه المجتمعات، هو سيادة الثقافة البدوية على هذه المجتمعات التي إكتسبت هذه الثقافة نتيجة إستمرار وقوعها تحت هيمنتها لفترة تمتد أكثر من أربعة عشر قرناً.

هناك أسباب أخرى لطغيان الثقافة الشمولية على فكر هذه المجتمعات، إلا تلك الأسباب هي عبارة عن إفرازات متأتية من تجذر الثقافة البدوية في نفوس الإنسان العربي و المسلم. من هذه الإسباب، الحروب التي تعرضت لها هذه الشعوب و حالة القلق و الهلع التي يعيشها المواطن في مثل هذه الظروف و وقوع هذه المجتمعات تحت رحمة حكومات دكتاتورية تقوم بمسخ الشخصية العربية و المسلمة و حرمانها من التعليم و الصحة و من التفاعل مع الحضارات العالمية. الظروف الإقتصادية السيئة التي يعيش الإنسان في هذه المجتمعات في ظلها، تؤدي الى أن يسود الفقر و المرض و زرع اليأس و الكراهية في قلوب الإنسان. قيام الحكومات الشمولية بتخصيص مبالغ ضخمة على أبواقها الدعائية من خلال الإذاعة و التفلزيون و الصحافة الورقية و الإلكترونية و الكتب و غيرها، لتوجيه المواطن و التأثير عليه و خير مثال على ذلك هو سيطرة حكام آل سعود على الإعلام العربي، حيث يصرفون أموالاً ضخمة من موارد البترول السعودي على تلميع صورهم و نشر فكر المذهب الوهابي المنحرف عن العقيدة الإسلامية و الداعي الى العنف و الإرهاب.

الثقافة البدوية المتجذرة في نفوس الشعوب العربية و المسلمة، جعلتها تدافع عن إستمرار عبوديتها و تخلفها. إنها حقاً كارثة إنسانية أن ترغب الشعوب في االمحافظة على قيودها و تقف ضد مَن يحاول تحريرها من تلك القيود و أن تدافع عن سجّانيها و جلاديها. نعم، يجب أن لا نستغرب من ذلك لأن هذه الشعوب أسيرة ثقافتها البدائية. نحن جميعاً و بدون إستثناء، نعاني من مرض الثقافة البدوية التي تربينا في كنفها. صحيح أن الكثير منا يدّعي بمحاربة هذه الثقافة المتخلفة و إستئصالها من عقولنا و نفوسنا، إلا أنها تعيش في دواخلنا و في عقلنا الباطن. نقول شيئاً يخالف هذه الثقافة، إلا أننا نتبعها و نطيعها و نعمل ضمن حدودها في حياتنا اليومية العملية. الى الآن، بمثقفينا و كُتّابنا، نحب سماع الإطراء و كلمات التملق و لا نقبل النقد و الرأي المخالف و تعيش في دواخلنا الأحقاد و روح الإقصاء و العنف بالرغم من أننا نملأ الدنيا ضجيجاً حول مدى تقدميتنا و ليبراليتنا و ديمقراطيتنا و إنسانيتنا. نحتاج الى عمل جبار و مضنٍ و الى كثير من الوقت الذي قد يمتد لعدة أجيال، لكي نتمكن من التخلص من ثقافتنا البدوية و نصبح أناساً سويين و عصريين.