الرئيسية » شخصيات كوردية » مشاهير الكورد في التاريخ الإسلامي ( الحلقة التاسعة والعشرون ) جَحْظة البرمكي

مشاهير الكورد في التاريخ الإسلامي ( الحلقة التاسعة والعشرون ) جَحْظة البرمكي

عود على بدء
مرّ بنا في حلقة سابقة أن البرامكة أسرة من الوزراء المشاهير، ساهموا بقوة في إقامة الخلافة العباسية، وكانوا وزراء بارعين يتميّزون بقدرات إدارية مرموقة، وبثقافة رفيعة، وبخصال نبيلة أشاد بها كل من خالطهم وعاصرهم، ما عدا الحاسدين لهم الناقمين عليهم.
كما سبقت الإشارة إلى أن البرامكة ينتسبون إلى خالد بن بَرْمَك بن جاماس بن يستاشف، وأن برمك كان سادن معبد النُّوبهار (الربيع الجديد) في مدينة بَلْخ (تقع في شمالي أفغانستان)، وكلمة ( بَرْمَك ) معرّبة من (بَرْماك)، وهو لقب ديني زردشتي مرموق، يعادل (سادن الكعبة) في الجاهلية، ويماثل (إمام الحرم) في الإسلام، والكلمة في أصلها الكوردي مركّبة من كلمتين ( بَرْ ) Ber، وتعني (حارس، قيّم، سادن) و (ماك) Mak، وتعني (البيت المقدّس، البيت الأول، البيت الأصل).
ومرّ أيضاً أن ما أشيع عن البرامكة أنهم ” أسرة فارسية ” خطأ تناقله المؤرخون، والسبب في شيوع ذلك الخطأ أن كوردستان كانت تابعة للدولة الفارسية منذ سقوط الدولة الميدية على أيدي الفرس الأخمين سنة (550 ق.م)، وكان الكورد من رعايا الدولة الفارسية، وكانت الحكومات الفارسية المتتابعة (الأخمين، البرث، الساسان) تعيش هاجس الخوف من عودة الميديين- ممثَّلين في أحفادهم الكورد- إلى إعلان دولتهم ثانية، فغيّبت كل ما يتعلّق بالكورد وتاريخهم، وزحزحتهم إلى الدرك الأسفل، ولم تدع لهم شأناً يذكر، في الوقت الذي حرصت فيه أيّما حرص على توظيف القوة القتالية الكوردية في حروبها الإمبراطورية.
وكان من نتائج تلك السياسات الفارسية أن الفتوحات الإسلامية بدأت والقسم الأعظم من كوردستان تابع للدولة الساسانية، والقسم الأكبر من الكورد رعايا للملك يَزْدَجِرْد الساساني، وبلاد الكورد مقسّمة إدارياً وَفق النظام الساساني، واللغة السائدة رسمياً وأدبياً وكهنوتياً هي اللغة الفارسية؛ فكان من الطبيعي أن يدخل الكورد تاريخ الإسلام على أنهم ” فرس “، هذا عدا أن الأسر الكوردية التي كانت تشغل مناصب كهنوتية أو إدارية كانت قد اندمجت في الهوية الفارسية، وانسلخت من انتمائها الكوردي، وصارت تُعرف بأنها فارسية، وهذه سنّة قديمة، وأحسب أن ابن خلدون ذكرها في معرض حديثه عن (تبعيّة المغلوب للغالب).
وذكرنا في حلقة (البرامكة) أيضاً أن المؤرخ والقاضي ابن خَلِّكان – وهو سليل البرامكة- صحّح تلك النسبة الفارسية المزعومة حينما ذكر نسبه هو، وأكّد أن البرامكة هم كورد من قبيلة زَرْزاري (ولد الذئب).
وذكرنا أبرز رجالات البرامكة، وهم خالد بن برمك (90 – 163 هـ)، ويحيى بن خالد (120 – 190 هـ)، والفضل بن يحيى (148 – 193 هـ) وجعفر بن يحيى (151 – 187 هـ)، وتناولنا النكبة التي حلّت بهم على يدي صديقهم الخليفة العباسي هارون الرشيد سنة (187 هـ)، وأمره بقتل جعفر، ووضع يحيى وأولاده (الفضل، محمد، موسى) في السجن بالرقّة، واستصفاء ممتلكات البرامكة المنقولة وغير المنقولة، واضطهادهم، وتشريدهم في البلاد، حتى إن كثيرين منهم اضطرّوا إلى التسوّل للحصول على ما يسدّ الرمق، وظلّت تلك حالهم إلى أن تولّى محمد الأمين الخلافة بعد والده الرشيد، فأمر بإخراج كل من محمد وموسى من السجن، وأعاد لهما أموالهما، أما يحيى وولده الفضل فكانا قد توفّيا في السجن.
وصحيح أن الرشيد قضى على مكانة البرامكة، لكن ذكرهم ظل خالداً في بطون الكتب، كما أن سلالتهم أنجبت بعض المشاهير، وأوردنا في حلقة سابقة سيرة حفيدهم القاضي المؤرخ ابن خَلِّكان، وها نحن نقف الآن عند سيرة حفيد آخر لهم، هو الأديب والشاعر والمغنّي المشهور بلقب (جَحْظة البرمكي). فمن الرجل؟

نشأته وشخصيته
هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، وقد افتخر بنسبته إلى أجداده البرامكة في شعره فقال:


أنا ابنُ أناسٍ موّلَ الناسَ جودُهمْ          فأضحَوا حديثًا للنَّوال المشهَّرِ
فلم يخلُ من إحسانهمْ لفظُ مُخبِرٍ          ولم يخلُ من تقريظهمْ بطنُ دفترِ

وأجمع معظم من ترجم لجحظة أنه ولد سنة ( 224 هـ ) في بغداد، ونعلم من شعره أن والده كان فقيراً ؛ وهذا أمر بديهي، فإن الخليفة هارون الرشيد لم يكتف بقتل جعفر، وزجّ والده وإخوته في السجن، وإنما جرّد البرامكة من كل ما يملكون، فأصبحوا في أسوأ حال، ويبدو أن موسى جدّ جحظة كان غير مهتمّ بجمع المال؛ إذ يذكر الجهشياري في كتابه (الوزراء والكتّاب) أن الرشيد لم يجد عند موسى بن يحيى بن خالد شيئًا عندما استصفى أموال البرامكة.
ولم أجد في المصادر شيئاً عن جعفر والد جحظة، لكن من دوّنوا أخباره يذكرون له أخاً يدعى سليمان، ويبدو أن سليمان هذا كان مغنياً، فقد أورد أبو الفرج الأصفهاني بيتين من غنائه في كتابه (الأغاني).
وأما لقب (جَحْظة) الذي عُرف به أحمد بن جعفر فقد لحقه بسبب جحوظ في عينيه، وقد لقّبه به عبد الله بن المعتزّ، وهو شاعر من بني العبّاس تولّى الخلافة ثلاثة أيام فقظ، وكان جحظة قبيح المنظر، حسن المخبر، طيّب القلب، يُضرب المثل برقّة عتابه، وكان لا يقابل الإساءة بمثلها، وإنما يقابلها بالصفح والغفران، على أنه سرعان ما كان يثور إذا شعر أن كرامته قد أهينت، وكان عندئذ يُرى من العجب، وقد لاحظنا توافر هذه الخصلة عند معظم مشاهير الكورد الأقحاح، وجحظة هو القائل في اعتزازه بنفسه:



ولي نفسٌ أبتْ إلا ارتفــاعًا              فأضحت كالسماء على السماءِ



وكان جحظة مرح النفس، محبّاً للفكاهة، حتى إنه ينشد كان أحياناً كثيرة هجاء ابن الرومي لهه، ويتعجّب من حسن إصابته، وقول ابن الرومي هو:

نُبّئتُ جحظةَ يستعير جحوظَه                        من فيل شِطْرَنْج ومن سَرَطانِ
يا رحـمةً لمنادمـيه! تجشّموا                              ألمَ العيـــون للـذّة الآذانِ

وكان جحظة أكولاً شرهاً، مولعاً بالشراب، كما كان جواداً متلافاً للمال، يسرف في الإنفاق، ويعدّ الاقتصاد ضرباً من البخل، وقد صرّح بذلك قائلاً:

أنفقْ ولا تخشَ إقلالاً، فقد قُسمت                  بين العباد مع الآجــال أرزاقُ
لا ينفع البخـلُ مـعْ دنيا مولّيةٍ                         ولا يضرّ مـع الإقبــال إنفاقُ

ومن الطبيعي، وهو الجواد المتلاف، أن يشنّ الحملات الشعواء على البخلاء، ويقرّعهم على شحّهم، وقد أورد له ابن كثير في كتابه (البداية والنهاية، ج11، ص 185 – 186) أبياتاً طريفة، يهجو فيها صديقاً له، دعاه إلى الغداء، ثم راح يريه البخل ألواناً، فقال:

لنا صاحبٌ من أبرع الناس في البخلِ             يسمّى بفضلٍ، وليس بذي فضـلِ
دعـاني كما يدعـو الصديق صديقَه                 فجئت كـما يأتي إلى مِثله مِثلي
فلمّـا جلسـنا للغَــــداء رأيتُـهُ                    يرى أنّما مِن بعض أعضائه أكلي
فيغتاظ أحيــاناً، ويَشتِم عبـــدَه                   وأعلمُ أن الغيظ والشَّتم من أجلي
أمـدُّ يدي سرّاً لآكلَ لقمـــــةً                        فيَلحَظُني شَزْراً، فأعبَثُ بالبقــلِ

وكان جحظة ينادم الخلفاء والوزراء والأمراء، ومعروف أن رتبة النديم كانت أعلى ما يرجوه صاحب العلم والأدب في ذلك الزمان، ومن المفترض – والحال هذه- أن يكون جحظة من الموسرين، ولا سيما أنه لم يكن متزوّجاً، ولم يكن ربّ عائلة ينفق عليها، غير أن ما وصلنا من أخباره وشعره يدل على أنه كان يعاني ضائقة مالية، حتى إنه كان يسكن بالأجرة، ويعتزم بيع كتاب من كتبه ليتمكّن من تقديم وجبة طعام لضيف يحل عليه، والأرجح أن حاله تلك نما كانت بعد أن كبر، وانقطع عن المنادمة، وها هو يصف فقره قائلاً:

الحمـــد لله ليس لي كاتبْ                             ولا على باب منزلي حـاجبْ
ولا حمــارَ إذا عزمتُ على                             ركوبه قيـل: جحظـةُ راكبْ
ولا قميصَ يكــون لي بدلاً                            مخافــةً من قميصيَ الذاهبْ
وأجــرةُ البيت فهي مقرِّحةٌ                         أجفـانَ عيني بالوابل الساكبْ
إن زارني صاحبٌ عزمتُ على                       بيع كتــابٍ لشُبعة الصاحبْ

وقد عاش جحظة في أواخر حياته بائساً معدماً، إذ كان قد أصبح عاجزاً عن منادمة الخلفاء والوزراء، فانقطعت عنه أعطياتهم وهباتهم، وها هو ذا يعاتب الوزير ابن مُقْلَة عتاباً رقيقاً، ويسأله أن يرحمه ويعطف عليه، قائلاً:

سلامٌ عليكم من شُيَيْخ مقوَّسٍ                       له جسدٌ بالٍ، وعَظـمٌ محطَّمُ
أيصبح مثلي في جِوارك ضائعاً               وحوضُك للطُّرّاق بالجُود مفعَمُ؟!

وإن سيرة جحظة مع المال والجود، والانتهاء في الشيخوخة إلى الفقر الشديد، تذكّرنا بسيرة شاعر كوردي آخر عاش معظم حياته في النصف الأول من القرن العشرين؛ ألا وهو الشاعر العراقي معروف الرُّصافي.
ويستفاد من شعر جحظة أن هواه كان مع أهل البيت؛ أي أنه كان شيعيّ الهوى، وقد علمنا من خلال سيرة أجداده البرامكة أنهم كانوا يميلون إلى أهل البيت، وأن تعاطف جعفر بن يحيى البرمكي مع الزعيم الشيعي يحيى بن عبد الله العلوي كان من أهم أسباب نقمة هارون الرشيد عليه، وفتكه من ثَمَّ بالبرامكة، ويقول جحظة في تشيّعه:

وقائلٍ قال لي: من أنت؟ قلت له               مقالةَ ذي حكمةٍ واتتْ له الحِكمُ:
أنا الذي حبُّ أهل البيت أفقـرهُ                 فالعـدلُ مستعبِرٌ، والجَوْرُ مبتسِمُ

تهمة باطلة
وقد أورد ياقوت في (معجم الأدباء، 2/242) أن شخصية جحظة لم تخل من صفات سيئة، قال: ” كان جحظة وَسِخاً قذراً، دَنيّ النفس، في دينه قِلّة “. وهذا من العجب، فقد أنهى ياقوت نفسه اسم جحظة ولقبه بلقب (النديم)، وكذلك فعل ابن كثير في (البداية والنهاية)، وهذا يعني أن الرجل- أقصد جحظة- كان كثير المنادمة لعلية القوم، حتى إنه عُرف بذلك عند أبناء عصره، ومرّ قبل قليل أن رتبة المنادمة- خاصة منادمة الخلفاء والوزراء- كانت مرتبة مرموقة، وكانت من موارد الرزق الهامة في ذلك العصر، ولم تكن مبذولة لكل من هبّ ودبّ، وما كان يظفر بها إلا من توافرت فيه شروط كثيرة، منها الكياسة في التصرف، والملاءمة في المظهر، والغزارة في المعلومات، والتبحّر في الأدب.
وما أخشاه هو أن تكون حليمة قد رجعت إلى عادتها القديمة كما يقول المثل العربي، وأن يكون ياقوت قد عاد إلى عادته التي ذكرتها ذات مرة، وهو أنه يكون أحياناً حاطب ليل، يجمع في كتبه الغَثّ والثمين، ويقول الشيء وعكسه؛ فهو الذي أنهى ذكر اسم جحظة ونسبه بكلمة (النديم)، فكيف يمكن لجحظة، وهو الوسخ القذر، أن يكون نديماً للخلفاء ومنهم الخليفة المعتمِد، وللوزراء ومنهم ابن مُقلة؟!
ولو وصف ياقوت – أو من نقل عنه ياقوت- جحظة بالرَّثاثة في اللباس والبَذاذة والرثاثة في الهيئة لكان الأمر مقبولاً، فالمرء يمكن أن يكون بسيط الملبس، غير متجمّل في المظهر، لكنه مع ذلك يصلح أن يكون جليساً ونديماً، وقد روى القدماء أن الأصمعي (عبد الملك بن قُرَيب) كان كذلك، رغم أنه كان ينادم الخليفة هارون الرشيد، وينادم وزراءه البرامكة.
وأما ما رواه ياقوت من أن جحظة كان ” دنيّ النفس، في دينه قلّة ” فالغرض منه واضح، ألا وهو الانتقاص منه، والطعن فيه، وتشويه سيرته في ذاكرة الأجيال، والعلة في ذلك أن جحظة كان شيعيّ الهوى كم صرّح هو نفسه؛ إذ جاء في سيرته أنه كان يميل إلى (آل البيت)؛ والمقصود بعبارة (آل البيت) على نحو أخصّ هم ذرّية علي بن أبي طالب وفاطمة بنت النبي محمد.
ولا عجب لا في تشيّع جحظة، ولا في إلصاق تهمة دناءة النفس وقلّة الدين به.
أما تشيّعه فأمر توارثه من أجداده الذين دخلوا الإسلام، فقد كان الجد الأكبر خالد البرمكي من كبار الدعاة الذين ساهموا في الثورة العباسية، وأسقطوا الدولة الأموية، ومعروف في كتب التاريخ أن الدعوة كانت تحت شعار (آل البيت)؛ أي سلالة علي وفاطمة، وأن القيادة آلت إلى سلالة العباس بن عبد المطلب في ظروف لا تخلو من الغموض.
وأما تهمة دناءة النفس وقلّة الدين فكانت جاهزة لكل من كانت له آراء يختلف بها عن الرأي السائد، سواء أكان ذلك على الصعيد الديني أم على الصعيد السياسي، ولم ينج من هذه التهمة كثير من كبار العلماء والأدباء، ونذكر منهم – على سبيل المثال- المفسّر والمؤرخ الشهير أبو جعفر الطَّبَري (ت 310 هـ)، فقد أثار عليه خصومه الغوغاء الذين يسمّون في أيامنا هذه باسم (الشارع)، فراحوا يرشقونه بالحجارة في بيته، ونذكر الإمام البخاري (ت 256 هـ)، فقد حورب الرجل واضطُهد، حتى إنه لما توفّي لم يشيّعه سوى ثلاثة من أفراد أسرته أحدهما أخوه والآخر خاله.

جحظة والغناء
أجمع الذين ترجموا لجحظة أنه كان من كبار المغنّين وحذّاقهم في عصره، بل يستفاد من مما أورده ابن النديم في كتابه (الفهرست)، والخطيب البغدادي في كتابه (تاريخ بغداد)، أنه كان من علماء المغنّين، وأنه لم يلحقه أحد في صنعته في الغناء، حتى إن شاعراً كبيراً هو ابن الرومي رجاه أن يلحّن شعره ليصبح رائجاً.
وقد أُولع جحظة بالعزف على الطنبور منذ شبابه المبكّر- وهذا الولع بالطنبور ظاهرة شائعة في المجتمع الكوردي منذ القديم وإلى عصرنا هذا- وهذا يعني أنه كان يلحّن ويغنّي معاً، كما أنه كان راوية للأغاني والألحان، وقد اعتمد عليه أبو الفرج الأصفهاني في هذا المجال، وأفاد منه في كتابه (الأغاني)، وكان جحظة يختلف مع الأصفهاني في اختيار بعض الأصوات على أنها أحسن الغناء كله.
وقد استطاع جحظة، مستعيناً بنثره وشعره وغنائه، أن يقدّم لوحات اجتماعية كثيرة وصادقة نابضة بالحياة، تصوّر جوانب اللهو في المجتمع البغدادي، أيام كانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية، ومركز السلطة والثقافة والجاه والمال.

مكانته العلمية
كان أبو الحسن جحظة، على الصعيد الأدبي، راوية كبيراً، حدّث وروى عن كثيرين من العلماء والرواة، وكان حلو النادرة كثير الحكاية، ويقول عنه ابن خلّكان في (وفيات الأعيان)، ” …كان فاضلاً صاحب فنون وأخبار ونجوم ونوادر ومنادمة، وكان من ظرفاء عصره، … وله الأشعار الرائقة،… وكان مشوَّه الخَلْق”.
وقال ياقوت الحموي في (معجم الأدباء، 2/242):
” كان حَسن الأدب، كثير الرواية للأخبار، متصرّفاً في فنون من العلم، كالنحو واللغة والنجوم، مَليح الشِّعر، مقبول الألفاظ، حاضر النادرة، وكان طُنبوريّاً حاذقاً فيه فائقاً “.
ووصفه ابن كثير في (البداية والنهاية، ج11، ص 185)، بأنه ” الشاعر الماهر الأديب الأخباري، ذو الفنون في العلوم والنوادر الحاضرة، وكا جيّد الغناء “. ومن أشهر من روى عنهم جحظة: الأديب الشاعر علي بن يحيى المنجِّم، واللغويان ثعلب (أحمد بن يحيى) والمبرِّد (محمد بن يزيد)، والشاعر أبو العَيْناء (محمد بن القاسم)، والمغني محمد بن أحمد بن يحيى المكّي.
أما الذين أخذوا عن أبي الحسن جحظة في الرواية فكثيرون، منهم: أبو الفرج الأصفهاني في كتابه (الأغاني)، وأبو علي القالي في كتابه (الأمالي)، والخالديان في (التحف والهدايا)، وهما (أبو عثمان سعيد، وأبو بكر) المنسوبان إلى الخالدية من أعمال الموصل، وكانا خازني كتب سيف الدولة الحمداني في حلب.
وكان جحظة يجمع بين الكتابة والشعر والغناء، وله من الكتب: (كتاب الطبيخ)، و(كتاب الطنبوريين)، و(كتاب الترنّم)، وكتاب فضائل السِّكْباج)؛ والسِّكْباج مرق يعمل من اللحم والخل، و(كتاب المشاهدات)، وكتاب(أمالي جحظة)، وله ديوان شعر، ومن أغراضه الشعرية: الغزل، والخمريات، والفخر، والمديح، والهجاء، والرثاء، والعتاب، والحكمة.
وقد توفّي أبو الحسن جحظة سنة ( 324 هـ ) ، أو سنة ( 326 هـ ) في (جِيل)، وهي قرية كانت من أعمال بغداد.

المراجع
1. ابن خلكان: ابن خلّكان: وفيات الأعيان، تحقيق الدكتور إبراهيم عباس، دار صادر، بيروت.
2. الجهشياري: كتاب الوزراء والكتّاب، تحقيق مصطفى السقّا وإبراهيم الإبياري وعد الحفيظ شلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط 2، 1980.
3. خير الدين الزركلي: الأعلام، دار صادر، بيروت، ط 4، 1977م.
4. الراغب الأصفهاني: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء، 1970م، ب. د.
5. القالي: كتاب الأمالي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1990م.
6. ابن كثير: البداية والنهاية، دار ابن كثير، بيروت، 1965م.
7. الدكتور مزهر السوداني : جحظة البرمكي الأديب الشاعر ، مطبعة النعمان ، النجف، ط 1، 1977م.
8. ياقوت الحموي: معجم الأدباء، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1936م.

وإلى اللقاء في الحلقة الثلاثين.

د. أحمد الخليل في 4 – 12- 2006