الرئيسية » شخصيات كوردية » سعيد قزاز وإعادة كتابة التاريخ في العراق!*

سعيد قزاز وإعادة كتابة التاريخ في العراق!*

المدخل
عندما يمتد العمر بجمهرة المثقفين والسياسيين غالياً ما يجدون حاجة إلى إعادة النظر بالمراحل المنصرمة وأحداثها والأحكام التي أطلقت على تلك الفترات والشخصيات التي شكلت النخب السياسية الحاكمة أو المعارضة. وقلة قليلة من هؤلاء ممن يلتفت, حين يكون الحديث عن تلك الشخصيات والأحداث والفترات, كيف كانت حالة الغالبية العظمى من السكان في ظل تلك الأوضاع أو النظم السياسية, وكيف كانت علاقة تلك النظم والشخصيات بالمجتمع. وبالتالي يبقى البحث يدور حول السمات الخاصة لهذه الشخصية أو تلك دون أن يكون هناك أي رابط فعلي بين هذه الشخصية التاريخية أو تلك وبين مجمل النظام وسياساته والاثار المباشرة وغير المباشرة على مجمل العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلاد. ويبدو لي أن هذه النقطة تشكل خللاً في بعض الدراسات الخاصة بالأحداث والوقائع التاريخية وشخصيات الفترات المختلفة, وغالباً ما تجري مقارنة تلك الشخصيات والأحداث بالفترة التالية وفي ظل نظام جديد دون أن يكون هناك وجه مقارنة مناسب بين الفترتين, فالزمن قد تغير والحكام قد تغيروا والأوضاع كلها كانت في حراك, سواء أكان ذلك الحراك صوب الأمام أم إلى الوراء, وسواء أكان تقدماً أم ردة حضارية أم ثقافية واجتماعية واقتصادية وأمنية قاسية ومريرة, كما يعيشها العراق حالياً أو منذ سقوط الجمهورية الأولى.
ليس لدي من شك في أن العراق الراهن بحاجة إلى إعادة كتابة تاريخه الحديث الحافل بالأحداث, أي الفترة الواقعة بين الحرب العالمية الأولى وسقوط النظام البعثي الصدامي. إذ بالإمكان إعادة النظر في جملة من الأحداث والوقائع, وربما إعادة الاعتبار لعدد من الشخصيات السياسية والثقافية والا جتماعية من جهة, أو سلب الاعتبار عن البعض الآخر لهذا السبب أو ذاك من جهة ثانية. ولا يمكن لشخص واحد أن يؤدي هذه المهمة, رغم أن البحث الخاص ورسائل الماجستير والدكتوراه ومراكز البحث العلمي قادرة على أن تقدم ما هو مفيد ومتقدم في هذا الصدد, حين تتوفر في تلك الدراسات الرؤية الموضوعية والحرص على دراسة الأحداث في ظل الأوضاع التي تمت فيها الأحداث أو سلوك الأشخاص المطلوب البحث فيهم أو عنهم. إلا أن ما هو أساسي في هذا الأمر هو أن لا يخضع البحث للمزاجية الشخصية وهوى الأشخاص أو الأحزاب أو اتجاهات أيديولوجية مغلقة, بل أن يستند إلى الوثائق والوقائع المثبتة والحقائق التي يعرفها الناس في حينها, رغم نسبيتها والزوايا والمصالح التي ينطلق منها كل فرد في تحديد مواقفه.
في السبعينات من القرن الماضي تحدث وكتب الدكتاتور صدام حسين لأول مرة عن إعادة كتابة التاريخ العربي والعراقي, ودعا إلى تفسير الأحداث وفق فلسفة ووجهة نظر وفكر حزب البعث العربي الاشتراكي. وحرك لهذا الغرض العديد من الكتاب وأساتذة الجامعات والباحثين ومراكز البحث العلمي للبدء بإعادة كتابة تاريخ العراق والعرب ودورهم في العراق والمنطقة والعالم. وقد نتجت عن هذه الدعوة السلطوية مجموعة من الدراسات والكتب التي استندت إلى منطلق فكري وسياسي شوفيني يميني وحيد الجانب, إضافة إلى سعيها إلى تضخيم دور حزب البعث وفكره و”القائد المؤسس” ميشيل عفلق, ثم “القائد التاريخي والضرورة” صدام حسين. وقد كانت النتيجة مشوهة حقاً. فقد تم تشويه الأحداث التاريخية وتم لوي عنق الحقائق لصالح العرب والبعث وصدام حسين, بدلاً من الإمعان في, والتحري عن, الحقائق النسبية للأحداث والأكثر قرباً من الواقع واستخلاص الدروس والعبر للأجيال القادمة وللمستقبل, ودون الإساء المتعمدة للعرب أو للشعوب الأخرى. ويمكن أن نجد ذلك واضحاً في كتاب “تاريخ الوزارات العراقية في العهد الجمهوري” الذي كتبته مجموعة من الكتاب, وأغلبهم من البعثيين الملتزمين بفكر وسياسة حزب البعث أو الخاضعين للحزب والمنفذين لإرادته في إعادة كتابة التاريخ.
وفي هذا الإطار نشط الكثير من طلبة الماجستير والدكتوراه, من بعثيين وغير بعثيين لإنجاز دراساتهم ورسائلهم الجامعية في ضوء مقولة صدام حسين حول إعادة كتابة التاريخ, بما فيه كتابة تاريخ مجموعة من الشخصيات السياسية التاريخية أو الشخصيات السياسية العراقية في القرن العشرين, ومنهم نوري السعيد وصالح جبر والدكتور فاضل الجمالي وكامل الجادرجي وجعفر أبو التمن وجعفر العسكري وبكر صدقي وسعيد قزاز ومحمد رضا الشبيبي وغيرهم, وكذلك أحداث ثورة العشرين والوثبات والانتفاضات, إضافة إلى إعادة كتابة تاريخ الحضارة العراقية من منطلق عربي بعثي, أو تاريخ أحداث كردستان ونضالات القوميات الأخرى في العراق أو السعي لتحليل أقوال صدام حسين الفارغة, وكأنها فلسفة وقانون أو علم حديث في الحقوق, مما أساء لهؤلاء الباحثين, إذ ما تزال تلاحقهم حتى الآن رسائل الدكتوراه التي أنجزوها والتي تظهر مدى انتهازية البعض. إذ لم يكن هذا البعض مجبراً على كتابة مثل تلك الرسائل البائسة, خاصة وأن الأمر لم يقتصر على رسائل في دراسة الأحداث التاريخية, بل شملت القانون والسياسة والحروب وأهمية أقوال وخطب القائد صدام حسين في كل ذلك…الخ. وكانت مثل هذه الدراسات والرسائل تنجز في بعض الجامعات العراقية أو مراكز البحث العلمي أو في الأكاديمية العسكرية التي سميت بأكاديمية البكر أو ما أسس بعد ذلك من أكاديميات أخرى. وكان البعض من تلك الدراسات قيماً ومفيداً ومحايداً إزاء الأحداث, وبعضها الكثير كان متحيزاً ومشوِهاً للأحداث التاريخية والشخصيات المختلفة. وأبرز الدراسات التي تمت في الأكاديميات التي أسسها حزب البعث وصدام حسين كانت من النوع السيء حقاً والقائم على أساس ما سمي بفلسفة ونظرية حزب البعث واتجاهاته في تفسير الأحداث والوقائع التاريخية, ونحن نعرف كم هي انتقائية هذه الفلسفة المهلهلة, وكم هو انتقائي وبائس فكر البعث الصدامي.
وفي جامعة بغداد أنجزت الكثير من الدراسات على أيدي مختصين في التاريخ ولهم رؤية علمية وموقف علمي من الأحداث. ولم تكن كلها جيدة بطبيعة الحال, إذ كان حزب البعث والأمن العراقي وراء الكثير من الباحثين ومراقباً صارماً على ما يكتبون بما يخالف أو يختلف مع فكر حزب البعث ونهجه السياسي.
أشرف المؤرخ البارز الأستاذ الدكتور كمال أحمد مظهر على عدد مهم من تلك الدراسات في الماجستير والدكتوراه, والتي تميزت بالموضوعية العلمية والجودة. وكان للأستاذ موقف علمي واضح في كيفية الخوض في دراسة الأحداث التاريخية والشخصيات السياسية والاجتماعية والقواعد المبدئية التي يفترض أن يلتزم بها الباحث عند إعداده بحثاً علمياً من النوع الذي نتحدث عنه, وخاصة بالنسبة إلى طلبة الماجستير والدكتوراه.
كانت إحدى تلك الدراسات لنيل شهادة الماجستير, التي أشرف عليها الأستاذ مظهر, هي التي أنجزها السيد عبد الرحمن إدريس البياتي, التي بحثت في الموضوع التالي “سعيد قزاز ودوره في سياسة العراق حتى عام 1959”. والراحل السيد سعيد قزاز أحد أبرز وزراء الداخلية في العراق في سنوات العقد السادس من القرن الماضي حتى سقوط النظام الملكي في العام 1958.
نشرت هذه الرسالة في كتاب في العام 2001 عن المؤسسة العربية للطباعة والنشر ببيروت. كتب الأستاذ مظهر مقدمة مهمة وحيوية لهذا الكتاب تستحق القراءة والنقاش. وفي هذه المقدمة أكد الأستاذ الدكتور كمال أحمد مظهر أهمية أن يأخذ الباحث, عند دراسة أحداث وشخصيات الفترة الملكية في العراق, اي الفترة الواقعة بين 1921-1958, مسائل كثيرة, ولكن أشير إلى مسألتين مهمتين, إضافة إلى ما ذكره عن أهمية الموضوعية في البحث والاستناد إلى الوثائق …الخ, وهما:
1. أن الفترة الملكية تميزت بعدم ممارسة نظام الحكم للديمقراطية في حكم البلاد وفي العلاقة مع المعارضة السياسية والمجتمع, إذ يشير الدكتور إلى ذلك بقوله: “وفي الواقع إن أكبر خطأ قاتل ارتكبه النظام الملكي في العراق يكمن في موقفه من الديمقراطية, فعلى العكس من منطق الأشياء سار الخط البياني لتطور الديمقراطية في العهد الملكي من الأعلى إلى الأسفل, لا من الأسفل إلى الأعلى, ويتحمل الجميع وزر ذلك, ولكن بدرجات متفاوتة”. (المقدمة, ص 18). وهنا يطرح السؤال نفسه, ما المقصود بـ “يحمل الجميع وزر ذلك, ولكن بدرجات متفاوتة”, في حين أن الحكم ذاته وليس غيره الذي بدأ بالتراجع عن الديمقراطية النسبية التي سادت فترة العشرينات والثلاثينات وتراجعت تدريجاً منذ النصف الثاني من الأربعينات وخاصة في الخمسينات. ولا يمكن اتهام المعارضة الوطنية في أنها كانت السبب أيضاً في مثل هذا التراجع. ويؤكد الدكتور مظهر في مكان آخر من المقدمة إلى التراجع في الحياة البرلمانية ايضاً (على الصفحة 19 ) حين كتب: “صحيح طرأ قدر من التراجع على واقع الحياة البرلمانية في العراق في عهد ما بعد فيصل, ..”, ولكن علينا أن نعترف بأن عهد فيصل ذاته لم يكن نظيفاً تماماً في إيصال النواب إلى البرلمان, بل كان هناك توزيع خاص على القوى السياسية: البلاط والأنجليز ومعها بعض قوى النخبة الحاكمة والإقطاعيين وبعض قوى المعارضة السياسية لخلق توازن معين.
2. وأن قوى المعارضة السياسية, وخاصة القوى اليسارية منها, كانت متطرفة في تحديدها للمهمات وأساليب عملها وخطابها السياسي, إضافة إلى أحكامها الشديدة حول الكثير من تلك الأحداث والشخصيات.
يبدو لي أن أي باحث علمي متمرس يمكنه أن يتفق من حيث المبدأ مع هاتين الملاحظتين الأساسيتين والعامتين للفترة موضوع البحث التي شخصها الزميل مظهر, مع تحفظ مهم هو أن واقع تلك الفترة, التي كنت شاهداً عليها منذ النصف الثاني من العقد الخامس من القرن الماضي ومشاركاً في النشاط السياسي منذ أوائل العقد السادس, تؤكد بأن القوى اليسارية الديمقراطية لم تكن كلها متطرفة في أحكامها حول العديد من الشخصيات بل تعاونت مع بعض المسؤولين في الحكومة في فترات مختلفة وأيدت سياساتها في فترات أخرى, إذ أن اليسار الديمقراطي لا يمكن أن يقتصر على الحزب الشيوعي العراقي وحده أو بعض التكوينات اليسارية الأخرى مثل حزب الشعب أو حزب التحرر الوطني أولاً, أو أن كل أحكام الحزب الشيوعي كانت تنطلق من مواقع ستالينية وخاصة بصدد القضايا الداخلية ثانياً. كما لا يمكن أن نتهم جميع من كان مشاركاً في الحكم في مختلف فترات النظام الملكي بأنهم لم يكونوا من الصف الديمقراطي أولاً, كما لا يمكن اتهام أغلب قوى المعارضة الوطنية وفي مختلف فتراتها بالتطرف, بما فيها القوى اليسارية ثانياً, إذ أننا عندها نفقد الموضوعية والرؤية الواعية للأحداث والشخصيات, إذ لم يكن الجميع مبتلى بالستالينية, كما يشير إلى ذلك الأستاذ مظهر, وخاصة في مجال الإضرابات العمالية, وسواء أكان الأمر يتعلق بأحداث كاورباغي في كركوك في العام 1946, أم في أحداث عمال شركة نفط البصرة في العام 1953.
وحين نبحث في الفترة الملكية من حكم العراق, علينا أن نميز بين الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية وتلك التي أعقبتها, إذ أن الظروف السياسية على الصعيدين الإقليمي والدولي في الفترتين لعبت دورها في الأحداث السياسية العراقية وفي الصراع بين السلطة والمعارضة السياسية, وبين السلطة والمجتمع عموماً.
فأذا كانت فترة الملكية قد بدأت بانفتاح نسبي من جانب الحكم على المجتمع بالارتباط مع الخلاص من الهيمنة العثمانية وهبوب نسائم حضارة غربية حديثة مع دخول الاستعمار البريطاني للعراق واضطراره إلى وضع دستور مدني وديمقراطي في أعقاب ثورة العشرين أبعد تقدماً من طبيعة المجتمع العراقي والقاعدة الاقتصادية والوعي الاجتماعي السائدين فيه حينذاك, فأن الفترة التي أعقبت وفاة الملك فيصل الأول (1933) تميزت بحالة جديدة في العراق والمنطقة العربية وفي العالم, خاصة فترة الصراع بين الديمقراطية على الصعيد العالمي والفاشية الإيطالية والنازية الألمانية والعسكرية اليابانية والتي تجلت فيما بعد في الحرب العالمية الثانية, كما انعكست على أحداث العراق الداخلية وسياسة الحكم, في حين اختلفت الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بتوجهات ديمقراطية أولاً, ثم بدء تصاعد الحرب الباردة تدريجاً بين الدول الرأسمالية المتطورة والدول الاشتراكية. ولم يترك هذا الصراع الدولي الدول النامية بمعزل عن تأثيراته المباشرة أو غير المباشرة, بما في ذلك العراق. وإذ كانت الفترة الأولى من الحكم الملكي قد تشابكت النخبة الحاكمة بقوى المعارضة, إذ كانت في غالب الأحيان تتبادل المواقع أو تتعاون في حكومة واحدة وتتشكل معارضة جديدة, فأن الفترة التي أعقبت انقلاب بكر صدقي قد شهدت تدخل العسكر في شؤون العراق وتنامي الفكر القومي اليميني في العراق وانقلاب رشيد عالي الكيلاني بقيادة العقداء الأربعة. وفي اعقاب الحرب العالمية الثانية تنامي الاستقطاب والاصطفاف السياسي بين النخبة الحاكمة وبين قوى المعارضة من مختلف الاتجاهات والتي تبلورت صراعاتها في أحداث 1946 و1948 و1952 و1956 وأخيراً في ثورة تموز 1958.
سأحاول في مقالتين أو ثلاث مقالات أن أناقش وجهات نظر متقاربة في الموقف من شخصية عراقية رحلت عنا بتنفيذ حكم الإعدام بها شنقاً في العام 1959. في المقال الأول سأناقش مقدمة الأستاذ كمال أحمد مظهر لكتاب السيد عبد الرحمن إدريس البياتي, ثم كتاب السيد البياتي ذاته في المقال الثاني, وأخيراً كتاب الأستاذ زهير كاظم عبود الموسوم “لمحات عن سعيد قزاز” في المقال الثاني أو في مقال خاص به.

المقال الأول
هل يمكن الفصل بين سياسات النظام وممارسيها في العراق؟

عند البدء بدراسة شخصية سياسية أو اجتماعية عامة لعبت دوراً كبيراً في الحياة السياسية العراقية وساهمت باعتبارها أحد أعمدة النظام الملكي لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار الملاحظات التالية:
• لا يجوز التفكير ابتداءً بإعادة النظر في الموقف من هذه الشخصية أو تلك, بل يفترض البدء بالتحري عن هذه الشخصية ومواقفها المختلفة استناداً إلى المصادر المتوفرة عنه والوثائق التاريخية والسياسات التي مارسها في حياته العملية والوظيفية وتلك التي سجلتها الذاكرة الفردية والجمعية, إضافة إلى النتائج والعواقب التي ترتبت عن تلك السياسات التي مارسها النظام, حيث كانت هذه الشخصية أو تلك جزءاً من هذا النظام ومن سياساته الفعلية, خاصة إذا تبوأت مراكز أساسية وحساسة في الدولة مثل رئاسة الوزراء أو وزارة الداخلية.
• كما لا يمكن الفصل الفعلي بين هذه الشخصية أو تلك وبين سياسة النظام الذي كان يجسد مصالح الفئات الاجتماعية التي كان يمثلها النظام ويدافع عنها بشكل ملموس, بغض النظر عن الموقف الشخصي لهذا الوزير أو ذاك الذي لن يجد أي تأثير له في تغيير جوهر سياسة وممارسات النظام الفعلية. وهذا يمس بشكل خاص الموقف من الإقطاع والعلاقات الإقطاعية في البلاد على سبيل المثال لا الحصر, فهو وأن اختلف سوف لن يكون سوى أداة فعالة لتلك السياسة.
• ويفترض أن يفصل الباحث بين السلوك الشخصي والعائلي لهذا السياسي أو ذاك عن ممارساته وهو في السلطة, إذ غالباً ما يكون السلوك متناقضاً, وقد تأكد ذلك من خلال متابعة الكثير من الشخصيات السياسية في الفترات الهتلرية والستالينية والتيتوية التشاوشسكية أو حتى في فترة صدام حسين…الخ. وإذ برز أحياناً التوافق بين السلوكين سلباً أو إيجاباً, برز في مرات أخرى التناقض تماماً بين السلوك الشخصي مع العائلة أو مع بعض الناس, وبين السلوك السياسي الحكومي الذي يمارسه عن قناعة ويعبر عن مصالح النظام الذي يمثله.
• وليس من حق الباحث أن يتشبث بقوانين البلاد في الدفاع عن مواقف سياسيين معينين, إذ أن القوانين هي من صنع النظم السياسية والشخصيات الحاكمة فيها وغالباً ما تعبر عن مصالحها, وبالتالي فالاستعداد لتنفيذها يعبر عن الالتزام بها سياسياً وأخلاقياً, وبالتالي يكون الوزير المنفذ لها مسؤولاً مسؤولية كاملة عنها مع نظامه السياسي.
• كما يفترض أن يتخلى الباحث في دراسته عن الانتقائية, بل ممارسة منهج علمي موضوعي في تتبع سياسات الرجل وسلوكه السياسي الفعلي وممارساته إزاء المجتمع وقوى المعارضة السياسية في الفترة التي كان فيها في دست الحكم وإزاء الإنسان والمصالح العامة للمجتمع.
وهذه الملاحظات يمكن أن تؤخذ بالاعتبار حين دراسة شخصيات في قوى المعارضة وفي تتبع مواقفهم وأدوارهم ومدى التزامهم بالسبل الديمقراطية في معالجة قضايا البلاد أو موضوعيتهم في الموقف من سياسات الحكومة أو أحكامهم إزاء الشخصيات السياسية الحاكمة أيضاً.
من هذا المنطلق قدم لنا الزميل الأستاذ مظهر في مقدمته لكتاب السيد البياتي ملاحظات مفيدة للباحث, ولكنه بقدر ما كان متساهلاً مع الحكام الملكيين, وخاصة مع سعيد قزاز, بالقدر ذاته كان جائراً على قوى المعارضة السياسية, وخاصة اليسارية, رغم قناعتي التامة بأن القوى اليسارية ذاتها لم تكن كلها ديمقراطية, وأنها لو كانت قد وصلت إلى السلطة لمارست سياسات غير ديمقراطية حقاًُ, وهي إشكالية ترتبط بطبيعة الواقع الاقتصادي والاجتماعي والوعي الديني غير المتنور في العراق, إضافة إلى التناقضات والصراعات الدولية التي كانت تؤثر على الواقع السياسي العراقي, وكذلك المواقف الأيديولوجية المتحكمة بها. وقد كتبت عن ذلك في مقالات ودراسات عديدة, بما في ذلك كتاب “فهد والحركة الوطنية في العراق”. لقد حاول الدكتور مظهر أن يخفف من مسؤولية سعيد قزاز وهو على رأس وزارة الداخلية ولعدة سنوات ومن مسؤولية وضع أو تنفيذ المراسيم التي اتخذت في الفترة التي كان نوري السعيد رئيساً للوزراء أو في الفترة التي وقعت فيها أحداث إضراب عمال النفط في البصرة. ويبدو لي أن علينا أن نتذكر بوضوح بشأن الوزير الراحل سعيد قزاز المسائل التالية:
– لم يكن الرجل شخصية ديمقراطية في الموقف من الفكر والرأي السياسي الآخر, بغض النظر عن طبيعة الفكر والرأي السياسي الآخر, بل كان غير ديمقراطي وظالم في تعامله مع الفكر والرأي الآخر, وليس مع الفكر الشيوعي فقط.
– لقد شارك في وضع المراسيم الرجعية المعادية للدستور العراقي والحياة الديمقراطية في العام 1954, وبشكل خاص في موقفه من الحياة الحزبية ومن الجمعيات والمنظمات الديمقراطية, إذ ما يزال في ذاكرة تلك الأجيال الجملة التي وردت في المرسوم رقم 16 لسنة 1954 الذي أضيفت إلى ذيل قانون العقوبات البفدادية رقم 51 لسنة 1938 الذي حرم المذاهب الاشتراكية البلشفية –الإباحية- الشيوعية أو ما يماثلها…, والتي تضمنت : “سواءً كان ذلك مباشرة أم بواسطة هيئات أو منظمات تهدف إلى خدمة أغراض المذهب المذكور, تحت ستار أي أسم كان: كأنصار السلام, الشبيبة الديمقراطية وما شاكل ذلك”. (جريدة الوقائع العراقية, العدد 3455, في 14/أيلول/سبتمبر 1954). وكان هذا يعني إمكانية اعتقال أي إنسان بحجة انتمائه للشبيبة والطلبة وأنصار السلام ورابطة المرأة وما شاكل ذلك, وهو ما تحقق فعلاً. والمراسيم التي أوردها طالب الماجستير السيد البياتي تحت الأرقام التالية 16, 17, 18, 19, 24 و25 لسنة 1954, في رسالته تؤكد النهج الاستبدادي لنظام الحكم ووزير داخليته في هذه الفترة بشكل خاص من تاريخ العراق الملكي.
– لقد فرض قرار إجبار السياسي على تقديم البراءة, أي أن يتخلى الإنسان عن المبادئ التي يعتنقها والحزب الذي ينتمي إليه والرأي الذي يعتقد به لكي يطلق سراحه من المعتقل أو السجن, وإلا فالسجن هو مكانه الطبيعي.
– لقد مورست أشد اساليب التعذيب شراسة وقهراً للإنسان في عهد بهجت العطية, مدير التحقيقات الجنائية, ومعاونه فزاع فهد وجلاوزة التحقيقات الجنائية, وكانت مديرية التحقيقات الجنائية تابعة لوزارة الداخلية وتحت أشراف الوزير مباشرة, وكان يعرف بكل ما كان يجري فيها من تعذيب لا يطاق, وكان يزود بالمعلومات المستمرة وبطرق تحريرية وشفهية بشكل خاص.
– لقد نفذ سعيد قزاز في فترة وزارته قانون إسقاط الجنسية عن جمهرة من الوطنيين العراقيين الذين لا يجوز القول اليوم بأنهم كانوا من القوى اليسارية لكي نبرر لللظام وله مثل هذه السياسة البشعة التي تتناقض مع الدستور العراقي ومع الرؤية لروح المواطنة, خاصة وأن العراق كان قد وقع على اللئحة الدولية لحقوق الإنسان الصادرة في العام 1948 وأحد المساهمين في وضعها.
– لقد كان نظام الحكم الملكي موالياً للنظام الإقطاعي ومعبراً عن مصالح الإقطاعيين في العراق, وكان الوزير, بغض النظر عن الإشارة إلى أنه قام بعمل ما ضد أحد إقطاعيي الموصل, ممثلاً لسياسة الحكومة ومجسداً لها ولن يعفيه من سياسة النظام الذي أيده فكراً وممارسة عقلاً وقلباً, أنه كان في داخله يعارض الإقطاع او مارس شيئاً ضد أحدهم.
– لقد كان سعيد قزاز واحداً من أبرز المناهضين لانتفاضات الشعب الكردي بقيادة الحزب الديمقراطي الكردي برئاسة وقيادة مصطفى البارزاني. إذ ما تزال في الذاكرة ما قام به في حينها عندما كان متصرفاً في لواء أربيل. لقد كان الرجل ظالماً وليس كما جاء في المقدمة حازماً. وكان عليه, إن كان يشعر بأي تعاطف مع الحركة الكردية, التي كانت تطالب بحقوق مشروعة لم يحققها النظام العراقي رغم الاتفاق بين حكومة الملك فيصل الأول وبين عصبة الأمم وفق رسائل رسمية متبادلة بهذا الصدد, أن يترك الموظيف الكبير والمسؤول ويعلن عن احتجاجه لسياسة الحكومة المعادية للحركة البارزانية لا أن ينفذ الموقف الشرس للحكومة من القضية الكردية وحركة الشعب الكردي. لقد كان سعيد قزاز كردياً حقاً ومن أسرة محترمة لا غبار على ذلك, ولكنه لم يكن يشعر بأي تعاطف مع المطالب القومية للشعب الكردي التي جسدتها الحركة الكردية خلال تلك الفترة, بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبت من هذا الطرف أو ذاك من أطراف الحركة التحررية الكردية.
– ليس دقيقاً ما أشار إليه الأستاذ مظهر حول إعدام الضباط الكرد الأربعة. الوقائع الورادة في المقدمة صحيحة بشأن الضباط الأربعة, ولكن الحكومة العراقية كانت قد أوعدت كل العاشدين بالعفو عنهم أو بمحاكمة عادلة, ولم يكن الإعدام وارداً في الموقف من الضباط الأربعة حين تقرر تسلم أنفسهم. وفي ضوء ذلك وافق الضباط الأربعة على تسليم أنفسهم إلى الحكومة العراقية, رغم التحذير الذي وجهه لهم الملا مصطفى البارزاني من أن الحكومة لا يمكن الاعتماد على وعودها وقرر الهجرة ومن معه إلى الاتحاد السوفييتي, ولكنه لم يتخذ قراراً يفرض على الضباط الأربعة بعدم تسليم أنفسهم, بل ترك لهم الخيار. وكان على الحكومة العراقية حتى في حالة صدور حكم الإعدام عن المحكمة, أن تصدر عفوا ملكياً أو تغيير الحكم بأي حكم آخر غير تنفيذ حكم الإعدام, لولا الحقد الأعمى الذي كان ينهش قادة الحكم الملكي ابتداءً من عبد الإلهه ومروراً بنوري السعيد ومن بايعه على سياساته الاستبدادية.
– وليس دقيقاً أيضاً ما كتب عن موقف سعيد قزاز من المضربين العمال في البصرة وما نقله عن السيد عبد الرزاق الحسني, إذ أن الحسني قد اعتمد على تقارير الشرطة السرية والتحقيقات الجنائية, وهو أمر معروف في أغلب ما نشر عنه في مثل هذه الأحداث, خاصة وأن سعيد قزاز قد سارع إلى تقديم الهدايا للشرطة التي مارست العنف ضد المضربين. لا شك في أن الاتجاه اليساري الصبياني قد تغلب حينذاك على سياسة القوى اليسارية, ومنها الحزب الشيوعي العراقي والتي ظهرت في أحداث انتفاضة 1952, ولكن لا يجوز أيضاً الموافقة على ممارسات الحكومة الملكية حينذاك في ما قامت به ضد المضربين من العمال بحجة أن هناك من كان لا يريد الإضراب, خاصة ونحن نعرف دور كاسري الإضربات العمالية لا في العراق فحسب, بل وفي جميع أنحاء العالم, كما أن الحجة بأن المضربين يضيقون على الناس ويفرضون عليهم الإضراب, وأن الإضراب يمكن أن يتحول إلى مأساة مماثلة لما حصل في كاورباغي معروفة لنا وغير مقبولة عموماً. فالمطاليب كانت عادلة والأساليب لم تخرج عن حدودها حينذاك.
أتفق من حيث المبدأ على أن سعيد قزاز كان نزيهاً وإدارياً صارماً وساهم بفعالية كبيرة في درء الفيضان عن بغداد بحكم موقعه كوزير داخلية أو ساعد بعض الأشخاص كأفراد, ولكن هذا لا يغير من حقيقة إخلاصه المطلق لنظام ملكي غير ديمقراطي شبه إقطاعي دافع عنه بحماس منقطع النظير أولاً, وموقفه السياسي العام وتأييده المطلق لسياسة الحكومة السعيدية المعروفة بعدائها للديمقراطية وحقوق الإنسان ثانياً, خاصة وأن الحكومة العراقية كانت قد وقعت على اللائحة الدولية لحقوق الإنسان.
لست إلى جانب من يتهم سعيد قزاز بالعمالة للأجنبي بأي حال, بل كان للرجل موقف فكري وسياسي محافظ واضح, رغم تنوره النسبي, ولكن الإشكالية لم تكن في مسألة العمالة ولا لموقفه الفكري والسياسي, بل في الموقف من الحياة الديمقراطية في البلاد ومن حق الآخر في التفكير والتعبير وممارسة حقوقه كاملة غير منقوصة. ومن هنا أيضاً اتفق بأن المحكمة الخاصة التي حاكمت سعيد قزاز لم تكن عادلة في حكمها, إذ أنها حاكمت النظام السياسي ككل, وبالتالي فأن قرار حكم الإعدام لم يكن عادلاً بحقه أيضاً, ولكن هذا لا يعني أنه كان لا يستحق الحكم بالسجن وإدانته على العديد من المخالفات الدستورية والقانونية والسياسات والإجراءات التي أصدرها ومارسها حين كان وزيراً للداخلية أو مورست باسمه.
لقد كان الرجل رحيماً بالطفل أنور الذي رباه وجعل منه معلماً, وهذا موقف شخصي جميل, ولكنه لم يكن رحيماً بالشعب العراقي والشعب الكردي وبالحركة الوطنية العراقية. لقد كان نزيهاً ونظيف اليد ولا غبار على ذلك, ولكنه لم يكن مقتصداً في الصرف على أجهزة الأمن والشرطة التي كانت تتقرر في وزارته ومن ثم في مجلس الورزاء. لقد كان وزيراً حازماً في وزارة الداخلية, ولكنه كان ظالماً مع أولئك الذين استشهدوا في انتفاضة 1956 أو الذين أعدموا في الحي. يشير الدكتور مظهر إلى ما يلي: “يؤخذ على سعيد قزاز العديد من المواقف الحازمة مع قوى المعارضة”. (ص 22 من مقدمة كتاب السيد البياتي). والسؤال المنطقي الذي يفترض أن أطرحه على الدكتور مظهر هو: هل كان سعيد قزاز حازماً أم ظالماً مع قوى المعارضة العراقية؟ وهنا لا أقصد الموقف من الشيوعيين فحسب, بل موقفه من بقية قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية, ومنهم الأستاذ الراحل كامل الجادرجي أو جماعة حزب الاستقلال أو غيرهم, حين كان وزيراً للداخلية. هل يكفي يا سيدي الفاضل أن يكون سعيد قزاز قد ساعد ذنون أيوب, الذي لم يكن حينذاك شيوعياً ولم يكن حزبياً أو يقود حزب معين, بل كان بعيداً عن السياسة, حين منحه جواز سفر يحق بموجبه مغادرة العراق, ولم يكن هناك من مانع قانوني أو حكم صادر بحقه يحرمه من الحصول على جواز سفر ومغادرة العراق غير تلك الإجراءات الطالمة التي كانت تمارسها التحقيقات الجنائية التي كان هو مسؤولاً عنها, إذ كلها كانت بعلمه ومعرفته التامة. فهو وزير قوي ومطلع على جميع أجهزة وزارته ولا يسمح لأحد بتجاوزه, فهل يمكن أن نتصور أن يتجاوزه بهجت العطية, الذي كان ذليلاً أمام رؤسائه.
لم أطلع على المحاضرة التي قدمها الدكتور مظهر حول إعادة كتابة التاريخ, ولكن مقدمته لكتاب السيد البياتي يكفي لأن أقول بأن هذه المقدمة لا تعطي الانطباع بحيادية الكاتب في الرؤية الضرورية للسيد سعيد قزاز حين كان وزيراً للداخلية, بغض النظر عن كونه كان في المعسكر الآخر فكرياً أو أن الأجواء بين العائلتين الكرديتين لم يكن اعتيادياً.
لقد عشت هذه الفترة بكامل تفاصيلها وكنت سياسياً وسجيناً وأتذكر جيداً كيف كان تصرف أجهزة وزارة الداخلية في تنفيذ المراسيم التي أصدرتها وزارة نوري السعيد, وخاصة التحقيقات الجنائية والشرطة السرية في الألوية والأقضية والنواحي وفي السجن والإبعاد, ولا يجوز التخفيف من مسؤولية سعيد قزاز عن كل ذلك. وما أزال أتذكر التعذيب الذي تعرضت له أنا شخصياً في التحقيقات الجنائية وفي السجن المركزي ببغداد وفي سجن بعقوبة لكي ينتزعوا مني دون جدوى اعترافاً ومن ثم فرض البراءة (نشرت مقالاً تحت عنوان “أسبوعان في ضيافة التحقيقات الجنائية في العام 1955 وأهديته إلى السيد علي بن حسين بن علي بن حسين شريف مكة في ضوء تصريحاته عن ديمقراطية النظام الملكي). وجرى أمامي تعذيب الكثير من الناس بهدف انتزاع البراءة منهم رغم كونهم لم يكونوا من الشيوعيين, بل كرامتهم كانت تفرض عليهم عدم الخضوع لابتزاز السلطة ورئيسها نوري السعيد ووزير داخليتها سعيد قزاز.
صحيح جداً أن بعض القوى اليسارية في الحركة الوطنية العراقية, ومنها الحزب الشيوعي العراقي, مارست في بعض الأحيان اتجاهات ومواقف يسارية متطرفة, سواء أكان ذلك برفع بعض الشعارات المتطرفة, أم بتنظيم بعض المظاهرات أو الإضرابات, رغم عدالتها. ولكن السؤال الذي يفترض طرحه على الدكتور مظهر هو: أليست السياسات غير الديمقراطية في الحياة العامة والتشويه المتواصل للانتخابات من جانب الحكومة, بما في ذلك مشاركة سعيد قزاز حين كان متصرفاً في الموصل في إيصال النواب الذين يطلبهم القصر, أو حين كان وزيراً للداخلية, وعدم السماح بتشكيل الأحزاب أو إلغاء إجازاتها, وممارسة سياسات اقتصادية لم تساعد على تغيير فعلي في البنية الاقتصادية للاقتصاد العراقي أو تقليص البطالة وتقليل مستوى الفقر المرتفع, كانت السبب في تنامي قوى المعارضة السياسية للنظام وسقوطه أخيراً؟ ألم تكن هذه السياسات الحكومية سبباً في بروز بعض التطرف في بعض المجالات ومن بعض القوى السياسية؟ فلِمَ لا يحمل الحكومة أساساً جريرة كل ذلك, ومعها وزير الداخلية, القطب الأبرز في حكومة نوري السعيد والشخصية الأكثر قوة وتأثيراً فيها؟ ولِمَ يحمل القوى اليسارية والوطنية عموماً مسؤولية تطرفها وبالتالي يشير إلى أن تطرف الحكومة ضدها هو نتيجة تطرف المعارضة حين قال وأن وزر ذلك يتحمله الجميع وأن بدرجات متفاوتة؟
يقول الدكتور مظهر في معرض حديثه عن حلف بغداد ما يلي:
وللأسف الشديد أن العراق لم ينعم بضمان إقليمي حقيقي طوال تاريخه المعاصر إلا في ظل “ميثاق بغداد” دون أن يعني ذلك, بالبداهة, تبريراً للجوانب السلبية للميثاق في نظرنا, لكن ينبغي أن يأتي حكم التاريخ للظواهر في إطار شامل, غير أحادي”. (المقدمة المذكورة سابقاً, ص 16).
أود هنا أن أذكر الأستاذ الدكتور مظهر بما يلي, مع الابتعاد عن الدخول في حوار حول أهداف حلف بغداد حينذاك:
1. نعم العراق بالهدوء الإقليمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى العام 1979, وأن النظام الدكتاتوري صدام حسين هو الذي فجر أول حرب عراقية ضد إيران. ولم يكن العراق إلا في فترة قصيرة قد ارتبط بحلف بغداد, وهي الفترة 1955-1958 لا غير. أي ليس حلف بغداد كان المسؤول عن الهدوء الإقليمي.
2. كان حلف بغداد سبباً في تفجير الكثير من الصراعات الداخلية والمؤامرات ضد سوريا …الخ, باعتبارها خارجة عن الخط العام الذي يسعى إليه حلف بغداد, أي معاداة الشيوعية والاتحاد السوفييتي. وهنا أؤكد ضرورة أن لا يكون التحليل أحادي الجانب أولاً, وأؤكد بأن إسرائيل كانت إلى جانب حلف بغداد لأنه كان يسعى إلى تأمين الضمانة لها قبل غيرها ثانياً.
3. أصبح العراق, وبعد صدور المراسيم السعيدية التعسفية في العام 1954, التي كانت بمثابة إجراءات تمهيدية لدخول العراق في حلف بغداد بالرغم من إرادة المعارضة وقوى واسعة من الشعب العراقي, خاضعاً لنظام استبدادي شرس يقوده نوري السعيد ونخبة سياسية كانت تمارس السلطة معه, ومنها سعيد قزاز, وهي التي نضجت ظروف الثورة ضد النظام بشكل خاص.
4. وقد كانت هذه الفترة 1954-1958 أسوأ فترة في تاريخ العراق السياسي الداخلي من حيث التعسف والاستبداد, أي غياب حقيقي للحياة الديمقراطية وإلغاء الانتخابات وإجراء انتخابات مزيفة ليكون مجلس النواب الجديد والمفبرك من قبل نوري السعيد مستعداً للموافقة على الدخول في حلف بغداد وعلى جملة من المشاريع الأخرى.
5. وضمت السجون العراقية في هذه الفترة أكبر عدد من السجناء والمعتقلين والمبعدين السياسيين من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية, وأن كان للحزب الشيوعية أكثرية سجينة, بالقياس إلى كل الفترة الواقعة بين نهاية الحرب العالمية الأولى حتى سقط النظام الملكي في العراق في العام 1958.
ورغم هذه الملاحظات النقدية أو في ختام هذا المقال أن أشير إلى أني من القراء المعجبين والمتابعين الجيدين لكتابات وكتب الأستاذ الفاضل مظهر وأقيمها عالياً, رغم أني لم ألتق به حتى الآن وأتشرف بمعرفته, ولكن الاختلاف في وجهات النظر وبصدد هذه القضية مفيد للحوار وتبادل الرأي.

المقال الثاني
سعيد قزاز في كتاب السيد عبد الرحمن البياتي

نشرت رسالة الماجستير السيد عبد الرحمن إدريس البياتي في كتاب بعنوان “سعيد قزاز ودوره في سياسة العراق حتى عام 1959 م” وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت في العام 2001. ويبدو أن الرسالة قد أنجزت في العام 2000, أي في ظل نظام البعث وصدام حسين. وكان الأستاذ الدكتور كمال أحمد مظهر مشرفاً عليها وقدم للكتاب.
تضمن الكتاب مقدمة وأربعة فصول وشهادة شخصية بحق سعيد قزاز. بحث الفصل الأول في نشأة وثقافة سعيد قزاز والسلم الوظيفي الذ تدرج فيه, واكتسب خبرته الأمنية والإدارية في أجهزة الإدارة البريطانية في أوائل حياته الوظيفية, ثم في أجهزة الدولة العراقية حتى وصوله إلى منصب وزير الشؤون الاجتماعية ومدير عام الموانئ العراقية, في حين بحث الفصل الثاني تبوء سعيد قزاز منصب وزير الداخلية ومواقفه الملوسة في إضراب عمال ميناء البصرة ودوره في درء الفيضان عن بغداد, ثم دوره في انتخابات أرشد العمري في العام 1954 وقبل وصول نوري السعيد إلى رئاسة الوزراء للمرة الثانية عشرة ووالمرة الثالثة عشرة. أما الفصل الثالث فقد باحتوى بشكل موسع ومفيد المراسيم الاستثنائية التي أصدرتها وزارة نوري السعيد في العام 1954 ودور سعيد قزاز في تنفيذها وموقفه من الحريات الديمقراطية والحياة الحزبية والصحافة ومن العائلة البارزانية, وكذلك موقفه من منع سفر وفد المحامين العراقيين إلى مؤتمر المحامين العرب في نفس العام, إضافة إلى تتبع مواقف سعيد قزاز, كوزير للداخلية, من رفض منح إجازة تأسيس حزب المؤتمر الوطني العراقي الذي تشكل من الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال, إضافة إلى مواقفه من الحركةو الوطنية العراقية, وخاصة في أحداث انتفاضة عام 1956 التي تركز النضال فيها من أجل دفع العراق لدعم مصر بعد تأميمها لقناة السويس والاحتجاج على العدوان الثلاثي البريطاني – الفرنسي – الإسرائيلي على مصر, وكذلك دوره السلبي في توتر العلاقات المصرية العربية. أما الفصل الرابع والأخير من هذا الكتاب فقد تتبع الباحث فيه موقف سعيد قزاز من أحداث عام 1958 وقبل ثورة تموز من نفس العام وحياته وسلوكه المتماسك في المعتقل, ثم محاكمته أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة (محكمة الشعب) وموقف القزاز منها. ثم يتطرق الباحث عن الأيام الأخيرة لسعيد قزاز في المعتقل وقبل تنفيذ حكم الإعدام به. ثم يقدم أخيراً شهادة شخصية كتبها السيد محمد سعيد الخفاف حيث يتطرق فيها إلى خصائص الوزير الراحل سعيد قزاز.
من هنا يتبين لنا أن البحث تضمن في فصوله المختلفة الأدوار المختلفة من حياة الشخصية السياسية العراقية موضوع البحث, إذ أفادنا الباحث بالكثير من المعلومات المتوفرة في وثائق وأضابير وزارة الداخلية وفي الصحف العراقية التي كانت تسجل أحداث العراقي في حينها. ولا شك في أن الكتاب يتضمن منهجية مقبولة ومستوى طيباً في البحث والتمحيص والتتبع الجيد. ولكن السؤال المناسب هنا هو: كيف كان محتوى الكتاب ووجهة الباحث في إنجاز رسالته ثم إصدارها في كتاب؟
نشير باتداءً إلى أن الباحث قد بذل جهداً طيباً في أن تكون رسالته علمية في منهجها. فقد استند إلى:
• الكثير من المصادر الأساسية والوثائق الحكومية للعهد الملكي؛
• وعقد لقاءات مع شخصيات عرفت أو تعرفت على الوزير العراقي الراحل عن قرب؛
• والتحري والبحث في الصحافة العراقية في العهد الملكي ودراسة محاضر جلسات المحكمة العسكرية العليا الخاصة التي حاكمت سعيد قزاز في العام 1959.
• وقد بذل الباحث, كما بدا لي جهدا ملموساً ليكون قدر الإمكان حيادياً في عرض الأحداث والتصورات التي وردت عن الراحل سعيد قزاز, وتتبع حياته طيلة الفترة التي كان فيها موظفاً ضمن أجهزة الدولة العراقية وخاصة في المجالات الأمنية والإدارية.
واستناداً إلى ذلك سعى الباحث إلى تتبع نشاط ودور سعيد قزاز كموظف وكرجل دولة وسياسي ضمن النخبة السياسية البارزة والمتميزة في عهد النظام الملكي من جهة, والشخصية المقبولة والمحبوبة والمقدرة من قبل أجهزة سلطة الإنتداب البريطانية على العراق قبل دخول العراق عصبة الأمم ثانياً, كما تتبع سلوكه الشخصي وتصرفاته الاجتماعية وعلاقاته المحتلفة ثالثاً, إضافة إلى تطرقه إلى المحاكمة والموقف منها وموقفه فيها. والسؤال الذي يدور في البال هنا أيضاً, هو: هل توفق الباحث في دراسته التي استغرقت حوالي 170 صفحة من القطع الكبير في أن يقدم لنا دراسة محايدة إلى حدود بعيدة وموضوعية في حكمها على من رحل عنا ولمي عد قادراً الدفاع عن نفسه؟
إن الإمعان في الكتاب يسمح لي بتوزيع الإجابة على مستويين,وهما:
أولاً: مستوى العرض والتحليل لحياة سعيد قزازً
ثانياً: مستوى الاستنتاج والتقدير لممارسات سعيد قزاز, وخاصة حين كان وزيراً للداخلية.
وبصدد الفقرة الأولى يمكن القول بأن السيد البياتي استطاع أن يستعرض حياة سعيد قزاز ونشاطه ودوره, سواء حين كان موظفاً صغيراً عند الإدارة البريطانية وضمن جهاز القلم السري, أم حين كان موظفاً في الإدارة المحلية العراقية, ومن ثم موظفاً كبيراً في الميناء أو وزيراً للشؤون الاجتماعية, ومن ثم وزيراً للداخلية لعدة سنوات ومع العديد من رؤساء الوزارات, ولكن بشكل خاص مع نوري السعيد, زميله الذي احتضنه ورعاه وسانده في تقدمه الوظيفي, استناداً إلى قدراته الإدراية واتفاق وجهات النظر بين الشخصيتين في أغلب المسائل العراقية الداخلية منها والخارجية, وخاصة مواقفها العدائية المشتركة من اليسار عموماً والشيوعية على وجه الخصوص من جهة, ومواقف الصداقة والتعاون الوثيق مع المملكة المتحدة من جهة أخرى.
وفي عرضه لهذه اللوحة المكثفة كان البياتي حيادياً في توصيفها والإشارة إلى أبرز المشكلات التي يدور حولها الخلاف مع من يناصر إعادة النظر في الموقف من سعيد قزاز ومن يرى غير ذلك. فلم يتردد في عرض مواقف سعيد قزاز من إضراب عمال النفط في البصرة ومنحه شرطة البصرة هدايا وترقيات بسبب موقفها من الإضراب الذي أدى إلى مقتل عدد من الأشخاص وجرح عدد آخر من المضربين. كما لم يتردد في شرح مواقف سعيد قزاز السلبية والمعادية للحركة الكردية المسلحة وموقف العداء للبارزاني, سواء حين كان متصرفاً في أربيل أم فيما بعد, وكذلك مواقفه السلبية من الحركة الوطنية العراقية ورفضه لاتجاهات التطور في مصر من ناحية الموقف من تأميم القناة ودعوته بريطانيا لضرب مصر لكي لا تنتصر الحركة وتشتعل المنطقة بالنضال ضد الهيمنة البريطانية على سياسات دول منطقة الشرق الأوسط. كما شرح بتوسع موقف سعيد قزاز من المراسيم الرجعية الاستثنائية التي أصدرتها وزارة نوري السعيد في العام 1958, رغم قوله بأن سعيد قزاز لم يكن موجوداً حين صدرت تلك المراسيم, ولكن سعيد قزاز ايدها تأييداً كاملاً وأصدر التعليمات لتنفيذها وسبل التنفيذ وعمل جاهداً على أن تنفذ بإبداع, وخاصة فرض التوقيع على نص البراءة من الشيوعية, وشرح ما نشأ عن تنفيذ تلك المراسيم الرجعية. وطرح بوضوح لا لبس فيه موقف سعيد قزاز من الحزبية والأحزاب السياسية حتى تلك التي لا تعرف بكونها يسارية, كما في الموقف من حزب الاستقلال أو الحزب الوطني الديمقراطي أو حزب المؤتمر الذي تشكل منهما, أو الموقف من بقية القوى السياسية العراقية, دع عنك موقفه الكاره والمليء بالحقد لليسار والشيوعية. وإذا كان من حقه أن يكره هذا التيار أو ذاك وهذا الحزب أو ذاك ويحقد عليه, فليس من حقه بأي حال أن يمارس الكراهية والحقد فعلياً بأساليب قمعية معروفة للعراقيين, وخاصة من عاش تلك الفترة أو تلظى فيها.
ولا شك في أن سعيد قزاز تمتع بشخصية نافذة ورؤية واضحة لما كان يريد أو يهدف, وبالتالي فأنه قد دافع عن تلك المواقف أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة بجرأة رغم الأجواء المعادية له التي رافقت جلسات المحكمة إزاء حكام العهد الملكي, وخاصة إزاء سعيد قزاز باعتباره وزيراً لداخلية العراق ومسؤولاً بعد نوري السعيد عن سياسة العراق الداخلية ومقرباً منه ومن البلاط الملكي والإنجليز.
وفي الفقرة الثانية من البحث تلمست بوضوح أن السيد البياتي فقد حياديته التي برزت في عرضه لحياة ونشاط ودور سعيد قزاز وبالنسبة إلى عدد من المسائل المهمة التي يصعب قبولها من باحث علمي موضوعي. وهذا الرأي الذي أطرحه أشير معه إلى عاملين مهمين يلعبان دورهما البارز في كتابة رسائل الماجستير والدكتوراه, وأعني بهما:
1. وجود البعث وصدام حسين وأجهزتهما في السلطة حين إعداد الرسالة والكتاب, والحدود التي يستطيع فيها الباحث طرح الأمور بصورة مستقلة بعيداً عن تأثيرات الوضع السياسي وممارسات السلطة المباشرة وغير المباشرة, وقدرة الباحث على استخلاص الاستنتاجات أو الأحكام التي بصورة مستقلة, مع عدم نسيان تأثير ودور نهج الحكم وصدام حسين في مسألة إعادة كتابة التاريخ.
2. مدى تأثر الباحث بأراء وتصورات الأستاذ المشرف عليه بصدد الشخصية موضوع البحث ونهجه في إعادة كتابة تاريخ هذه الشخصيات الخاصة بالعهد الملكي. وعلينا أن نقرأ المقدمة التي كتبها الأستاذ المشرف وأن نتابع نهج البياتي في البحث والكتابة والاستنتاج.
بعد أن انتهيت من قراءة الكتاب للمرة الثانية توصلت إلى الرأي التالي: أن الباحث البياتي (ربما) قد وجد نفسه ملزماً أو طوعاً على الأخذ بنظر الاعتبار الواقع السياسي حينذاك حين كتب رسالته, ولكنه في كل الأحوال لم يكن مجبراً, كما أرى, على الالتزام برأي استاذه المشرف في هذا الصدد, إذ أنه المسؤول أولاً وقبل كل شيء عما يكتبه, كما أني لا أشك بأن الأستاذ مظهر لا يفرض على طلابه وجهة نظره أو وجهة نظر محددة في البحث أو في الخروج باستنتاجات باتجاه معين, إذ عندها يفقد البحث العلمية والموضوعية ويفقد الأستاذ دوره في العملية العلمية أساساً, وهذا ما لا يمكن تصوره عن الأستاذ الفاضل مظهر. لقد كان البحث يتضمن إعارة انتباه شديد لموقف السلطة من البحث أولاً, والتزاماً ملموساً برأي الأستاذ المشرف ثانياً. إذ أن ما توصل إليه الباحث يتناقض مع الاستعراض والتحليل الذي قدمه لناً. وبقدر ما كان واضحاً في الاستعراض كان مرتبكاً في الخروج بالاستنتاجات الصائبة التي يفرضها منطق التحليل الذي التزم به الباحث.
لقد بذل السيد البياتي جهوداً كبيرة لتبرير السياسات والمواقف التي اتخذها ومارسها سعيد قزاز بثلاث حجج أو مبررات, إذ غالباً ما كانت الحكومات العراقية المتعاقبة تعتمدها في تبرير سياساته وإجراءاته القمعية القاسية ضد قوى المعارضة أو ضد المتظاهرين أو المضربين أو السجناء السياسيين الذين لم تعترف الحكومة ولا وزارة الداخلية يوما ما بكونهمن سياسيين بل كانوا يعاملون على أساس سجناء عاديين! والحجج الثلاث هي:
• المصلحة الوطنية التي هي فوق كل اعتبار؛
• وتطبيق القوانين السائدة والتي يفترض ممارستها واحترامها لصيانة أمن المواطنين وحرياتهم وأملاكهم؛
• ومحاربة الشيوعية الهدامة التي تريد أن تخرب البلاد وتنشر الإباحية في المجتمع .
ولم يكن السيد البياتي موفقاً في الاستناد إلى ذات التبريرات التي اعتمدتها الحكومات الملكية المتعاقبة ووزارة الداخلية, وخاصة في فترة سعيد قزاز, لتبرير المواقف السلبية والقمعية والمناهضة لحقوق الإنسان إزاء الحركة الوطنية العراقية, خاصة وأن السيد البياتي كان لا يتعامل في بحثه مع موظف صغير في إحدى دوائر وزارة الداخلية, بل كان يبحث في شخصية سياسية كبيرة كانت تحمل حقبة وزارة الداخلية, وكان سعيد قزاز هو الشخصية المعتمدة من قبل الجهات الثلاث المعروفة لنا, البلاط ونوري السعيد والسفارة البريطانية, والأخيرة كانت ترى فيه القدرة والكفاء على مواجهة الحركة الوطنية وبالتعاون مع نوري السعيد. لقد كان سعيد قزاز عرى رأس وزارة الداخلية ملاذاًً مهماً اعتمدته الدولة الملكية في الحفاظ عليها والدفاع عن مصالحها ومصالح الفئات التي بيدها السلطة, كما أن نوري السعيد كان يعتبره اليد اليمنى المساعدة له في كل شيء, ولم يكن سعيد قزاز يرفض للاخير طلباً, ولكن كان في مقدوره رفض طلب من عبد الإله, الوصي على العرش, الذي لم يكن يحظى بتأييد مطلق من جانب البريطانيين. ومن هنا نشأت محاولة عبد الإله التقرب من الولايات المتحدة الأمريكية بأمل الحصول على تأييد أكبر في مواقفه السياسية في العراق وفي الصراع مع نوري السعيد. ولم يترك السيد البياتي أي إجراء يمكن الطعن من خلاله بمواقف سعيد قزاز, إذ أنها كانت كلها تبرر على أنها بحكم الدفاع عن مصلحة الوطن أو تطبيقاً لقوانين سارية ..الخ. فالعرض الذي قدمه لنا السيد البياتي عن السياسات والإجراءات التي مارسها سعيد قزاز, بما في ذلك مشاركته في تزوير الانتخابات, تتناقض حقاً مع التبريرات التي قدمها في نهاية كل فقرة دفاعاً عن سعيد قزاز. وكان على المشرف أن يلاحظ ذلك بوضوح لولا تبنيه نفس النهج الذي سار عليه الباحث والتي تجسد تناغماً مع الأستاذ المشرف على البحث, وبالتالي لم يجد ما يبرر الاعتراض على الباحث.
لقد كان الباحث, ولست معنياً بوجهة نظره الفكرية والسياسية إذ أنه قدم لنا رسالة ماجستير طبعت في كتاب, إذ كان عليه أن يكون علمياً وموضوعياً لا في عرضه لحياة الشخصية موضوع البحث فحسب, بل وفي استخلاص الدروس والاستنتاجات. وعلى سبيل المثال لا الحصر كان البياتي مجافياً للواقع والموضوعية في بحثه حين كان يتحدث عن الحركة الكردية المسلحة وتسمية المناضلين فيها بأنهم من المتمردين, وأن سعيد قزاز كان يدافع عن العراق ضد المتمردين حين تصدى للحركة الكردية المسلحة. وهذه هي المسألة الوحيدة التي اعترض عليها المشرف في مقدمته على بحث السيد البياتي, وكان محقاً في اعتراضه طبعاً. ولكن الأستاذ مظهر لم يكن موضوعياً حين كتب يقول: “مما يؤسف له حقاً إن المثقف العربي إما لا يعرف شيئاً من تاريخ الكرد, أو يعرف, في أفضل الأحوال, نزراً يسيراً مشوهاً منه إلا ما ندر, وهذا أمر متوقع تماماً إذا عرفنا أن مؤرخاً كبيراً منصفاً, غير متعصب مثل عبد الرزاق الحسني لم يتورع, بدوره, عن تشويه جوانب غير قليلة من تاريخ الكرد الحديث والمعاصر , الأمر الذي لا يمكن أن يخدم الوحدة الوطنية المطلوبة, بل أنه يسهم شئنا أم أبينا, في ترخيب جسور العلاقات التاريخية بين الشعبين العربي والكردي, وإذا كان ديدن معظم الباحثين العرب هكذا, فمن الأفضل لهم ولنا أن لا يقتربوا من تاريخ الكرد لأن ضررهم أكثر من نفعهم بكثير كما بينت صراحة أثناء مناقشة هذه الدراسة في “معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا” ببغداد في مطلع هذا القرن”. (المقدمة ص 34-35). لا بد من الإشارة إلى ثلاث ملاحظات, وهي:
1. لم يكن المؤرخ عبد الرزاق الحسني منصفاً في الكثير من ملاحظاته الخاصة وتعليقاته على مختلف الأحداث في العراق, ويمكن إيراد قائمة كاملة بذلك, إضافة إلى دراساته غير العلمية عن الأيزيدية وغيرهم, وبالتالي فهو لا يشكل حجة أو مثلاً في هذا الصدد.
2. إن الكثير من الكتاب العراقيين العرب يقفون بقوة إلى جانب القضية الكردية ويعرفون تاريخها وتطور صراع الكرد ونضالهم العادل في سبيل حقوقهم المشروعة في العراق وينصفونها في كتاباتهم, وهم لا يعدون على اصابع اليد بل أكثر بكثير.
3. وأن الكتاب العرب الذين يهاجمون الكورد وحركتهم النضالية في سبيل حقوقهم المشروعة ينتمون إما إلى فكر قومي يميني شوفيني مثل البعث أو المؤتمر القومي العربي أو بعض المعربين من الكورد مثل سعيد قزاز.
وكمثقف عربي أشعر بالحيف إزاء الكثير من المثقفين العراقيين العرب من هذا القول غير المنصف للسيد مظهر, في ذات الوقت يدافع عن سعيد قزاز الكوردي الذي اتخذ موقف العداء إزاء القضية الكوردية ومطالبها وليس فقط تباين في وجهات النظر وأساليب النضال.
وفي معرض القضية الكردية أورد السيد البياتي مقاطع مهمة من بيانات أصدرها سعيد قزاز بنفسه حين كان مسؤولاً وفي مواجهة القضية الكردية تكشف أيضاً عن مواقف سعيد قزاز المناهضة للحركة البارزانية والحركة الكردية المسلحة بشكل عام واتهامها بالعدوانية. فقد جاء في رسالة البياتي ما يلي: “وفي كتاب (سري للغااية) أرسله سعيد قزاز إلى وزارة الداخلية في 20/آب/1945, علل فيه فشل الحملا ت التأديبية ضد البارزانيين خلال عامي 1943 و1944, إلى الشعور السائد لدى أكثرية الناس بأن الشيوخ البارزانيين (مظلومين), لافتاً النظر إلى أن كل جندي أو شرطي قاتل ضدهم خلال السنتين الماضيتين كان متحسساً لهذا الشعور مما أسفر عن وضع شاذ أكد سعيد قزاز ضرورة إزالته مهما كلف الأمر. ونقل سعيد قزاز إلة وزارة الداخلية بعض الملاحظات التي تتعلق بواقع الحال في المنطقة الشمالية, إذ أشار إلى أن الرأي العام هناك بدأ في هذه المرة يقدّر مدى صبر الحكومة تجاه أعمال البارزانيين العدوانية, ويحبذ وضع نهاية لتجاوزاتهم, كما وجه عدد من الا تهامات إلى معروف جاووك متصرف لواء السليمانية, بخصوص تحريضه الأهلين لاستعطاف الحكومة للتساهل مع البارزانيين, ومن أولئك الشيخ محمود وأولاده, وأن جاووك نظم مناشير سرية يسعى لتوزيعها في بغداد والسليمانية بهدف تثبيط العزائم, …”. ( ص 61 من كتاب البياتي). وفي مكان آخر يشير الباحث إلى ما يلي: “استمرت العمليات العسكرية ضد البارزانيين حوالي شهرين أسهمت أعداد من العشائر الكردية التي وقفت ضد البارزاني وتمرده وانتهت الحركات في 14/تشرين الأول/ 1945, بعد أن هرب الملا مصطفى البارزاني وأخوه أحمد وألآعوانهما إلى إيران. وفي 22/ كانون الثاني / 1946, وافق مجلس الوزراء على منح سعيد قزاز وسام الرافدين من النوع المدني من الدرجة الثالثة, وذلك تقديراً لأعماله الممتازة ضد حركات الملا مصطفى البارزاني وتمرده, فصدرت بذلك الإرادة الملكية بالرقم (89) في 3 /شباط / 1946”. (ص 62 من كتاب البياتي).
وفي ما عدا عن ذلك لم يتورع الباحث عن اتهام كل ما كان يحصل في العراق بأنه من صنع الشيوعيين الهدامين ناسياً بالتمام والكمال دور القوى الوطنية العراقية الأخرى في النضال الذي كانت تخوضه ضد السياسات القمعية وغير الديمقراطية للحكومات العراقية المتعاقبة, مع اعترافه بأنه كان شديداً وقاسياً في التعامل مع الشيوعيين, (ص 208). حتى المراسيم التي أصدرها النظام حينذاك ونفذها وزير الداخلية بكل قسوة, وجد الباحث مبرراً لتصرفات الوزير باعتبارها كانت مراسيم رسمية كانت تصب في مصلحة الوطن وضد الشيوعيين!
إن دفاع سعيد قزاز عن حكومة نوري الدين محمود العسكرية وإجراءاتها القمعية ضد الحركة الوطنية العراقية (ص 77), وليس ضد الشيوعيين وحدهم, وجدت تبريراً لها في كتاب السيد البياتي باعتبارها دفاعاً عن أمن المواطنين ومصلحة الوطن والنظام الملكي.
والموقع الوحيد الذي سكت عن إجراءات الحكومة ووزير داخليتها, سعيد قزاز, برز في الموقف من انتفاضة 1956 حين اشار إلى الرأي التالي: “وكان لحزب البعث العربي الاشتراكي دور فعال في قيادة انتفاضة الشعب انتصاراً لمصر, وقامت الشرطة بالتصدي للمتظاهرين واعتقلت بعض قادة الحركة”, ص 153. ويكشف الباحث عن دور سعيد قزاز في تحريض بريطانيا على ضرب مصر في العام 1956 بقوله “ويشير الدكتور مؤيد الونداوي إلى أن بريطانيا أصبحت مطمئنة على الوضع الداخلي في العراق والذي يمكن السيطرة عليه, بعد أن تسلمت تأكيدات من سعيد قزاز بهذا الشأن, والذي أخذ يحث بريطانيا على ضرورة توجيه ضربة عسكرية ضد مصر لأن نجاح عملية التأميم ستؤدي في المستقبل إلى زوال النظام السياسي في العراق, فضلاً عن زوال النفوذ البريطاني ذاته في منطقة الشرق الأوسط”, (ص 153).
إن الكتاب يكشف عن السلوك السياسي لسعيد قزاز حين نبعد جانباً تبريرات واستنتاجات الكاتب ذاته المرتبطة بما أشرنا إليه سابقاً, إذ أنها لا تتناغم مع ما ورد من عرض في متن الكتاب لحياة سعيد قزاز السياسية.
ولا بد في الختام أن أوكد بأن الباحث بذل جهداً ملموساً ومتميزا:
• من أجل تبرير السياسات أو الإجراءات التي كان يتخذها سعيد قزاز كوزير داخلية باعتباره كان ينفذ القوانين والتعليمات.
• كما كما برز بشكل خاص الجوانب الإيجابية في سلوكه الشخصي إزاء عدد من القضايا الفردية, بما فيه مساعدة ذنون أيوب, الذي كان قد تخلى في حينها عن السياسة في الحصول على جواز سفر مثلاً أو مساعدات مماثلة لأشخاص آخرين. وهي مسألة اجتماعية لا شك فيها وفي جانبها الإيجابي في شخصية سعيد قزاز ومنها نزاهته الشخصية ونظافة يديه.
• ومع ذلك كان الباحث العراقي السيد البياتي واضحاً في إبراز كرهه الشديد للرأي الآخر, للشيوعية واليسار عموماً, وحقده على من يحملها وتبريره لإسقاط الجنسية العراقية عن مجموعة من المواطنين العراقيين, ومنهم الأستاذ الفاضل والراحل عزيز شريف, أي أنه كان يشير بشكل غير مباشر إلى غياب الديمقراطية في سلوك سعيد قزاز والحكم الذي كان يدافع عنه وعن الانتخابات التي كانت تجري في فترة استيزاره لوزارة الداخلية العراقية.
• كما أجد صواب ما توصل إليه الباحث بشأن سوء معاملة محكمة الشعب لسعيد قزاز, بغض النظر عن الموقف السياسي منه وسلوكه المشين ضد الديمقراطية حين كان وزيراً, إذ كان المفروض أن يتمتع بحقوقه كاملة كإنسان متهم بقضايا كبيرة له الحق الكامل في معاملة إنسانية والابتعاد عن الإساءة له من جانب المحكمة أو الحضور أولاً, وأن حكم الإعدام الذي صدر بحقه لم يكن حكماً عادلاً, ولكن هذا لا يعني بتبرئة ساحته من السياسات التي مورست في العراق حينذاك.

المقال الثالث
كيف يُقرأ كتاب “لمحات عن سعيد قزاز” للأستاذ زهير كاظم عبود؟
أبتداءً أود أن أشير إلى أنه تربطني بالصديق الأستاذ زهير كاظم عبود علاقات يسودها الود والتقدير والاحترام المتبادل. فقد سعينا معاً ومع أخوات وأخوة آخرين, وبمبادرة منه, إلى تشكيل “التجمع العربي لنصرة القضية الكردية” على صعيد المنطقة, وليس على صعيد العراق فقط متطوعين بكل ما تؤكده هذه الكلمة من معنى. كما شكلنا معاً ومع أخوات وأخوة آخرين, وبمبادرة مني, هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب المختلفة في العراق. وكلا المنظمتين تؤديان خدمات طيبة في مجال نشاطهما. وخلال السنوات المنصرمة زرت عدة مرات السويد ومدينة مالمو حيث استضافتنا عائلة الصديق على غداء فاخر لا ينسى صنعته يد ماهرة ونفس طيبة هي زوجته الفاضلة السيدة أم علي, التي كانت في أوائل السبعينات من القرن الماضي إحدى طالباتي النجيبات. وفي المحاضرة الأخيرة التي قدمتها في مالمو قدمني الأستاذ عبود وأدار الندوة, وكانت المحاضرة بعنوان “المستجدات في الوضع السياسي في العراق وآفاق تحقيق مشروع المصالحة الوطنية”. كما أن الأستاذ عبود أهداني الكتاب الذي بحث فيه “لمحات عن سعيد قزاز”, إضافة إلى كتبه الإخرى. إن الود والصداقة التي تربطني بالصديق الفاضل الأستاذ عبود من جهة, والعمل المشترك في منظمات المجتمع المدني الديمقراطية من جهة ثانية, ومهمتي ككاتب وصحفي أمام القارئات والقراء الكرام من جهة ثالثة, جعلتني أقرر كتابة هذا المقال عن الكتاب المذكور برؤية مدققة ومتأنية تماماً, كما تعاملت مع كتاب السيد عبد الرحمن إدريس البياتي في المقال الثاني, أو مع مقدمة الأستاذ الدكتور كمال أحمد مظهر في المقال الأول.
في العام 2004 صدر عن وزارة الثقافة في إدارة السليمانية كتاب بعنوان “لمحات عن سعيد قزاز” للقاضي السابق والكاتب الأستاذ زهير كاظم عبود. وهذا يعني أن الكتاب قد صدر بعد مرور ثلاث سنوات على صدور كتاب الأستاذ البياتي (2001) الذي ناقشناه في المقال الثاني وليس في العام 2003 كما ورد في مقدمة كتاب الأستاذ عبود على الصفحة 12.
تضمن الكتاب مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. يبدأ الفصل الأول بشهادة عن أحد أشهر الأطباء العراقيين ثم البحث في “الرجل النبيل”. أما الفصل الثاني فيبحث في صعود سعيد قزاز بجدارة في الوظائف إلى أن تقلد منصب وزير الشؤون الاجتماعية, ثم وزارة الداخلية من العام 1953 حتى سقوط النظام في العام 1958. وكان استوزر في وزارة فاضل الجمالي التي مارست سياسة الانفتاح على القوى السياسية العراقية عموماً والتي سعت إلى منج بعض الحريات الديمقراطية, ثم تقلد في وزارتي نوري السعيد 12 و13 منصب وزير الداخلية وكذلك في وزارة أحمد مختار بابان, وهي آخر وزارة شكلت في العهد الملكي. أما الفصل الثالث فقد بحث القاضي السابق موقف سعيد قزاز أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة, وأجرى مناقشة قانونية مع الحكم, ثم سجل تقويمه للحكم المجافي للعدالة بشأن المحاكمة والحكم الذي صدر بحق الوزير المتهم. أما الفصل الأخير من الكتاب فقد خصص للبحث في أيام سعيد قزاز في السجن ثم تنفيذ حكم الإعدام والكلمة الأخيرة والخاتمة. كما تضمن الكتاب وجهات نظر بعض الشخصيات العراقية حول الموقف من الحكم الذي صدر ونفذ بسعيد قزاز.
وقبل البدء بمناقشة مضمون الكتاب أود أن أبدي بعض الملاحظات على المنهج الذي تعامل به الكاتب مع شخصية ومفردات الكتاب, والتي يمكن تلخيصها بما يلي:
1. يفتقد البحث إلى المنهجية في التعامل مع المادة التي في حوزته وفي ترتيب الفصول, ومنها على سبيل المثال: كان المفروض أن يبدأ الباحث باستعراض حياة الرجل وثقافته ويتدرج معه إلى حين وصوله إلى مختلف المناصب, لا أن يبدأ بمدحه وإبراز جوانبه “الناصعة” ومن ثم شهادة طبيب كان صديقاً له, إذ كان في مقدور الباحث أن يورد ذلك في نهاية الكتاب مثلاً, كما فعل السيد عبد الرحمن البياتي في شهادة محمد سعيد الخفاف. وينطبق هذا الأمر على فصل المحاكمة. فالكاتب يطلعنا بحدود 30 صفحة على الحوار بين رئيس المحكمة والمتهم ودفاع المتهم منقولاً من محاضر جلسات المحكمة العسكرية العليا الخاصة, ولكن لم ينقل لنا شهادة بعض أبرز الشهود وأكثرهم صدقاً وبعيدين عن الشك في مصداقيتهم من أمثال الأستاذ عزيز شريف أو الشهيد الأستاذ توفيق منير أو الشهيد الأستاذ كامل قزانجي, لكي يتبين القارئ مدى صحة دفاع المتهم عن نفسه, أو شهود الطعن بقضايا البصرة أو سجن الكوت …الخ. وهو خلل صارخ في الكتاب لا يساعدنا على المقارنة والخروج بحكم ذاتي بغض النظر عن مدى قناعتنا بحكم السيد عبود. كما ينطبق على مواقف سعيد قزاز من المسألة الكردية طيلة حياته ومنذ كان يعمل في القلم السري للمفتش الإداري في السليمانية دبليو. أي. لاينو ومن ثم الكاتب السري للمفتش الإداري في لواء الدليم (محافظة الأنبار, ثم موظفاً في المخابرات السرية لوزارة الداخلية التي كان يشرف عليها البريطانيون في ظل الانتداب …الخ. (راجع: البياتي, سعيد قزاز ودوره في السياسية العراقية, ص 52), إذ تجنب الباحث التحري عن مواقف سعيد قزاز إزاء القضية الكردية, وجل ما حدثنا به أن موقف سعيد قزاز إزاء الكفاح المسلح كان سليماً, إذ لم يعد استخدام السلاح في النضال الوطني في المرحلة الراهنة, وهو موقف لا ينسجم والدراسة التاريخية للأحداث والعوامل الكامنة وراء ذلك. ولم يكن جواب سعيد قزاز بإهداء القلم إلى السيد مسعود البارزاني عن سؤاله حول أسباب اعتقال البارزانيين, يعادل العذابات التي تعرض لها البارزانيون من جراء سياسات النظام وممارسات سعيد قزاز الفعلية إزاء نضال الشعب الكردي, بغض النظر عن مدى فرحة الصبي بالقلم, إذ ان الصبي مسعود كان يتوقع جواباً عن سؤاله أساساً, ولم يحصل عليه.
2. وأن الاسم الأكثر ملائمة للكتاب هو “سعيد قزاز أمام المحكمة الخاصة” إذ أن جل الكتاب يبحث في موضوع المحاكمة والحكم الذي صدر ونفذ بحق السيد سعيد قزاز حيث احتل 51 صفحة من مجموع صفحاته البالغة 161 صفحة.
3. من الجرأة بمكان أن يتصدى باحث عراقي لدراسة حياة سعيد قزاز الذي عرفه العراق لسنوات طويلة ولكن بشكل خاص حين كان وزيراً للداخلية في الفترة بين 1953-1958 حتى أطلق عليه بستولوبين العراق (ستولوبين وزير داخلية روسيا القيصرية الذي نفذ مجزرة الأحد الدامي في ثورة 1905 الشهيرة).
4. لم أفهم سبب النصح الذي قدم له بعدم الكتابة عن حياة سعيد قزاز ابتداءً, ولكن بعد أن انتهيت منه وللمرة الثالثة أدركت السبب, وخاصة إن كان من قدم له النصح قد قرأ الكتاب فعلاً وكان صديقاً صادقاً له. ولهذا أتمنى على الصديق عبود, إذا ما أراد إعادة طبع الكتاب أن يعيد النظر بجملة من الأمور المهمة, لكي يستطيع أن ينفذ مضمون الحكم القاطع الذي تحدث عنه في مقدمة الكتاب.
5. استناده إلى جملة من المصادر التي لا تبحث في حياة ونشاط سعيد قزاز, ولكنها تتطرق له, وهي في الغالب الأعم تتحدث عن الجوانب الإيجابية لسعيد قزاز.
6. الشخصيات التي تحدث معها هي في الغالب الأعم من أصدقاء سعيد قزاز ومن له فضل عليه, بمن فيهم الكاتب الراحل مير بصري الشخصية المحافظة جداً والمخلص الكبير للنظام الملكي ولشخصيات ذلك العهد والتي تبرز في أغلب كتبه, بما في ذلك كتابه عن الشخصيات السياسية, رغم ما لحق باليهود, وهو منهم, من أذى في العهد الملكي.
7. الاستناد إلى محاضر مجلس النواب ومحكمة الشعب, وهما مصدران مهمان طبعاً.
8. لم استطع تبين أي حيادية حقيقية في الكتاب إزاء شخص سعيد قزاز بعكس ما وجدته في كتاب السيد عبد الرحمن البياتي, بل أن الكتاب من أوله إلى آخره محاولة جادة لتبييض صفحة سعيد قزاز بغض النظر عن كل الأدلة والبراهين والشهود والوثائق التي تؤكد طبيعة السياسات القمعية التي مارسها سعيد قزاز إزاء قوى المعارضة العراقية. ومن الغريب أن يورد حادثاً سماه طريفاً, بدلاً من أن يعتبره من أعمال الشقاوة وليس من أعمال الشجاعة حين اعتدى وزير الداخلية في الشارع على عدنان جالميران في مظاهرة الموصل. أي استخفاف بالفكر الحر وبعقولنا حين يتحدث الزميل عبود عن وثوق سعيد قزاز “من قوة شخصيته وشجاعته وانعكاس ذلك على الناس, ولذا قرر مواجهة المتظاهرين دون حماية ودون سلاح وهي حالة نفتقدها في هذا الزمان”, في حين أن السيد عبود يدرك من يقف وراء سعيد قزاز من أجهزة أمنية. ويفترض أن نحيي العهد الذي يختفي فيه مثل هذه الشخصيات لا أن نحزن لعدم وجود أمثالهم.
سأحاول الآن تتبع الكتاب بسبب أهمية الموضوع الذي يثيره الصديق الكاتب,
بادر السيد زهير كاظم عبود في المقدمة إلى تسجيل القول التالي: “ربما كتبنا المعلومات الشخصية عنه بعين واحدة إذا جاز التعبير”. ثم يقول في مكان آخر جملة مهمة هذا نصها:
“إن السكوت عن ذكر المحاسن وإطرائها لا يقل خطورة وجرماً من السكوت عن ذكر المثالب والتنديد بها, من خلال هذا الأساس نؤسس بحثنا عن سعيد قزاز”. (ص 6 من المقدمة). الحكم الذي جاء في هذا النص الثاني خطير للغاية, ما كان من الصائب صياغة الموقف بهذا الحكم المطلق, إذ كان الأفضل لو كان قد صاغ الموقف على النحو التالي: “أن الإمعان في المدح لا يقل خطأ عن الإمعان في الذم, إذ أن في سلوك كل إنسان ما هو إيجابي وما هو سلبي, ما هو صحيح وما هو خاطئ”. والصياغة المقترحة تسمح لي ولغيري بمناقشة الكتاب دون أن نتهمه بواحدة من الاثنين أو أن نسيء له, وهو صديق كريم. إذ أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل التزم الكاتب زهير كاظم عبود بما جاء في هذا النص الشديد والقطاع في حكمه, وبالتالي هل تخلص من أحد الموقفين اللذين حددهما بنفسه؟ سنجد الإجابة عن السؤال بعد التمعن في مضامين الكتاب.خاصة وأنه يقول في مكان أخر ما يلي: “الحقيقة دوماً مقدسة وقد اعتبرت على الدوام العمود الفقري للتاريخ, ومن خلال هذه الحقيقة بحثت كثيراً عن شيء يخص سعيد قزاز بعد أن دوخ الدنيا وشغل الناس في العراق مدة تزيد على أكثر من الربع قرن,فلم أجد من يسعفني بكتابة يساعدني على تلمس الطريق إلى كتاب أو دراسة عن سعيد قزاز…”. (ص 11 المقدمة). المسألة الأولى يا سيدي الفاضل أن الحقيقة نسبية ومتغيرة من جيل إلى جيل, كمت يبدو هذا واضحاً من الكتاب نفسه. والمسألة الثانية أن الكاتب لم يتحرى كما ينبغي عن الحقيقة, إذ أنه أورد نصف الحقيقة التي اعتبرها حلوة وناصعة وسكت عن الصف الثاني, وهو ما يبدو واضحاً من الرجل النبيل وشهادة طبيب والمقدمة ذاتها والنصوص التي اعتمدها من الأستاذ مظهر في مقدمته لكتاب السيد البياتي. والثالثة كما يبدو لي أن ذاكرة الإنسان قصيرة جداً بحيث تنسى ما مر بها, خاصة إذا اصطدمت بفترة أمر من الفترة التي سبقتها, وبالتالي يتحسر الإنسان على تلك الفترة في حين أنها كانت ظالمة أيضاً والاختلاف يبرز في مستوى القمع والسوء.
يقول الأستاذ زهير كاظم عبود على الصفحة 4 من المقدمة إنه كان ما يزال طفلاً صغيراً في الفترة التي استوزر فيها سعيد قزاز, وحين تم إعدامه كان في الصف الأول المتوسط, وأنه لفت انتباهه أن الرجل كان شجاعاً, ولكن من المؤسف أن السيد عبود لم ينتبه إلى ضحيا سعيد قزاز الذين قدموا شهادات واقعية وحقيقية عن المتهم, وكان المفروض أن يتتبع بعد ذلك كل مواقف سعيد قزاز من مختلف القضايا وليس من المحاكمة وحده, خاصة وأن اسم الكتاب “لمحات عن سعيد قزاز”. لم أكن موجوداً في العراق حين حوكم سعيد قزاز, إذ كنت قد غادرت للدراسة بعد انقطاع لعدة سنوات بسبب سياسات النظام القمعية, ولكني كنت أحد شهود هدهً الفترة, إذ كنت في هذه الفترة رهينة سياسية لدى وزارة الداخلية والحكم الملكي منذ العام 1955 حتى العام 1958, أي كنت أحد مئات المعتقلين والمجندين قسراً في معسكر الشعيبة للطلاب أولاً, وأحد مئات السجناء والمبعدين السياسيين ثانياً, استناداً إلى السياسات والإجراءات التي مارسها كل من عبد الإله ونوري السعيد وسعيد قزاز, وخاصة مراسيم تلك الفترة الاستثنائية من تاريخ العراق الملكي والتي صدرت في آب وأيلول وما بعدها من العام 1954.
ركز الباحث في كتابه على أن حكم الموت الصادر بحق سعيد قزاز كان حكماً خاطئاً. ولا أشك في صواب هذا الاستنتاج. ولكن كان على السيد القاضي أن يشير لنا يجيب عن بعض الأسئلة مهمة, وهي:
1. ألم يكن مفيداً أن يتضمن كتابه بعض إفادات شهود الأثبات وعدم الاقتصار على الحديث المتبادل بين سعيد قزاز ورئيس المحكمة, خاصة وأنه يعرف إن من بين الشهود من يمكن الثقة بأقواله وليس من الكذابين؟
2. وهل حقاً أن جميع الشهود كانوا من الشيوعيين الكذابين؟
3. وهل كان سعيد قزاز هو الصادق الوحيد في المحكمة الذي يستحق التعاطف وامتلك الجرأة في الدفاع عن نفسه, ولم تشعر بأي تعاطف عقلي مع ضحايا النظام, ضحايا نوري السعيد وسعيد قزاز؟
4. ألم يجسد سعيد قزاز سياسة النظام القمعية وممارساته ضد قوى المعارضة العراقية, باعتباره ممثلاً أساسياً من ممثلي النظام الملكي القمعي ومسؤولاً عن أجهزة القمع العراقية حينذاك, ويدها الطولى في إذلال المعارضة ولا أقول الشعب كله.
5. هل كان المتهم مذنباً ويتحمل مسؤولية ما اتركبه من مخالفات فعلية؟ أم كان بريئاً من أي تهمة في ارتكاب المخالفات؟.
6. وبالتالي, ما هي العقوبة التي كان يقترحها السيد القاضي على حكام محكمة الشعب؟ هل كان يقترح البراءة أم الحكم بعدد من السنين بدلاً من الإعدام؟ أي حكم كان مناسباً للسياسات والإجراءات التي مارسها سعيد قزاز أثناء مشاركته في حكم العراق؟ وهل كانت سياساته وإجراءاته تتناغم مع الدستور العراقي ومع الوثيقة الدولية التي وقعها العراقي في العام 1949, اللائحة الدولية لحقوق الإنسان, وأنت من مناصري حقوق الإنسان؟ وهل المعارضة العراقية هي التي تجاوزت على حقوق الإنسان وحقوق النظام وحقوق سعيد قزاز في العهد الملكي؟ هل كان سعيد قزاز سوياً في تعامله مع الفكر الآخر بغض النظر عن رأيه الشخص بهذا الفكر أو ذاك, وخاصة وهو وزير داخلية مسؤول عن التعامل مع المواطنين بصورة سوية ومتساوية؟
ليس عدلاً بحق الشعب وبحق محكمة الشعب, رغم قناعتي بخطأ تشكيلها كمحكمة عسكرية عليا للنظر بقضايا رجال العهد الملكي, ورغم قناعتي التي سجلتها بأكثر من مقال عن أساليبها غير الديمقراطية التي مارستها إزاء المتهمين, ولكن ألا يرى الزميل أنه تجاوز المعقول في دفاعه عن واحد من أبرز ممثلي ودعاة ممارسة القمع ضد معارض النظام وكان يحتضن ويرعى أجهزة القمع حسب قول الأستاذ عبود نفسه, ولكنه لا يدينه ولا مرة واحدة في كل فصول الكتاب.
لا أدري لم اعتمد السيد عبود على رجل بعثي معاد للشيوعية ومن المتهمين بأحداث الموصل مثل السيد حازم العلي في البرهنة على أن الشيوعيين هم الذين كانوا وراء شنقه مرتين, علماً بأنه أول من أورد هذا الأمر عن لسان شخص معادٍ للشيوعية, وأن الشيوعيين هم الذين كانوا وراء كل ما أصابه من أذى في السجن, في حين أنه يدرك تماماً عدد الأعداء الذين كانوا يكرهون سعيد قزاز وليس الشيوعيين وحدهم, رغم قناعتي بأن الشيوعيين ارتكبوا جملة من الأخطاء خلال هذه الفترة بالذات وفي المحكمة أيضاً, كما ارتكب غيرهم أخطاء أيضاً..
أشعر بأن من حق السيدة الفاضلة ابنة الوزير الراحل سعيد قزاز أن تسعى إلى تبرئة والدها من كل ما حصل في العراق وإبراز وجهه ناصعاً, رغم أن البنت لا تؤخذ بجريرة الوالد, ولكن مهمة الكاتب والمؤرخ والناقد أن يتحرى عن الحقيقة, رغم نسبيتها, ولكن صديقي الفاضل لم يلتزم بما تعهد به في بداية الكتاب, بل نظر إلى سعيد قزاز بعين واحدة فقط وكانت الأخرى مغلقة كلية.
ارجو أن لا أتهم بأني من المتزمتين في الهجوم على أقطاب النظام, كما ورد في المقدمة استناداً إلى النص الذي اقتطفه من الأستاذ الفاضل كمال أحمد مظهر, أدرك تماماً ما يلي:
1. علينا أن نعيد النظر ببعض أحكامنا السابقة إزاء الأحداث أم الشخصيات, ولكن وفق منهج علمي وموضوعي محايد وغير متحيز.
2. وأن الرجل سعيد قزاز امتلك القدرة الإدارية والمعرفة والخبرة في تسنمه المراكز المختلفة. ولكنه لم يتقدم لهذه الأسباب فقط, بل كانت هناك أسباب أخرى, إذ لم يكن في العراق شخص واحد يمتلك ما يمتلكه سعيد قزاز.
3. وأقدر في الوقت نفسه شجاعته واستعداده لتحمل مسؤولية ما مارسه من سياسات واتخاذ إجراءات قمعية دفاعاً عن النظام الملكي وسياساته التي لم تكن كلها في مصلحة الشعب.
4. وأدرك أن الرجل كان مذنباً في جملة من الأمور, ولكن كان من العدل إلغاء حكم الإعدام وتخفيفه إلى السجن. ونحن نعرف إن من أعدم هو أربعة من أقطاب النظم السابق وكلهم كان مسؤولاً عن وزارة الداخلية والتحقيقات الجنائية ومجازر السجن ومحافظ بغداد.

• نشرت هذه المقالات الثلاثة في مجلة رؤية التي تصدر عن مؤسسة حمدي للطباعة والنشر في السليمانية على التوالي في أشهر ايلول, تشرين الأول وتشرين الثاني 2006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *