الرئيسية » مقالات » تعقيبا على نقد الأستاذ كاظم حبيب لكتابي( لمحات عن سعيد قزاز )

تعقيبا على نقد الأستاذ كاظم حبيب لكتابي( لمحات عن سعيد قزاز )

النقد الهادف والموضوعي لايمكن ابدا إن يفسد العلاقة الإنسانية ، وطالما ربطتني بالأستاذ المفكر كاظم حبيب روابط تجعلني دوما أتطلع له من خلال منزلة الطالب والمعلم ، ولهذا فأن كل ما ورد بنقده لايعدو الا وجهة نظره التي وجدها في الكتاب ، ولعلي في تعقيبي استطيع إن أوضح بعض المعالم التي ربما لم استطع توضيحها أو كشفها ليس للسيد كاظم حبيب وإنما للقراء بشكل عام ، وأبين وجهة نظري في ما تم طرحه .
وبهذا ابتداءا اتوجه بالشكر الجزيل لأستاذي الفاضل على الإطراء وعلى نقد الكتاب الذي طالما أنتظرت من ينقده ويوضح لي مكامن الزلل فيه .
1- أن فكرة الكتاب تشكلت في أوائل التسعينات حين كنت اعمل قاضيا بمدينة الموصل ، وكنت حينها متلبساً ومعبأ مثل الكثير من اهل العراق بالفكر المعادي بشكل لايقبل النقاش ضد سعيد قزاز ، ولما لمسته من أحاديث ووقائع مثبتة في الصحف الموصلية ، ومن شهادات شخصية عن سعيد قزاز حركت نفسي في البحث عن حقائق هذا الرجل ، ولايمكن إن يكون لرجل ما أيجابيات مالم تكن له سلبيات قطعاً ، ولما كانت كوردستان محرمة على العراقيين القابعين تحت سلطة صدام ، وخصوصا على موظف قضائي مثلا ، فقد بقيت دائرتي محصورة ومساحة بحثي محددة ، لم استطع الوصول الى كوردستان ولا مخاطبة احداً فيها ، وبالنظر للكم الهائل من الكتابات السلبية التي كتبت عن الوجه الأخر لسعيد قزاز فقد بات رجلا شريرا وخصما عنيدا ومجرما اخذ ما يستحقه من الجزاء بقرار من محكمة الشعب وبأمر من عبد الكريم قاسم ، ويبدو لي إن التعبير الذي صاغه الأستاذ كاظم حبيب اكثر توفيقا من صياغة عبارتي فيذكر في تعليقه ( أن الإمعان في المدح لا يقل خطأ عن الإمعان في الذم, إذ أن في سلوك كل إنسان ما هو إيجابي وما هو سلبي, ما هو صحيح وما هو خاطئ ) ، وحيث وجدت العديد من الكتاب من تعرض لسعيد قزاز بالسلبيات والذم دون إن يتعرض لسلوكه الايجابي مرة واحدة ، فقد تجرأت وتعرضت للجوانب الايجابية لتاريخه / مع إن الدكتور كاظم يعرف انني لاتربطني رابطة قومية أو قرابة ولامصلحة ولا علاقة بسعيد قزاز ، بل العكس فأنني كنت محملا بأفكار معادية له وأقف في الخندق المعادي له كما يقول المؤرخ العراقي كمال أحمد مظهر ، ولكن يبدو لي إن المنهج التاريخي والطريقة التي اختطها المؤرخ الأستاذ كمال أحمد مظهر حفزتني لطرح الحقائق مجردة ، وفقا للحيادية والموضوعية بقدر ما نستطيع ونتحمل ، ويبدو لي أن منهج كمال احمد مظهر ما سيتم كتابة التاريخ العراقي بموجبه مستقبلا ، فقد خط الرجل معالم منهجية وأساسية لحث الطلبة وكنت اتمنى إن اكون احدهم ، في سبيل الكتابة بتجرد ، وكنت قد أكملت كتابي في العام 1994 وطبعته على الورق بملزمة لم تزل بحيازتي ، ودفعته الى وزارة الأعلام للموافقة بعد إن وجدت الممانعة والمماطلة من شخصيات في السلطة الصدامية ( احدهم نصحني بعدم متابعة البحث والكتابة عن فكر صدام في الفولكلور و أنهى نصيحته بشتم السيد قزاز وأهله ) وأخيرا منع الكتاب من الطبع ، وبهذا يكون إنجاز كتابي قبل كتاب الباحث البياتي ولكن الظروف حالت دون إتمام طباعته ، كما عرضت الكتاب على دور النشر الأردنية حين غادرت العراق في العام 98 فلم يقبل أحد منهم أن يجازف بطبع الكتاب ، وأخيرا قام السيد سعد البزاز بنشره في جريدة الزمان الصادرة بلندن في العام 2002 أختار فيها الكاتب نضال الليثي عناوين الصفحات ، ثم أتفق معي على طبع الكتاب في مؤسسة الزمان ، وفعلاً قام بطبع مسودة الكتاب سلمني نسخة منها للتصحيح مع غلاف الكتاب بعد إن سلمته كل الصور والوثائق التي املكها ، والغيت فكرة الطبع بعد سقوط صدام في نيسان 2003 وانشغال السيد البزاز بتوزيع صحيفته في العراق ، ولم ازل احتفظ بنسخة من المسودة ، ولكن طباعة كتابي صارت بعد صدور رسالة السيد البياتي حيث استندت على مقولة المؤرخ الكبير كمال أحمد مظهر وصدر كتابي في العام 2004 في كوردستان ، وكنت قد أشرت الى هذا في مقدمة كتابي ، ولعلي أسعى جاهدا بعد إضافات ووجهات نظر أخرى إن اقم بطبعة للمرة الثانية لنفاذ الطبعة الأولى حسب ما علمت .
2- يتحدث الأستاذ كاظم حبيب عن الضحايا الذين تناسيتهم ، وحين يكون ضحايا يكون هناك مجرم ، فهل يمكن إن يصدر السيد كاظم حبيب وهو المعروف بعلميته وموضوعيته حكماً على الرجل قبل إن يتبين قرار الحكم ويناقشه ويعرف مقدار صحته ومطابقته للقانون ؟ هل يمكن مسآلة وزير داخلية عن إبعاد عراقيين قرر مجلس النواب العراقي حينها إسقاط جنسيتهم ( السلطة التنفيذية لاتقرر القرارات وإنما تنفذ دون إن يحق لها المناقشة أو رفض التنفيذ ) ؟ هل قرأت المحكمة قرار الأبعاد وأعلنت الجهة التي أصدرته ؟ ام أنها اقتنعت بمن أمر بتنفيذ القرار ؟ وهل يحق لوزير الداخلية إن يعقد الاتفاقيات المهينة والجائرة بين العراق ودول أخرى مالم يقرر البرلمان ورئيس الحكومة ؟ لم تتم مسآلة رئيس حكومة واحد عن الجرائم التي ارتكبت في العراق وتم التركيز على سعيد قزاز فقط .
وبهذا المنطق سيكون منفذ حكم الإعدام بالوطنيين من أهل العراق هو المسؤول وليس من أصدر القرار .
كما يدرك الأستاذ كاظم حبيب أن سياسة النظام لايقررها ويرسمها وزير الداخلية ، وان حالة العداء للأحزاب الوطنية لايمكن إن يفرضها الوزير قزاز ، ومن يستعيد قراءة المنشورات السياسية في تلك الفترة يدرك أن الأحزاب تحمل الحكومة الملكية كلها مسؤولية ما يجري في العراق ، فعليه ومن باب الأنصاف إن لانبرأ نوري السعيد والوصي ومجلس النواب وكل رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على حكم العراق ، ونختزل كلما وقع على العراقيين فوق رأس سعيد قزاز .
وإذا كان سعيد قزاز جزء من ذلك النظام كما يعرف الأستاذ كاظم حبيب ، فلم لم تتم مسالة الآخرين وأين صار باقي الوزراء ؟ ولماذ أطلق سراح العديد منهم وتم إعفاء الباقين ، في حين تم تنفيذ حكم الموت بسعيد قزاز عن جريمة القتل العمد وليس عن جريمة الاضطهاد السياسي والجرائم ضد حقوق الإنسان ؟
لقد تشكلت محكمة عسكرية في البصرة في العهد الملكي بطشت بأهل البصرة من المضربين من عمال النفط ، وكان يرأسها أحمد صالح العبدي ، نعم الحاكم العسكري العام في الجمهورية عام 1958 والذي علقنا صوره في بيوتنا وصفق العديد من العراقيين له ، وكان وسيلة من وسائل قمع العراقيين بعد حين ، ولم يتم الإشارة الى أفعاله ومساهمته في الإساءة للشعب العراقي مطلقا .
3- لاأحبذ إن نتداول كلمة ( الكذابين ) على الشهود ، لأسباب عدة مكانتهم السياسية ، ورحيلهم كلهم عن الدنيا ، واعتزازا بالكلمات اللائقة ، وحين يورد الشاهد شهادته فأنه يفترض بت إن يسرد وقائع شاهدها أو سمع بها أو لمسها مع تحليفه اليمين وفق ديانته ، ولذا فأن جميع الشهادات محترمة ولكن أي شهادة منتجة ، وهل كانت هذه الشهادات تدين المتهم في جريمة ( القتل العمد ) الذي أدانته بها المحكمة ؟ هل إن هذه الشهادات لها التأثير في إن تستند المحكمة اليها في قرار التجريم وتصدر حكمها بإعدام الرجل ؟ العديد من الشهادات مايكون لها تأثير عاطفي لاقيمة له في مجال الإثبات والإدانة ، والعديد من الشهادات الحقيقية التي لاتتعلق بالقضية ، والعديد من الشهادات التي تهملها المحاكم وخصوصا من يعرف قيمة الشهادة وموضوعيتها ودلالتها ونفاذها ضمن القضية المنظورة دون دخل للعاطفة ، حينها تقرر المحكمة ما يترأى لها من حكم قضائي يفترض إن يكون ضمن القضية المنظورة وليس خارجها .
4- يتساءل أستاذي الكبير كاظم حبيب في تعليقه : ألم يجسد سعيد قزاز سياسة النظام القمعية وممارساته ضد قوى المعارضة العراقية, باعتباره ممثلاً أساسياً من ممثلي النظام الملكي القمعي ومسؤولاً عن أجهزة القمع العراقية حينذاك, ويدها الطولى في إذلال المعارضة ولا أقول الشعب كله.. هل كان المتهم مذنباً ويتحمل مسؤولية ما ارتكبه من مخالفات فعلية؟ أم كان بريئاً من أي تهمة في ارتكاب المخالفات؟.
فأقول نعم هو جزء من النظام القمعي ولكنه ليس كل النظام وليس الجزء الأساسي منه ، واحث الأستاذ كاظم ليشاركني في سؤال عن اسباب عدم مسائلة رؤساء الحكومات العراقية عن سياسة النظام بينما تم صب كل جام غضبنا على سعيد قزاز ، وأختلف مع السيد كاظم حبيب من أن المخالفات مكانها محكمة الجزاء في حينها ولا يعدو الحكم فيها على الغرامة المالية هذا ما يقوله قانون أصول المحاكمات البغدادي حينها .
5- ويقول الأستاذ كاظم حبيب عن محكمة الشعب : رغم قناعتي بخطأ تشكيلها كمحكمة عسكرية عليا للنظر بقضايا رجال العهد الملكي, ورغم قناعتي التي سجلتها بأكثر من مقال عن أساليبها غير الديمقراطية التي مارستها إزاء المتهمين, ولكن ألا يرى الزميل أنه تجاوز المعقول في دفاعه عن واحد من أبرز ممثلي ودعاة ممارسة القمع ضد معارض النظام وكان يحتضن ويرعى أجهزة القمع حسب قول الأستاذ عبود نفسه, ولكنه لا يدينه ولا مرة واحدة في كل فصول الكتاب. فإذا كان الخطأ في تشكيل محكمة والخطأ في تعاملها والخلل في أساليبها غير الديمقراطية ، فكيف يمكن تبرير إحكامها وقراراتها ؟ وكيف يمكن قبول نتائج قراراتها وعملها ، كيف يمكن إن نقر بعدالة محكمة لاتعرف اسم المتهم الكامل فتصدر حكما على اسمه ولقبه ويتم التنفيذ وفقا لهذا الاسم فقط ؟ وكما ذكرت فان كتابي هذا لم يكن لإعادة الاعتبار للرجل بقدر ما سعيت الى إعادة السرد التاريخي للعراق بشكل مجرد وخال من العواطف وما تراكم علينا من أفكار بعيدة عن الحقيقة ، ولهذا يقول السيد كاظم حبيب إن حكم الإعدام بحق سعيد قزاز غير عادل وأن السجن أكثر قبولا ولكنه ينس التهمة التي يقرر بها سجنه ؟ وإذا كانت الحركات السياسية الوطنية تحاكم شخص واحد عن سياسة النظام القمعية فهل يمكن إن تكون هذه المحكمة عسكرية ؟ ولم يعترض أستاذي كاظم حبيب على تشكيلة المحكمة ولا على الأساليب ولكنه اعترض على الحكم الذي تم تنفيذه وبهذا يتطابق معنا في الدعوة لمراجعة الأحكام السابقة وقراءة الأحداث بتجرد وحيادية نتطلع لها جميعاً .
6- يستغرب السيد كاظم حبيب من الإشارة الى احد الذين التقوا بسعيد قزاز من البعثيين فيقول : لا أدري لم اعتمد السيد عبود على رجل بعثي معاد للشيوعية ومن المتهمين بأحداث الموصل مثل السيد حازم العلي ، والأستاذ كاظم حبيب يعلم إن الموقوفين مع سعيد قزاز كانوا من المشاركين في قضية عبد الوهاب الشواف ، وجميعهم من القوميين والبعثيين ، وبحكم الفترة التي كأنها هؤلاء سعيت الى لقاء السيد صديق الصفار وهو قومي عربي ، وأشرت الى ما كتبه الخالد محمد مهدي الجواهري وهو يساري مستقل ، والتقطت وجهة نظر ذو النون أيوب وهو كادر من كوادر الحزب الشيوعي ، كما ذكرت ما كتبته جريدة الحزب الشيوعي اتحاد الشعب عن مجريات المحاكمة والهتافين فيها ، ولم اقتصر على وجهة نظر واحدة ، وأترك للقارئ الفطن إن يوازن بين هذه الشهادات .
7- أكرر لأستاذي الكريم أن كتابي لم يكن رسالة دكتوراه ولا رسالة ماجستير يمكن معها الالتزام بمنهجية الرسائل الأكاديمية ، وكان مجرد لمحات عن مالم يتم طرحه من حقائق ، ولهذا كان الأستاذ محقا في هذا الجانب ، كما لم التق بأبنة المرحوم سعيد قزاز مرة واحدة ولم يكن لها أي دور أو مساهمة في طبع كتابي ، ولم تكن عيني الثانية مغلقة مطلقا فقد بقيت منفتحة على الحقيقة التي تحملت وسأتحمل من أجلها الكثير حتى يستقر منهجنا في كتابــة التأريخ ( منهج كمال أحمد مظهر ) الذي يقول : (( علينا أن نعيد النظر ببعض أحكامنا السابقة إزاء الأحداث أم الشخصيات, ولكن وفق منهج علمي وموضوعي محايد وغير متحيز. )) ، واشكر في النهاية الأستاذ كاظم حبيب لإشاراته والتي تحفزنا دوما للبحث ويرسم لنا الإشارات التي نتعلم منها ، إذ لم يزل وسيبقى أستاذنا ويشرفنا معرفته عن قرب لما يتمتع به من حرص أكيد على حقوق الإنسان الا انه لم يشر الى كثرة الأخطاء الطباعية التي وصلت أكثر من 100 خطأ مطبعي في الكتاب ، كما أتقدم بالشكر للأبحاث والدراسات التي أتفقت مع ما ورد بكتابي المتواضع أو التي قدمت له النقد والتصويب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *