الرئيسية » التاريخ » التجربة التاريخية في تطور فكرة الدولة -لماذا اخفق الكرد في تأسيس دولة؟

التجربة التاريخية في تطور فكرة الدولة -لماذا اخفق الكرد في تأسيس دولة؟




ان ظهور الدول التي تتخذ اشكالاً و مظاهر مختلفة برهان حي على ان الظروف التاريخية و عوامل اخرى لها علاقة بالجغرافيا و المناخ و الاقتصاد القومي و السايكولوجيا العامة تلعب دوراً فعالاً في ظهور الدول و اضمحلالها. و يمكن للتجربة التاريخية، و هي تجربة غنية بالارث الثقافي، ان تساهم في بناء هيكليات قوية للدولة. هنا، نستطيع من خلال مقارنة نموذجي ايران و العراق ان نعي مفهوم التجربة التاريخية و تأثيرها في تنامي او انحطاط فكرة الدولة. ان الارث التاريخي في ايران مرتبط بشكل جذري بفكرة الدولة، فيما لا نجد هذه الخلة في العراق. تاريخياً، سبق سكان السهل الرسوبي لبلاد ما بين النهرين الجنوبية الايرانيين القدماء في الحضارة و العلم لكن الجغرافيا و التجربة التاريخية رسخت فكرة الدولة في ايران اكثر مما رسختها في ما بين النهرين الجنوبية. في حين ان البيئة الجبلية في ايران افرزت قبائل محاربة شديدة البأس و وفرت حواجز طبيعية لحماية البلاد من هجمات الغزاة، فان السهل الرسوبي في جنوب ما بين النهرين و عدم وجود حواجز طبيعية معرقلة جعلا البلاد مفتوحة امام الغزاة، هكذا، فان فكرة “الوطن” عند الايرانيين عرفت نضوجاً اسرع مما عرفه سكان جنوب ما بين النهرين، في حين انه منذ قيام امبراطورية كوروش المترامية الاطراف في القرن السادس قبل الميلاد، واصل الايرانيون بناء هيكلياتهم السياسية العتيدة طوال الفي عام تقريباً، باستثناء فترات من خضوعهم لحكم السلوقيين و العرب، فان جنوب ما بين النهرين ظل طوال قرون عديدة منطقة استقطاب للقبائل و تسبب ذلك في تأخر ظهور فكرة “الوطن” فيها. و في حين ترسخت الهيكليات السياسية في ايران، فانها لم تدم طويلاً في جنوب ما بين النهرين بسبب زحف القبائل المستمر من الصحراء و الهضبة السورية.

و لا تشهد الفترة الواقعة بين سقوط بابل على يد الاخمينيين في عام 539 ق.م و سقوط الساسانيين على يد العرب في القرن السابع الميلادي أي نزوع جدي في ما بين النهرين الجنوبية الى تأكيد الهوية الوطنية. و طوال هذه الفترة التي استغرقت حوالي الف و 200 عام فان اقصى ما بلغته قدرة سكان السهل الرسوبي على بناء هيكليات سياسية لم يتعد تشكيل امارة صغيرة محدودة السلطات في الحيرة في القرنين السادس و السابع الميلاديين. ان الاحساس بالحاجة الى هياكل سياسية محلية لم يظهر طوال الفترة التي اعقبت سقوط الساسانيين حتى سقوط الامويين و هي فترة تزيد على القرن، رغم تحول العراق الى بؤرة المعارضة ضد الحكم الاموي. و ساعد قيام الدولة العباسية على توفير فرصة اكبر للعراقيين للاسهام في ادارتها بيد انهم واجهوا في ذلك منافسين اقوياء من الفرس و الاتراك. و بسيطرة البويهيين على السلطة في بغداد عام 946 فقد العراقيون كل فرصة للاسهام في ادارة البلاد و ظلوا بسبب ذلك مهمشين و بعيدين عن الادارة طوال الف عام تقريباً.

ان كل هذا يظهر ان فكرة الدولة بقيت بعيدة عن اذهان العراقيين طوال الف عام على اقل تقدير. و في القرن العشرين ادى ذلك الى تغلب العامل الخارجي على العامل الداخلي في تأسيس الدولة في العراق. و يلاحظ انه في حين تنامت الحركة القومية في كل من سوريا و مصر منذ القرن التاسع عشر، نرى ان الحركة القومية لم تظهر الا متأخرة، بعد خروج العثمانيين من العراق في عام 1918. في مثال العراق ساهم العاملان الديني و القومي في تحديد المواقف السياسية. ففي حين انحاز العرب الشيعة الى الدين اكثر من انحيازهم للقومية، انحياز العرب السنة الى القومية اكثر من انحيازهم الى الدين. و بهذا المعيار اكتشف العرب السنة في موقفهم المختلف ما يشير الى امكانية التعاون مع بريطانيا لتأسيس دولة في العراق، بينما وجد العرب الشيعة ان عقيدتهم الدينية لا تسمح لهم بالتعاون مع بريطانيا بالقدر الذي ابداه العرب السنة. و بسبب حرص بريطانيا على الحاق كردستان بالعراق، فان امكانية قيام دولة قومية في العراق صارت محالاً.

ان ضعف التجربة التاريخية في العراق اضعف امكانية ظهور فكرة الدولة. و رغم ان ظروف ما بعد الحرب العالمية الاولى عززت تأثير العامل الخارجي في ظروف غياب فكرة الدولة، فان ذلك ادى ايضاً الى اضعاف مبدأ الشرعية في الدولة المقامة.

ان قوة العامل الخارجي في تشكل الدول عوضت الى حد كبير، و في بعض الامثلة بشكل اساسي، غياب او هشاشة الاحساس بضرورة وجود هيكليات ادارية مركزية. و حيثما لا نجد كيانات تاريخية فان فكرة الدولة أي الاحساس بضرورة وجود بنى ادارية مركزية راقية و سلطات عامة، لا وجود لها البتة. ان ذلك ينطبق على الاردن مثلما ينطبق على ليبيا و الكويت، و قطعاً لا يمكن استثناء العراق، رغم تميز العراق بعراقة تاريخه و رغم وجوده ككيان تاريخي الى حد كبير.

ان سيرورة التاريخ في الاردن لا تشير الى قيام أي كيان تاريخي. وقد ظلت الاردن على الدوام ارضاً بلا تاريخ و بقيت ككيان جغرافي و جزء من وحدات اكبر و ارتبطت بشكل خاص بالصحراء و فلسطين و سوريا. و في بداية القرن العشرين عندما فكرت بريطانيا في منح الاردن لاحد انجال شريف مكة، لم تكن تعني اكثر من ارض تقع الى الشرق من نهر الاردن يقطنها فلاحون فلسطينيون و بدويون. و هي بهذا المعنى مجرد جزء مقتطع من فلسطين التاريخية. و بسبب كل هذا، فان الاردن التي تجسد بدقة قوة العامل الخارجي في تشكل الكيانات السياسية المصطنعة، يشير الى كونه تعبيراً ميكانيكياً عن رغبات القوى الدولية اكثر من كونه تعبيراً عن حاجة داخلية بضرورة وجود سلطة عامة.

