الرئيسية » مقالات » ستبقى الجبال الصديق الوحيد للكورد عند انعطاف المواقف الدولية

ستبقى الجبال الصديق الوحيد للكورد عند انعطاف المواقف الدولية

السياسة تسيرها المصالح الاقتصادية والإستراتيجية. في المصالح الاقتصادية (الأهداف) ما هو أكثر ثباتا ذو طبيعة بعيدة المدى وفيها ما هو متغيرة قصير المدى. أما السياسة (الأدوات أو الوسائل) فإنها أكثر مرونة وقد تتغيّر بسرعة وأحيانا تتقلب وتنعطف في فترة زمنية قصيرة نسبيا بسبب تطور المتغيرات في الواقع العملي وتبنى السياسة على أساس ذلك الواقع. لذا تسمى السياسة أحيانا سياسة براغماتية “politics pragmatic” أو سياسة واقعية “real politik”. وهذا “الواقع” (و”الواقعية” الناتجة عنها) يؤثر على الشعوب كما يؤثر على السياسيين والأحزاب والحكومات والمنظمات الدولية. أفضل الأمثلة الحديثة هي اسبانيا حيث أدت الأعمال الإرهابية في مدريد قبل أيام معدودات من الانتخابات النيابية الأخيرة إلى تغيير نتائجها بشكل حاسم. وأدى العنف وأدت الأعمال الإرهابية في العراق إلى خسارة الحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة في الانتخابات النصفية لمجلسي الشيوخ والنواب وسيطرة الحزب الديمقراطي على المجلسين. كما أن قيام بعض القوى التي خسرت امتيازاتها الفئوية بعد سقوط النظام السابق في العراق باللجوء إلى العنف والقتل والإرهاب أدى إلى قيام الحكومة العراقية والأحزاب الحاكمة إلى بذل جهود مضنية لإدخال بعض هذه القوى إلى العملية السياسية ولإطلاق مبادرات “مصالحة” مع بعضها ألآخر. وحسب المراقبين فقد أدى الفساد المالي والضعف الإداري والصعوبات المعيشية للأغلبية الصامتة في قطاع غزة والضفة الغربية إلى نتائج لم يتصورها أو يتوقعها حتى الذين فازوا بأغلبية كبيرة في الانتخابات.

للشعب الكوردي في جميع أجزاء كوردستان تجارب كثيرة، مريرة وغنية في نفس الوقت، في كيفية تأثير التغيّرات والانعطافات والتقلبات السياسية على حياتهم اليومية. مرَّ بمثل هذه التجارب كورد تركيا حين بدأ مصطفى كمال اتاتورك حركته بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية لتأسيس تركيا الحالية على أشلاء الخلافة العثمانية، كما وتخلُّصت مختلف الدول في منطقتي البلقان والشرق الأوسط من حكم الخلافة العثمانية الاسلامية، خاصة الدول العربية، التي كانت قائمة آنذاك أو التي تأسست فيما بعد بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية (برنامج الرئيس وودرو ويلسن) واتفاقية سايكس- بيكو ألأنكلو- فرنسية. كما خَبِر تلك التجارب كورد إيران بعد تغيير ستالين لسياسته تجاه جمهورية مهاباد في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كما خَبِرها كورد العراق عام 1975 مثلا عند حصول انعطاف “مفاجئ” في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وتغيير مواقفها بعد أن قدم لها صدام حسين ونظام البعث-ألصدامي تنازلات على حساب المصالح الحيوية للعراق. وخَبِرها كورد العراق أيضا بعد انتفاضة عام 1991 حين بدأ وزراء خارجية تركيا وإيران وسوريا بعقد اجتماعات مكوكية دورية منتظمة بهدف الاتفاق على خطوات لنسف وخنق تجربة كوردستان العراق في الديمقراطية، والتي يبدوا أنها قد تم إحيائها من جديد على مستوى رؤساء وزارات هذه الحكومات الثلاثة التي رأس رمحها ألآن حكومة تركيا. كما خَبِرها أيضا كورد سوريا حين أذعنت الحكومة السورية لمطالب الحكومة التركية وغيرت موقفها من حزب العمال وأَخرجت رئيسه من أراضيها، الأمر الذي أدى في نهايته إلى اعتقاله واختطافه إلى تركيا ومحاكمته وسجنه، والى قيام السلطات السورية بتضييق الخناق على أعضائه وكوادره وقياداته في سوريا ولبنان.

وبما تجد الولايات المتحدة نفسها ألآن في “مأزق” سياسي-عسكري-أمني في العراق لم تتوصل بعد الى ايجاد مخرج منه. وبسبب المعارضة الداخلية التي عبّرت عن نفسها في الانتخابات النصفية الاخيرة لمجلسي الشيوخ والنواب، ظهرت دعوات وطلبات داخلية ودولية قوية لإعادة النظر في سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق وإدخال تغييرات جذرية على وضع القوات المسلحة الأمريكية في العراق، ومن ضمن الاقتراحات المقدمة الانسحاب التدريجي. بدأت هذه الدعوات تلقى آذانا صاغية من لدن إدارة الرئيس بوش خاصة بعد الانتخابات الاخيرة. كل هذا قد يعني بدوره وجود احتمالات، ضئيلة أو كبيرة، بحصول تغيير رئيسي في السياسة الأمريكية تجاه العراق، ومن ثم تجاه كورد العراق أيضا كجزء من هذه التغييرات تجاه العراق وتجاه الشرق الأوسط برمته، خاصة الدول ذات النسب السكانية الكبيرة من الكورد، وهي إيران وسوريا وتركيا، ثلاث حكومات لاعبة ومؤثرة، إضافة إلى حكومات أخرى مجاورة لم تخفي “قلقها” من أفكار الفدرالية والديمقراطية في العراق في حينه لا تخفي ألآن “مخاوفها” ومعارضتها، مع أنها تخفي عدائها، للتطلعات السياسية المشروعة بالمقياس الحضاري للشعب الكوردي ولقياداته السياسية.

لسنا داخل الحركة السياسية الكوردستانية ولذا لا ندري كيف تفكر القيادات الكوردية وكيف تقرأ التطورات الحالية المتتابعة بسرعة على ضوء التجارب الماضية وما هي الإجراءات والخطوات التي ربما تكون قد تبنتها وتنفذها فعلا لكل الاحتمالات الممكنة. ولكننا كمراقبين حريصين على مصير شعبنا وأمتنا، التي يشكل الكورد الفيلية جزء لا يتجزأ منها، وعلى ضوء التجارب السابقة التي حصلت في تركيا وإيران والعراق وسوريا في فترات زمنية متباينة نلاحظ إن القيادات السياسية والعسكرية آنذاك لم تتخذ مثل هذه الاجراءات والخطوات الاحترازية حين بدأت تظهر في الأفق البعيد والقريب بوادر تغيرات وانعطافات في مواقف الحكومات والدول ذات العلاقة. ورغم أن قسما منهم كان يؤكد قبل وقوع تلك الانعطافات بأنه قد اتخذ ما فيه الكفاية من الإجراءات والخطوات الاحتياطية لتجنب التبعات السلبية لمثل هذه الانعطافات المحتملة والممكن وقوعها وبان الجبهة الداخلية مهيأة لكل الاحتمالات ولكن بينت الوقائع فيما بعد، مع شديد الأسف، أن تأكيداتها تلك لم تتعدى الأقوال المجردة ولم تصطحبها الإجراءات الجادة. ومع أن الأوضاع الكوردستانية والعراقية والإقليمية والدولية تختلف ألآن عن ما كانت عليه في تلك الأحقاب إلا إن هناك حقيقة لا يمكن غض النظر عنها وسبق أن بينتها الوقائع والتطورات وهي عدم وجود ثوابت سياسية حين تتعلق الأمور بالمصالح، إلا نادرا جدا.

هناك قاعدة إستراتيجية وتوصيات أساسية يقدمها الخبراء والمختصون معناها بإيجاز “التصرف على أساس توفر أفضل السيناريوهات (أفضل الشروط الممكنة) وفي نفس الوقت التخطيط والتحضير لأسوء السيناريوهات (أسوء الشروط المتوقعة والمحتملة”). وكمواطنون كورد نسأل هل يخطط قادتنا الكورد ويهيئون ويحضرون لاحتمالات وقوع أسوء السيناريوهات بسبب التقلبات والانعطافات السياسية المتسارعة والمتعددة الإطراف والمتناقضة المصالح والأهداف، مهما كانت مثل هذه الاحتمالات ضئيلة ألآن في نظرهم؟ الجواب عندهم وهم أدرى بالأمور ولهم تجاربهم العملية التي عاشوها وذاقوا مرارتها شخصيا كبقية أبناء وبنات الشعب الكوردي في العراق والأمة الكوردية في كل مكان، خاصة التجارب التي وقعت في العراق في آذار 1975 وما بعده وأدت إلى “النكسة” بسبب الانعطاف في السياسة الأمريكية في حينه. الكثيرون منا يتذكر إجابة هنري كيسنجر وزير خارجية نيكسون على الانتقادات التي وجهها بعض السياسيين الأمريكان لمواقف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه كورد العراق ووضعهم المأساوي الناتج عن انعطاف سياستها تجاههم وأجابته التي كانت ما معناه ((أنا أُنفذ سياسة خارجية ولا أقوم باعمال خيرية)).

لقد بدأت تظهر مؤخرا في الأفق الإعلامي والسياسي البعيد والقريب مؤشرات خافتة وأخرى واضحة وبوادر عديدة تشير بكليتها إلى قرب حصول تغيرات رئيسية وربما جذرية وانعطافات حادة في المواقف السياسية للدول الفاعلة ضمن التحالف الدولي في العراق وهما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وفي التواجد العسكري الأمريكي في العراق، إن لم يكن الآن فبعد الانتخابات الرئاسية في أمريكا واحتمال تسنم رئيس جمهورية جديد من الحزب الديمقراطي للإدارة الأمريكية. قال رئيس الأكثرية القادمة، ستني هوير، “يجب على العراقيين أن يتخذوا، في الأيام القادمة، قرارات صعبة وأن يتحملوا مسؤولية مستقبلهم”، وأضاف “ويجب على العراقيين أن يعلموا انه في حين أن تعهداتنا عظيمة ولكنها ليست إلى لا نهاية”، (سي أن أن نقلا عن الاسسوشيتد برس في 25/11/2006). كما أن تقرير لجنة جيمس بيكر- هاملتون سيعبد الطريق أمام الرئيس بوش لتغيير محتمل لمسار مجمل سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في العراق دون فقدان ماء الوجه وسيكون من بينها موقفها من كوردستان العراق وقضاياها المعلقة. مع العلم أن اللجنة لم تتشاور مع القيادات الكوردية مباشرة ولم يقم أي من أعضائها بزيارة الإقليم أو مقابلة القادة السياسيين فيه لمعرفة آرائهم ومواقفهم ومقترحاتهم حول الوضع في العراق قبل الانتهاء من كتابة تقريرها وإنما تم إبلاغ القيادة بخلاصة محتويات التقرير وتوصياته قبيل نشره في اتصال هاتفي من السيد جيمس بيكر مع السيد مسعود البرزاني رئيس إقليم كوردستان “وقد طمأن السيد بيكر، رئيس إقليم كوردستان بأنه أخذ بعين النظر الخصوصية التي تتمتع بها كوردستان”، والتي تبين فيما بعد عدم صحة ذلك. لقد قوبلت أجزاء من التقرير وبعض ما جاء فيها من مقترحات وتوصيات حول سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق وكوردستان بانتقادات شديدة اللهجة من رئاسة إقليم كوردستان ورفض السيد مسعود بارزاني رئيس الإقليم ما ورد في تقرير اللجنة وأعلن عدم التزام الكورد بتوصياتها، كما انتقدها رئيس مجلس وزراء الإقليم السيد نيجروان بارزاني والسياسي الكوردي المستقل الدكتور محمود عثمان والسيد قباد الطالباني نجل السيد مام جلال رئيس جمهورية العراق معبرا عن رأيه الشخصي.

من الجلي أن لجنة بيكر- هاملتون قد استمعت بدقة لأطروحات الحكومات الإقليمية، التي غالبيتها حكومات ثيوقراطية ودكتاتورية وشمولية، استمعت للحكام العرب ولحكام تركيا، وحلفائها وكلائها في العراق، أكثر من استماعها لذوي الشأن، قادة الغالبية العظمى من الشعب العراقي والشعب الكوردي المنتخبين في انتخابات ديمقراطية. ومن الواضح أيضا أن اللجنة قدمت مقترحات وتوصيات ترضي هذه الحكومات وتتجاوب مع مواقفها حول قضايا العراق ومشاكل الشرق الأوسط، ولذا رحبت هذه الحكومات بالتقرير وتوصياته. أي أن اللجنة أعطت آذانا صاغية لهذه الحكومات وغيرها من دول الجوار الإقليمي ولبت رغباتها بالرغم من أنها ساهمت بنشاط بشكل مباشر وغير مباشر في جهود إفشال السياسة الأمريكية في العراق والمشروع الأمريكي للشرق الأوسط ولم تستمع كثيرا للقوى العراقية والكوردية التي تعاونت مع الولايات المتحدة وضحّت من أجل الديمقراطية والفدرالية في العراق. توقعات بعض المراقبين تشير إلى حتمية حصول تغييرات في السياسة الأمريكية تجاه العراق ومجمل قضاياه وعلاقات أمريكا مع حكومات الشرق الأوسط ومواقفها من مشاكل المنطقة مع بداية العام القادم، في حين يقول آخرون أن بوش، الذي انتهت نصف فترة ولايته تقريبا، سيستمر في الدفاع عن أسس سياسته الحالية في العراق ومتابعة تنفيذها مع إدخال بعض التعديلات الإستراتيجية والتكتيكية عليها على ضوء المستجدات في الساحة العسكرية – السياسية وتوصيات لجنة بيكر- هاملتون والمقترحات الأخيرة للقيادة العسكرية الأمريكية والأخرى لمجلس الأمن الوطني ومواقف وزير الدفاع الجديد روبرت جيتس، ولكن من الممكن أن تؤثر لدرجات أكبر على سياسة الإدارة الأمريكية القادمة التي من المحتمل أن تكون من الحزب الديمقراطي إذا استمرت أوضاع العراق على ما هي عليها ألان وإذا استمرت الخسائر الأمريكية على وتائرها الحالية. فهل سنسمع من جديد كيسنجر آخر يقول ((أنا أُنفذ سياسة خارجية ولا أقوم بأعمال خيرية)) وحاكم جديد يصرح ((كيف أؤيد مطامح كورد العراق وعندي كذا مليون كوردي))؟.

ينبغي أن لا ينسى أحد أن تقرير لجنة بيكر- هاملتون يحوي توصيات للإدارة الأمريكية حول سياستها في العراق ومنطقة الشرق الأوسط، توصيات غير ملزمة لها مع أنها تضع ضغوطات سياسية عليها. وينبغي أن لا ينسى أحد أيضا أنها ليست توصيات للحكومة العراقية الفدرالية أو لحكومة إقليم كوردستان وغير ملزمة لها. وهذا يعني أن العراق غير ملزم به لا قانونيا ولا سياسيا ولا أدبيا ولذا يتطلب ذلك بدوره أن لا يقبل وأن لا يسمح قادة العراق والكورد أن تفرض عليهم توصيات إرضاء لجهات أخرى سواء أكانت دول جوار راعية للإرهاب وعدم الاستقرار وعرقلة العملية السياسية والتقدم الاقتصادي وقتل ودفن التجربة الديمقراطية والفدرالية في العراق، يجب عدم السماح لهذه الحكومات والقوى أن تقرر مسار مستقبل العراق ومصير وطموحات شعب العراق البطل الصامد في وجه الإرهاب ألبعثي-ألصدامي والسلفي الأجنبي، أو مستقبل إقليم كوردستان وقضاياه المعلقة ومصير الشعب الكوردي الباسل المضحي، بل يجب أن يقررها الشعب العراقي والشعب الكوردي وقيادتهما السياسية المٌنتخبة في انتخابات ديمقراطية تمتعت بالمعايير الدولية، وذلك بقوة وحدتهم وتلاحم صفوفهم وصحة حساباتهم الهادئة غير الانفعالية وحكمة سياسييهم ووجود منابع القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والفكرية الحقيقية، لا الكلامية فقط، عندهم وفي أيديهم وتحت سيطرتهم، وبقوة ورصانة تحالفاتهم وشراكتهم مع القوى الأخرى المؤمنة فعلا بدولة عراقية ديمقراطية فدرالية تعددية لجميع العراقيين دون تفريق وتمييز ومستعدة للدفاع عنها عمليا.

تشكل توصيات لجنة بيكر-هاملتون نوعا من “الاعتذار” المبطن عن إسقاط النظام الدكتاتوري السابق وستفتح الطريق، إن طبقت عمليا، أمام عودة عناصر النظام الدكتاتوري المركزي السابق إلى الحكم وستسهل سيطرة قوى الإرهاب المتكون من تحالف ألصداميين الجدد وحلفائهم السلفيين الأجانب، وعلى رأسهم تنظيم القاعدة، وعناصر زعزعة الاستقرار وخلق عدم الوئام القومي والمذهبي والديني على أجزاء من العراق وتُخضع شعبة للجاهلية الجديدة المتخلفة بمساعدة حكومات من دول الجوار الراعية لهذا العناصر والقوى. كما أن التقرير وتوصياته تضرب عرض الحائط تضحيات الشعب العراقي للتخلص من أعتا نظام بطش وإرهاب وشوفينية وطائفية عرفة العراق في تأريخ الحديث، ولا يعير اهتمام لطموحات الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي والشعب الكوردي في العيش بسلام في ظل نظام ديمقراطي يحترم حقوق وكرامة الإنسان العراقي. كما أن توصيات اللجنة هي مكافأة واستسلام للإرهاب والقتل والبطش والتدمير الذي يلجأ إليه التحالف ألصدامي-السلفي. كما أن التوصيات، لو التزمت بها إدارة الرئيس بوش ونفذتها، ستؤكد ما يقوله بعض المحللين من أن الولايات المتحدة الأمريكية “صديق” انتهازي لا يمكن الثقة به، و”حليف” ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه.

ينبغي، وعلى ضوء توصيات لجنة بيكر- هاملتون، النظر إلى التهديدات المبطنة الأخيرة لوزير خارجية تركيا والتي تبعتها جولات مكوكية بدأت بزيارة رئيس الوزراء ألتركي السيد رجب طيب اردوغان إلى طهران ثم مباشرة إلى دمشق كنواقيس خطر ولو يقول البعض إنها تدق بصوت باهت. حيث قال السيد كول مؤخرا أن القوات الأمريكية هي ضيوف وسوف لن تبقى في العراق إلى الأبد، أي أن الكورد سيواجهون عندئذ لوحدهم القوات المسلحة المتربصة في الجوانب الأخرى من الحدود، وربما سوف لن تكون قوات تركية فقط. وينبغي أن لا ينسى أحد ما صرح به شاه إيران السابق عن خيانته لوعوده لكورد العراق عام 1975 حيث قال ما معناه تقريبا ((كيف أؤيد مطامح كورد العراق وعندي كذا مليون كوردي)) وكان يقدم لهم العون ويدعي تعاطفه مع قضاياهم وكان في نفس الوقت يتآمر ضدهم مع أنقرا والقاهرة والجزائر، كما عمل مصطفى كمال اتاتورك مع كورد تركيا حين كان يحتاجهم ليضربهم بقسوة حين ثبّت سيطرته على الحكم. “ظاهر” الواقع كان يختلف تماما عن “باطن” نفس ذلك الواقع الذي “انطلى” على السياسيين المشاركين في العملية وعلى المراقبين أيضا رغم وجود نواقيس خطر كانت تدق بأصوات باهتة دون أن يسمعها أو ينصت إليها سياسي من الجانب الكوردي. نادرا ما توجد “ثوابت” في السياسة الدولية البراغماتية، لذا ينبغي توخي الحيطة والحذر في كل الظروف والأحوال وان لا يتم الخلط بين المظاهر والوقائع وبين الأقوال والأفعال، وعدم الخلط بين تصريحات وآراء وأطروحات الشخصيات وتوصيات تقارير اللجان السياسية خارج الحكم وبين ما يتم الاتفاق عليه وتبنيه كسياسة توضع موضع التطبيق.

وهنا يطرح سؤال مشروع نفسه وهو هل اتخذت القيادات الكوردية إجراءات وخطط احترازية وهل لديها قوات مدربة ومسلحة لمثل هذه الاحتمالية. صحيح أن “الواقع” ألان وكما يراه الكثير من المعلقين الكورد يختلف عن “واقع” 1975 ولكن هذا “الواقع” الظاهر والمرئي واقع “شرق أوسطي” ليس بالضرورة هو الواقع الحقيقي الخفي وهو واقع قابل للتغير داخليا (كما بينت بعض التطورات والانتخابات الأخيرة) وللانعطاف الحاد والانحراف الشديد دوليا وبنتائج قد تكون كارثية إذا لم تتم التهيئة له من ذوي العلاقة بالعمل المُنتج لا بالكلام المُطمئن الذي لا طائل عملي من ورائه في الواقع العملي. دق أجراس الخطر مبكرا أفضل من الانتظار لحين وصول الخطر إلى الأبواب ودخولها.

صحيح أن السياسي الحاذق لا يكون “سجين” الماضي وأحداثه ولكن وفي نفس الوقت ليس من صفات السياسي الحاذق أن يتغاضى عن ذلك الماضي وتجاربه ولا يستخلص منها الدروس والعبر لتحركاته في الحاضر والمستقبل. عليه ينبغي أن لا ينسى أحد إن الخطوات الأولى لاتفاقية آذار عام 1975، اتفاقية الجزائر، بدأت في أنقرا مرورا بالقاهرة ثم إلى الجزائر وشارك فيها أكثر من دولة إسلامية وأكثر من رئيس دولة عربية إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها). تعمل هذه الدول من أجل ضمان مصالحها الإستراتيجية وإرضاء الرأي العام الداخلي فيها والحفاظ على علاقات جيدة مع الحكومات الإقليمية الحليفة لها، لذا فإنها ستستمع للسعودية والإمارات والكويت وغيرها (لضمان مصالحها النفطية) ولتركيا ومصر وغيرها (ضمان مصالحها الإستراتيجية) أكثر من استماعها لكوردستان، الذي هو إقليم يشكل جزء من دولة العراق. كما أن الدعوات البريطانية والأمريكية الأخيرة بإدخال حكومتين إقليميتين جارتين (سوريا وإيران) في العملية السياسية في العراق، إضافة إلى حكومات (تركيا والسعودية وغيرها ) وحكومات وقوى غير رسمية شرق أوسطية أخرى تتدخل عمليا ألآن في هذه العملية السياسية أما عن طريق “وكلائها” العراقيين أو عن طريق تقديم مختلف التسهيلات للإرهابيين والمتطرفين الإسلاميين للدخول إلى الأراضي العراقية. هذه حكومات لا تخفي “قلقها” من العملية الديمقراطية ومن النظام الفدرالي في العراق وتبين علانية “معارضتها” لتطلعات وطموحات الشعب الكوردي. لا يمكن لكل هذه المؤشرات إلا أن تشكل هاجس قلق مشروع له مبررات موضوعية.

نعم ليس هناك صديق حقيقي ثابت للشعب الكوردي في نهاية المطاف سوى الجبال، الجبال الشامخة في كل أنحاء كوردستان، التي تحميهم من عاديات الزمن، وليس هناك من يستطيع تقديم الضمانات الحقيقية لهم سوى أنفسهم، سوى الشعب الكوردي نفسه أينما وجد كما بيّن الواقع لحد ألان، سوى قوته الذاتية العسكرية والاقتصادية والفكرية. فهل تتوفر لدى الإقليم القوة الذاتية الكافية المهيأة فعلا لصد أية تدخلات عسكرية محتملة أو ممكنة من دول الجوار الإقليمي ولمواجهة التحديات وغير ذلك من عاديات الزمن ؟ التجربة الفدرالية الديمقراطية في إقليم كوردستان العراق تعود لكل الكورد في كل مكان وتمثل نبراس أمل كبير لجميعهم وسوف لن يغفر الشعب والتاريخ لمَن يطفئونه، كما سوف لن يغفر لأحد يعرض هذه التجربة الفريدة في تاريخ الكورد للعوامل التي تؤدي إلى الضعف والذبول بسبب التحديات والمخاطر الداخلية التي هي مخاطر ناتجة عن عدم التعامل بجد مع العوامل المسببة لهذا الضعف والذبول، عوامل غير خافية على ذوي ألأمر، عوامل قد تتفاقم تأثيراتها التراكمية لتنخر وتسوس كيان الإقليم من الداخل، الأمر الذي يشكل تهديدا أشد أخطرا وأكثر تأثيرا من التهديدات والمخاطر القادمة من وراء الحدود. وسوف لن يغفر الشعب والتاريخ لمَن يستهين بالمخاطر الخارجية ويقلل من شأنها نتيجة حسابات خاطئة، أو عدم الحذر عند التعامل مع القضايا العراقية والإقليمية الحساسة، أو بسبب الغرور والثقة المفرطة بالنفس أو الاعتماد والاتكال على المواقف المعلنة للقوى الخارجية أكثر من الاعتماد على القوى الذاتية والنفس.

لم تأتي حِكمة الأمة الكوردية القائلة “لا صديق للشعب الكوردي سوى الجبال” اعتباطا بل هي تعبير عن خلاصة تجارب الكورد وذاكرتهم الجماعية عبر تاريخهم الطويل الصعب.

الاتحاد الديمقراطي الكوردي الفيلي

8/12/2006