و لا تختلف ليبيا عن الاردن في هذا المضمار الا بالشكل، اذ وجودها ككيان تاريخي ليس له اساس. و هي لم تعرف في ماضيها أي نزوع الى تشكيل هوية خاصة بها. ان ظروفها تشبه ظروف العراق الى حد كبير، خاصة من ناحية ان قوامها الاجتماعي يقوم على الارتباط بالخارج اكثر من ارتباطه بالداخل. و مثلما عرقلت هذه الخاصية ظهور نظرية وجود “امة” عراقية فانها عرقلت كذلك ظهور “امة” ليبية. و كما في العراق، كذلك في ليبيا، فان الاقاليم المكونة للدولة ذات الامتدادت العرقية – اللغوية الى الخارج. و بناء عليه، فانه طوال الحقبة العثمانية ارتبط الاقليم الشيعي من العراق بعلاقات ودية افضل مع ايران اكثر من ارتباطه بعلاقات مع بغداد و الموصل. اما الموصل فقد ارتبطت باقليم الجزيرة و سوريا اكثر من ارتباطها ببغداد. و ارتبط الكرد بعلاقات قلقة مع بغداد و لم تكن سائداً بينهم اية فكرة عن كون ارضهم امتداداً لارض العراق. و هكذا ظلت بغداد وحدها نقطة الاستقطاب. و بطبيعة الحال، فان مثل هذا الوضع لم يساهم في بروز مفهوم موحد للوطن القومي. ان ذلك يرى في ليبيا كذلك. اذ ان اقاليمها الثلاثة ظلت طوال مئات السنين تقيم علاقات مع الخارج اكثر من علاقاتها مع بعضها البعض. و يفسر ذلك ان اقليم سيرنيكا الذي يتحدث سكانه بلهجة تشبه اللهجة المصرية ارتبط بمصر بوشائج اقوى. و ساد اقليم طرابلس في الغرب احساس بالانتماء الى شمال افريقيا اكثر من انتمائه الى ليبيا. و ارتبط اقليم فزان بالصحراء بشكل جعله في غنى عن الارتباط بكل من سيرنيكا و طرابلس(1).

و برزت صعوبة توحيد الاقاليم المتنافرة خلال سنوات الكفاح ضد ايطاليا. و حتى بعد خروج ايطاليا من ليبيا، لم يلتزم الليبيون بالعمل في سبيل تشكيل دولة موحدة. وحده كان اختلاف القوى الدولية الكبرى على مصير ليبيا، الدافع وراء قيام دولة واحدة في ليبيا.

و تلتقي الكويت مع الاردن و ليبيا في عدم قيام كيان تاريخي فيها. لكنها تختلف عنهما و عن نماذج اخرى كثيرة في انها ظلت طوال دهور ارضاً بلا سكان او على اقل تقدير مجرد وطن مؤقت للقبائل الرحل. و يعني هذا ان تأريخها السياسي لم يبدأ الا مؤخراً. و رغم ان الكويت ككيان سياسي مدينة الى جهود ال صباح، فان استمرارها لم يكن ممكناً دون حماية دولة عظمى مثل بريطانيا. و بسبب صغر المساحة، فان الكويت على النقيض من ليبيا مثلاً، لم تنقسم الى اقاليم متعددة و ظل الاحساس بالمواطنة فيها باهتاً الى ابعد الحدود. ان عوامل عدة ساهمت في عدم بروز فكرة الدولة في الكويت الا عند الصفوة الحاكمة من ال صباح، اما على المستويات الاجتماعية الدنيا فلم يكن ثمة وعي بضرورة وجود كيان سياسي خاص. ان عوامل مثل الفقر، التخلف الاجتماعي، انخفاض المستوى العلمي و الجغرافيا، عززت الميل العام الى الغاء الكيان السياسي للكويت و الاتحاد مع العراق قبل اكتشاف النفط. لكن فكرة الدولة تعززت فيما بعد، بعد اكتشاف النفط، اذ ان النفط ساهم في احداث تغيير جوهري في مجتمع الكويت بحيث تحول من مجتمع بدائي قائم اساساً على صيد اللؤلؤ الى مجتمع حديث(2).

ان الدعاية التي قامت بين القوميين في الثلاثينيات للاتحاد مع العراق، فقدت بريقها بالتدريج بعد اكتشاف النفط و ما لبث ان اختفت(3).

ان تاريخ الكويت يشبه تاريخ ارتيريا من حيث عدم وجود كيان تاريخي فيهما. و كما الكويت، فكذلك ارتيريا، ظلت بلا تاريخ حتى وقت متأخر. و ادى ذلك الى سهولة ضمها الى جيرانها. بيد ان الضم ادى الى نتائج عكسية بسبب سياسة الاثيوبيين غير المرنة، اذ انه ادى الى استفزاز مشاعر سكانها القومية. و نتج عن كل هذا، لاحقاً، انفصال ارتيريا بعد ثورة طويلة الامد عن اثيوبيا. بيد ان ما تجب الاشارة اليه هنا هو ان عوامل من قبيل عدم قيام كيان تاريخي في ارتيريا و تأخر ظهور فكرة الدولة فيها الى القرن العشرين و تنوع نسيجها العرقي – الديني، ربما تعرض بنياتها الحديثة الى البلبلة في المستقبل.

ان الانعزال يوفر، في ظروف معينة، امكانية قيام بنيات سياسة خاصة. و يمكن اخذ اليمن و بلدان اخرى على سبيل المثال. ففي اليمن ادى الانعزال الناتج عن موقع اليمن الجغرافي بين الصحراء و البحر الى خلق بنيات لا تتلاءم مع أي تغيير. و رغم ان الانعزال ادى الى اثار سلبية لانه تسبب في تخلف اليمن، الا انه ساعدها على الحفاظ على نظامها الاجتماعي – السياسي لاحقاب طويلة من الزمن و قيام كيان تاريخي فيها. و رغم ان منغوليا كانت اشد انعزالاً من اليمن، فاننا نلاحظ ان العلاقة بين الارض و السكان من منغوليا قد ظلت علاقة باهتة طوال قرون. و يمكن ارجاع ذلك الى عدة اسباب منها نوعية القبائل التي كانت قبائل مترحلة بدوية يقوم اقتصادها بشكل رئيس على الصيد و تربية المواشي. هكذا، و بسبب طغيان الاقتصاد الطبيعي و عدم ظهور الاقطاع فيها، لم تكن لتلك القبائل المترحلة مواطن دائمة(4). اما في كردستان فان الانعزال و صعوبة الاتصالات و ظروف المناخ القاسية ادى الى ظهور وحدات اقتصادية منعزلة. و في ظروف اوفر حظاً شهدت كردستان قيام امارات على يد الارستقراطية الاقطاعية.

ان كردستان تختلف في هذه المسألة عن كثير من البلدان الاخرى. جلي انه في كردستان، على النقيض من الاردن و الكويت، قام كيان تاريخي. ان فكرة الدولة في كردستان فكرة عريقة الى ابعد حدود. لكن ميزة هذه الصفة هي انها ليست فكرة امتدادية، بل مقاطعاتية. ان الوحدات الاقتصادية المنعزلة عن بعض كونت اقاليم منعزلة عن بعض و ادى ذلك الى ظهور فكرة الدولة بشكل مقاطعات مستقلة. ان ذلك يتبين بوضوح من خلال الامارات التي قامت في اقاليم معينة. و قد جسدت تلك الامارات بشكل بدائي فكرة الدولة. ان فكرة الدولة الموحدة لم تظهر الا بعد تنامي الحركة القومية. و يمكن ملاحظة ان فكرة الدولة حتى في الاجزاء التي توزعت لاحقاً على ايران و تركيا و العراق ظلت فكرة اقليمية. و هذه الاقليمية عرقلت اتفاق الكرد على الخضوع لسلطة محلية واحدة. و ليس ادل من ذلك على انه في الفترة الواقعة بين 1918 و 1926 لم يكن كرد العراق مجتمعين على قيام كيان سياسي لهم في كل المناطق التي تتشكل منها كردستان العراقية. و يمكن رؤية ذلك بجلاء من خلال موقف الكرد من حكومة الشيخ محمود في السليمانية. ففي حين كانت السليمانية تتمتع بكيان سياسي خاص في عام 1922، طالب سيد طه شمزيني و هو رجل دين ملاك اراضٍ كبيرة الانجليز بإقامة كيان سياسي اخر على غرار كيان السليمانية السياسي يضم رواندوز و عقرة و العمادية(5). ان فكرة انشاء وطن قومي في كردستان العراقية لم تظهر الا في عام 1930 عندما طلب الشيخ محمود من المندوب السامي البريطاني اقامة كيان سياسي يمتد من زاخو حتى خانقين تحت الاشراف البريطاني(6).

ان كل امارة في كردستان كانت يمكن، لو ساعدتها الظروف، ان تصبح نواة لقيام دولة واسعة. و من المهم الاشارة هنا الى ان امارة موسكو و امارة شمال غرب الاناضول العثمانية ما كان لهما ان تتوسعا لولا توفر شرط اساسي لم يتوفر لسوء الحظ في كردستان، و هو شرط توفر ظروف سياسية ملائمة لاتساع الامارة افقياً. ان موسكو و شمال غربي الاناضول و كردستان تلتقي في ميزة واحدة و هي انه توفرت من كل منهم شرط مهم جعلها مهيأة لظهور نواة فيها، و هي ميزة الجغرافيا. و لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي. ان توسع الامارة يمكن ان يؤول الى طريق مسدود، حتى لو وقفت الى جانبه ظروف الجغرافيا، اذا واجه ذلك التوسع حواجز قوية. و هو ما حدث بالفعل في كردستان. اما ما حدث في موسكو و في شمال غرب الاناضول فقد كان يختلف كثيراً عما حدث في كردستان. ففي روسيا لم يتمكن الروس من توسيع امارتهم الا بعد ان دب الضعف في صفوف التتر و المغول. و في شمال غربي الاناضول لم يتسن للعثمانيين توسيع امارتهم الا بعد انهيار الدولة السلجوقية و انحسار سلطة الدولة البيزنطية. ان ذلك يعني ان التوسع يتطلب وجود فراغ او منطقة حياة ملائمة لتمدد الدولة. و هذا الشرط هو ما لا نلحظه في كردستان لأنه لم يتسن للكرد توسيع اماراتهم بسبب رجحان كفة الدولة العثمانية و ايران عسكرياً.

و لهذا السبب ايضاً لم يحقق الكرد وحدتهم القومية. ان مقارنة اوضاع كردستان مع اوضاع ايطاليا و المانيا قبل الوحدة توضح ان العوامل التي ساهمت في تحقيق الوحدة في ايطاليا و المانيا لم تتوفر في كردستان. و مع ذلك فان ظروف كردستان المجزأة في القرن التاسع عشر تشبه ظروف ايطاليا ما قبل الوحدة الى حد كبير. ففي كلا البلدين يلاحظ عدم وجود حياة اقتصادية عامة و في كليهما كانت الحياة الاقتصادية تعتمد على زراعة متأخرة، مع ملاحظة ان التكوين الاقتصادي لكلا البلدين ضم وحدات اقتصادية زراعية متناثرة و منعزلة بسبب الجغرافيا و الانقسام السياسي. و الفرق الجوهري بينهما يكمن في ان كردستان كانت اكثر ارتباطاً بالاقتصاد الطبيعي و ان الوحدات الايطالية عززت انعزالها اكثر لا بفعل الاقتصاد الطبيعي بل بفعل التعريفات الجمركية. و يلاحظ كذلك عدم وجود صناعة في كلا البلدين، و لكن يقتضي الامر بطبيعة الحال استثناء اقليمي لومبارديا و بيمونت. كما ان السلع القابلة للتصدير اقتصرت على بعض المناطق. ففي كردستان اقتصرت الصادرات على الاغنام و المنتوجات الزراعية(7). اما في ايطاليا فقد اقتصرت على الحرير الخام في الشمال و زيت الزيتون في لوكا و جنوة و نابولي و الكبريت في جزيرة صقلية(8). يضاف الى كل هذا، ثمة عاملان اخران متشابهان في كلا البلدين احدهما هو قيام طبقة اكليروس محافظة بعرقلة تعاظم تأثير المفاهيم القومية و ثانيهما هو وجود عدو قومي في كلا المثالين، تمثل في كردستان بالدولة العثمانية و في ايطاليا بالنمسا.

و لكن الى جانب هذه العوامل المتشابهة، كانت ثمة فروق جوهرية بين البلدين. ففي ايطاليا وجدت طبقة متوسطة فعالة و حركة علمية تجسدت في 24 جامعة و حركة فكرية خصبة(9). و الاهم من كل هذا، ان الامارات الايطالية كان قد تم الاعتراف باستقلاليتها في عموم اوروبا و لم تكن جزءاً من امبراطوريات مجاورة. ان مقارنة هذه الميزات مع الاوضاع في كردستان، توضح ترهل القوام الداخلي لكردستان. فقد عانت كردستان من التفتت السياسي و لم تكن فيها حركة قومية واضحة و لا حركة فكرية، حتى مسألة و حدة الهوية لم تكن واضحة بما فيه الكفاية.

ان التحقق من ظروف المانيا يوضح ان تلك الظروف كانت اقل تعقيداً من ظروف ايطاليا و افضل بكثير من ظروف كردستان. و استتبع ذلك ان صارت الوحدة الالمانية اقل تعقيداً لأن الامارات و الاقاليم الالمانية جميعها كيان قومي موحد بشكل اتحاد جرماني، كما ان مفهوم الوحدة في المانيا ارتبط على خلاف أي بلد اخر بمفهوم محدد هو مفهوم الامبراطورية. و قد مهد للوحدة كذلك تشكيل اتحادات من قبيل الاتحاد الجمركي (تسولفراين)(10). و في حين انه في المانيا اصبحت بروسيا محور الوحدة القومية، لم تصبح اية امارة كردية محوراً للوحدة القومية في كردستان. و ثمة عامل اخر هام. ففي كردستان واجه الكرد معارضة شديدة من جانب العثمانيين و الايرانيين لاستقلالهم، اما في المانيا و روسيا و النمسا الى جانب الالمان المجزءين لتحقيق وحدتهم القومية.

هكذا يبدو جلياً ان العامل الخارجي ساهم بشكل فعال في احباط ظهور دولة كردية او تحقيق الوحدة القومية. و من الواضح ان دولاً عديدة من قبيل العراق، الكويت، ليبيا، لبنان، الاردن و قبرص مدينة في قيامها لعوامل خارجية اكثر من العوامل الداخلية. و جلي ان قيام الدولة قد يقوم على عوامل خارجية، لكن استمرار الدولة بالشكل الذي قامت عليه لا يكون مضموناً او انه على اقل تقدير لا يضمن قيام بنيات سياسة قوية تؤمن الاستقرار و التوافق الداخلي. و من دواعي ذلك ان الدول القائمة اساساً على العامل الخارجي تصبح مرهقة بالبحث عن امنها اكثر من غيرها.

ثمة حالة واحدة خاصة بهذا الصدد و هي مثال اسرائيل. ان قيام اسرائيل يرجع، بطبيعة الحال، كما هو معروف، الى عوامل خارجية، اذا انه لولا وعد بلفور الذي مهد لمنح اليهود وطناً قومياً في عام 1917، كان سيكون صعباً جداً قيام اسرائيل، و على الخصوص من ناحية انه كانت صعباً على شعب مشتت و بلا قوة و قليل العدد كاليهود العودة الى فلسطين و تشكيل دولة مستقلة، لكن حالة اسرائيل حالة استثنائية اذ انه الى جانب تأثير العامل الخارجي المادي في تشكيلها، ثمة عامل اخر، داخلي، هو العامل الايديولوجي. فمقاومة اليهود للذوبان و نجاحهم المنقطع النظير في حماية كيانهم الديني – القومي طوال الفي عام تقريباً و رغبتهم بالعودة الى فلسطين، شكلت العامل الداخلي الفعال الضروري لقيام الدولة. ان مفهوم العودة الى فلسطين مرتبط عملياً بمفهوم الدولة و بمفهوم اعادة امجاد مملكة داود و سليمان دينياً. و هذا العامل الايديولوجي حث اليهود على اقامة الدولة و بهذا المقياس فان اسرائيل قامت على اساس القومية الدينية(11).

ناهيك عن اسرائيل، تحتوي اسيا على مثال اخر للدولة الايديولوجية هي الباكستان. و يلتقي المسلمون الهنود و اليهود في ان مفهومهم للدولة قائم على الايديولوجية الدينية. و لولا عامل الدين، لما تمكن اليهود و لا المسلمون الهنود من تحقيق طموحاتهم السياسية. و يكمن الفرق بينهم في ان المسلمين الهنود اقاموا دولة لا عرقية باسم باكستان بينما نجح اليهود في اقامة دولة قومية باسم الدين. و في حين حول اليهود اسرائيل الى وطن قومي لهم، حول المسلمون الهنود الاجزاء المسلمة من الهند الى وطن ديني. و اسفر ذلك عن قيام بنية سياسية هشة في باكستان لأن البنية السياسية لم تدعمها القومية. و رغم ان الدين هو العامل الاساسي في قيام كل من اسرائيل و باكستان، الا ان اسرائيل على النقيض من باكستان عززت تلاحمها الديني بتلاحم قومي. و يعني ذلك ان عامل الدين في دولة متعددة الاعراق قد يكون فعالاً عند اقامة البنيات السياسية لكنه لا يضمن استمرارها بالشكل الذي يريده المركز. ان العامل الديني لوحده، دون ان يدعمه العامل القومي او الاقتصادي، قد يخفت و يفقد تأثيره, و يوضح ذلك مثال البنغال الذين ساهموا بشكل فعال في انشاء باكستان ثم حاولوا تغيير البنى السياسية التي ساهموا في انشائها و سرعان ما تمكنوا لاحقاً، في عام 1971، من اقامة وطن قومي لهم في بنغلاديش بدعم من الهند.

ان مقارنة الامثلة توضح ان قيام الدول عملية معقدة و ان فكرة الدولة التي تقوم الدولة على اساسها مفهوم معقد لأنه في مضمونه تجسيد لحاجات تاريخية و ثقافية و مادية متشابكة. ان رسوخ فكرة الدولة يتضمن رسوخ البنيات السياسية للدولة و يساهم في استمرار الدولة و دعم امنها الخارجي و الداخلي.



الهوامش

1-انظر بهذا الصدد: بهرام افراسيابي، ليبيا و التأريخ، منشورات زرين، طهران، 1984، ص 9-21 (باللغة الفارسية).

2-الدكتور عطا محمد صالح و الدكتور فوزي احمد تيم، النظم السياسية العربية المعاصرة، الجزء الاول، المركز العالمي لدراسات و ابحاث الكتاب الاخضر، طرابلس، 1985، ص 366.

3-الدكتور مصطفى عبدالقادر النجار، التاريخ السياسي لعلاقات العراق الدولية بالخليج العربي، مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة، البصرة 1975، ص 299.

4-ج.ج. ساندرز، تاريخ فتوحات المغول، ترجمة ابو القاسم حالت، الطبعة الثانية، مؤسسة منشورات امير كبير، طهران، 1984، ص 24 (باللغة الفارسية).

5-البرت م. منتشاشغيلي، العراق في سنوات الانتداب البريطاني، ترجمة الدكتور هاشم صالح التكريتي، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1978، ص 323.

6-المصدر السابق، ص 338.

7-انظر بهذا الصدد: فريد اسسرد، ظهور ارالرأسمالية و تشكل السوق الداخلية في كردستان، مجلة – مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد 4، السنة السابعة، 1999، ص 26-28 (باللغة الكردية).

8-الدكتور نورالدين حاطوم، تاريخ الحركات القومية، الجزء الثاني، دار الفكر الحديث، بيروت، 1969، ص111.

9-المصدر نفسه، ص113.

10-المصدر نفسه، ص 140-141.

11-Charles Schleicher, International Relations: cooperation and Confict (Pretice Hall of India, Delhi, 1963), P 56.

*مدير مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية في السليمانية بالعراق


المصدر : /www.sardam.info/Sardam%20Al%20Arabi/4/05.htm

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *