الرئيسية » بيستون » قضايا مصيرية في مواجهة الرئيس البارزاني -القضية الثالثة: الكورد الفيليون، هل أنصفناهم؟

قضايا مصيرية في مواجهة الرئيس البارزاني -القضية الثالثة: الكورد الفيليون، هل أنصفناهم؟

قضايا مصيرية في مواجهة الرئيس البارزاني
القضية الثالثة: الكورد الفيليون، هل أنصفناهم؟

الدكتور خالد يونس خالد- السويد

(1)
لستُ هنا بصدد كتابة تاريخ الكورد الفيليين، فقد كُتِبَ الكثير عن هذا الموضوع. ويفهم كل مُهتم بالشأن العراقي، ولا سيما الكوردستاني مأساة الوطن العزيز على قلوبنا جميعا، أن الكورد الفيلية يشكلون النبراس المنير لنضال الشعب الكوردي، بل الشعب العراقي كله. ومجرد تحليل بسيط للحالة الكوردستانية، وتفسير مسيرة الحركة التحررية الكوردية يعطيان لنا نوعا من القناعة من أن الكورد الفيليين يمثلون الكرامة الوطنية الكوردستانية بأجلى مظاهرها.
أكتب هذه السطور كعراقي مستقل، أؤمن بالوطنية، باعتبار أن القومية يجب ان تكون في خدمة الوطنية. فنحن نشعر بالكرامة الوطنية في الانتماء لوطن حر سعيد. نحاسب ضمائرنا فيما نقدم لهذا الوطن. من هذا المنطلق أقول بصراحة، وبلا خوف ولا تردد، أن القيادات العراقية على نحو عام، والقيادات الكوردستانية، وعلى رأسهم رئيس أقليم كوردستان مسعود البارزاني على نحو خاص لم ينصفوا الكورد الفيليين ما أصابهم من ظلم وقهر وتشرد وحرمان ومأساة. ونحن هنا نحاسب أنفسنا، ونحاسب القيادتين الكوردستانية والعراقية في تعاملهما مع الأحداث، وتجاهلهما للذين ناضلوا من أجل الكرامة الوطنية.

(2)
نسمع كثيرا أحاديث وأقاويل كوردية وعربية عن أسباب كتابة الكُتاب العراقيين وأصدقاء الكورد عن مأساة الكورد الفيليين مرة تلو مرة، ويوما بعد يوم في ظل ظروف كوردستانية وعراقية وأقليمية ودولية متغيرة ومتباينة؟ أليست هناك قضايا كوردية وعراقية أكثر الحاحا تحكم المنطقة؟

من حق الناس أن يتساءلوا ويطرحوا مثل تلك الأسئلة لأنهم يجهلوا أو يتجاهلوا مأساة الكورد الفيليين. وعليه لابد من تبيان حقيقة هذه المأساة ومدى عمقها، والأهم من كل ذلك تجاهل هذه المأساة من قبل القادة الكورد وقادة العراق على حد سواء. وهنا نود التأكيد على الدور الذي ينبغي أن يلعبه السيد البارزاني باعتباره رئيس أقليم كوردستان.

أعتقد أن مأساة الأخوة الكورد الفيليين لاتقل في عمقها وجرحها عن مأساة أهلنا وشعبنا في مدينة حلبجة الشهيدة، ومدينة كركوك، وبغداد ومدن الجنوب وكل العراق من عرب وكورد وأقليات قومية ودينية أخرى. ولكن ما أصاب الفيليون من ظلم وقهر وحرمان وتشرد وتهجير متواصل ومتكامل تجعل من مأساتهم شاملة وكبيرة. ولعل تجاهل هذه المأساة من قبل القيادات الكوردستانية والعراقية جعلت من قضية الكورد الفيليين أمانة في ضمير كل كوردي وعراقي، بل أصبحت واجبا على عاتق كل فرد عراقي في أن يُقسط فيهم، لأن هذا التجاهل واللامبالاة جعلهم يتامى الشعب. ومن هذا المنطلق ينبغي أن نشعر بواجبنا القومي والوطني في إيجاد حل لهذه المأساة. ويجب أن نشعر بمسؤوليتنا الأخلاقية في الأخذ بيدهم ومنحهم حقوقهم الإنسانية. إنني اشعر أننا نسيناهم، بل ظلمناهم فوق الظلم الذي ذاقوه من الأعداء، وقهرناهم ضعف ما تعرضوا للقهر والاضطهاد حين فقدوا كل شيء من أجلنا نحن العراقيون، ومن أجل قضيتنا العراق.

لقد تَحدَث الكورد كثيرا عن حلبجه واستشهاد آلاف الأبرياء في تلك المدينة الفاضلة، كما تحدثوا كثيرا عن استشهاد ثمانية آلاف بارزاني اختفوا ودُفنوا أحياء في صحاري جنوب العراق. لكنهم لم يكونوا منصفين دائما في بحثهم عن الأخوة الفيليين الذين كانوا رأس الرمح في نضال الشعب الكوردي. فقد كانوا يمثلون وقود الثورة حين كانوا يدفعون الملايين من جهدهم وأتعابهم لتمويل الحركة التحررية الكوردية ماليا ومعنويا، ويضحون بأرواح أعزائهم من أجل الحرية. وكانوا من التجار الكبار في أسواق بغداد، وكانت كوردستان تعيش في قلوبهم، كما كانوا هم يعيشون بين النيران التي تلتهب كوردستان. وكان الكورد الفيليون يمثلون البركان الثائر لحرق الأعداء، من أجل كرامتنا جميعا، حريتي وحريتك أيها الكوردي، كرامتي وكرامتك أيها العراقي فلا تنس هذه الشريحة الثائرة التي فقدت كل ما كانت تملك من أجل تلك الحرية وتلك الكرامة. هُجِروا من وطنهم، وأُجبِروا على النزوح، وجُرِدوا من أموالهم وممتلكاتهم، وأتُهموا زورا بأنهم ليسوا عراقيين، وهم العراقيون الأقحاح. وعُذِبوا وطُرِدوا، وقُتل الكثير منهم، وفُقِدَ الكثير منهم، واُعِدمَ الكثير منهم. فماذا فعلنا لهم؟ كيف جازيناهم وشكرناهم؟ ألم يستحقوا أن نمنحهم الحب ونجعلهم في مركز يليق بهم، ونحبهم لأنهم ضحوا من أجل الشعب كله؟

(3)
الكورد الفيليون لم يكونوا أنانيين ولا تجار دم ولا جُباة ضرائب كما يفعل بعض القادة اليوم، بل كانوا من أولئك الذين قال فيهم أو في أمثالهم الكاتب المصري الراحل عباس محمود العقاد في كتابه (الديمقراطية في الإسلام): “إن في الكون حُكما، وإن قضاء الحق فوق قضاء الأقوياء”.
لقد كانوا يتحَدَون الصعوبات، وعاشوا عيشة صعبة في المُلِمات، وصدق توينبي في قوله “حين يزول التحدي تتهاوى الحضارة”. نعم حين يزول التَحدي تتهاوى الحضارة. أما نخجل من موقفنا اللامبالي فيهم!!!!

الكورد الفيليون صنعوا الكثير من المجد بتحديهم للطغاة، وها نجد اليوم وزارات وبرلمانات كوردستانية وعراقية، فكم أعطينا لهؤلاء الذين أعطونا كثيرا من راحتهم ونعيمهم؟ إنها مسؤوليتنا؟
هنا أتساءل تساؤل الفيلسوف سارتر للقيادات الكوردستانية والعراقية على حد سواء: “هل يفرَغ العقل عندما يفرغ فنجان القهوة من القهوة”؟

إنه يستحيل على الإنسان أن يقوم بأي عمل من الأعمال دون الاعتراف بالمعنى. فنحن لا نعيش في عالم بلا معنى، ولا نعيش خرفانا للذين يفكرون أن يذبحوا الناس، ويأكلون لحومهم وهم في هرَج ومَرَج. لابد من شعور في أن ُنجزي هؤلاء الذين فسروا لنا معنى التاريخ الذي نعيشه اليوم، فلا ذات سامية إنما شعور بالذات لكي تصبح سامية.

(4)
قال الجنرال ديغول، وهو يقود حركة المقاومة ضد الأحتلال النازي لوطنه: “إذا أردتَ أن تعرف ما يحدث في بلدك فارحل بعيدا عنه”. إننا نراقب الأحداث من بعيد، في العراق بما فيه أقليم كوردستان، بلادنا الحبيبة تعيش في قلوبنا، ونحن ندافع عن حقوق شعبنا في مرارة الهجر والغربة منذ سنين. وكما قال همنغواي في رائعته الخالدة “الشيخ والبحر” ، “الإنسان لا ينهزم ولكن يمكن أن يُدَمر”. فماذا يمكن أن نقول في الأخوة الكورد الفيليين الذين عاشوا غرباء بين الغرباء في إيران والمهجر بعد أن فُقدوا كل ما كانوا يملكون؟ هل نحن منصفون حقا معهم لكي يدخلوا معركة البناء والسلام والحضارة في أقليم كوردستان اليوم وفي عراقنا اليوم كما دخلوا معركة المواجهة مع نظام صدام حسين الاستبدادي؟ بل هل نحن منصفون مع ضمائرنا في تعاملنا مع المظلومين منهم؟؟

الشجاعة تتحقق بانتشار الديمقراطية، والحرية في النهاية شجاعة عقلية، ولا يمكن لديمقراطيتنا في أقليم كوردستان أن تحقق هذه الشجاعة العقلية بدون أن نكون منصفين واوفياء لكل هؤلاء الذين قدموا لنا ارواحهم لتنير الدروب المظلمة التي نسير عليها اليوم لنصنع للأرض محبة وللشعب كرامة وللوطن عزا.

(5)
نرجو من السيد البارزاني رئيس أقليم كوردستان أن يأخذ مسؤوليته الوطنية، وأن يكون منصفا للذين أنصفوه. إنهم الكورد الفيليون الذين كانوا وقودا للثورة الكوردية، وهم اليوم أولى أن يكونوا في الساحة لبناء الوطن. لقد أنساهم رئيس الاقليم، ونسي قضيتهم التي هي أمانة في عنقه، فهلاّ ينصف السيد الرئيس نفسه، في أن ينصفهم؟؟؟

عندما يشعر قبطان السفينة بالخطر في غرق سفينته، يحاول التخلص من الحمولة الزائدة، ولكننا نجد اليوم أكثر من حمولة زائدة في الميدان بينما الحمولة الحقيقية التي تزن أغلى من الذهب قد أُهمِلَت. يجب مراجعة التاريخ، ومراجعة التاريخ هي السلاح الذري للفقراء كما قال (روبرت فوريسون)، وهذه المراجعة التاريخية ليست بمعنى التاريخ، إنما بمعنى منهج بحث علمي للهزائم والانتصارات ودراسة أسبابها وليست نتائجها.

السيد البارزاني يعلم أن الثقافة ليست ممارسة آيديولوجية حزبية، انما وعي بالتاريخ، ووعي بالتراث، ووعي بالاستراتيجية. فقد تعتقد القيادات الكوردستانية من منطلق الوعي أو اللاوعي من أن عددا من الوزارات والسفارات وبضعة ملايين دولار حصة الكورد من النفط هي الثمن الذي قبضه الكورد في تضحياتهم ونضالهم المديد. وكل ذلك عاجز أن يكتب حرفا واحدا في صنع تاريخ للكورد حين تهمل القيادة أولئك الذين ناضلوا من أجل الشعب، وهذا الاهمال يُشَوه تاريخ الكورد وتاريخ القيادة معا. أتأسف أن أقول أن القيادات الكوردستانية تتجاهل هذا العامل في صنع التاريخ. والشهداء الأبرار لم يناضلوا لمجرد لقب رئيس أو وزير أو سفير لهذا أو لذاك، إنما من أجل اثبات الذات الكوردية في خيارهم الحر . وقد اختاروا مؤخرا، ولا سيما قياداتهم بالإتحاد مع العراق العزيز الحبيب، لتعزيز الكرامة الوطنية، لكي يجعلوا من الوطن بيتا للجميع، آمنا مستقرا حرا أبيا. فخيار الإتحاد بصدق ووفاء يقوي ولايضعف العزة القومية ولا ينقص من الكرامة الوطنية.

نحن ننظر إلى القصور الفخمة المبنية مؤخرا للمسؤولين في أقليم كوردستان، وهي لاتعني معنويا في ميزان العدالة الاجتماعية شيئا، ونرى الرواتب العالية لبعض أصحاب السلطان، ، بينما الذين فقدوا قصورهم، وفقدوا أموالهم، وشُردوا عنوة وظلما، لم يُعوضوا، ولم يجدوا لهم ملجأ إلاّ في المهجر أو الغربة. ماذا نفعل بالألوان؟؟ هل أن الحرية إصدار صحف ومجلات، وموسيقى على أنغام دموع الثكالى والمهَجرين، وتمجيد هذا واهمال ذاك؟؟؟

(6)
كثير من الكتاب العراقيين، ولاسيما الكورد يطالبون بانصاف الأخوة الفيليين، كما أنصف السيد البارزاني الأخوة البارزانيين. وأتأسف أن أقول أن قلة جدا من الكتاب كانوا صريحين مع أنفسهم ومع القيادة الكوردستانية في الأشارة إلى أن الرئيس البارزاني يتحمل اليوم المسؤولية الكبرى في هذا الاهمال.

السيد رئيس أقليم كوردستان: هذه القضية مصيرية، وهي ليست مجرد مسؤولية قومية ووطنية فحسب، بل مسؤولية أخلاقية أيضا. إنها مسؤولية أخلاقية في أن ننصفهم كما أنصفوا لشعبنا ووطننا. وقد فعلوا الخير من منطلق ايمانهم بهذا الشعب، والشعب مفعم بالعزة الوطنية، فلماذا لا نلبس لباس الفخر لهذه العزة الوطنية في أن ننصف لمَن يستحق هذا الانصاف. أين أموالهم وقصورهم وممتلكاتهم ووظائفهم وأبناؤهم الذين فقدوا؟؟؟ أين نحن؟ وأين الشعب؟ وأين القيادة؟ وأين الرئيس في كل هذه المأساة؟

أما نخجل أن نسكن قصورا، والقصور الآخرين دُمِرت؟
عار علينا أن نقول أننا حققنا شيئا قبل أن ننصف لمَن ضحوا من أجلنا جميعا، ونحن ننساهم في أفراحنا، وننساهم في سمرنا وليلنا الطويل، ونهارنا الجميل؟ أين نحن من أنفسنا ووطننا؟
الرئيس البارزاني مطالب مطالبة شعبية ووطنية وأخلاقية أن ينصف الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل إعلاء شأن الشعب في أحلك الأوقات، مما أرهب العدو البعثي والنظام الدكتاتوري الصدامي، فجنَّ جنونه، وجرد الكورد الفيليين من جنسياتهم العراقية، وحاول قتل الكثير منهم، وتهجير الكثير منهم، وحرقِ الكثير منهم، وسجن الكثير منهم. هل نردد بعد كل هذا ما قاله الشاعر الملك امرؤ القيس، حين أخبروه بقتل أبيه: “اليوم خمر وغدا أمر”.

الكورد الفيليون يستحقون أن يستلموا مسؤوليات وطنية بالمساهمة المباشرة في القيادة، وإن مسؤولية الرئيس البارزاني ستتعمق، ومحبته ستزداد حين يأخذ بأيديهم، وينصفهم. إنهم يحبونه ويقدرونه، ولكن هذا الحب بحاجة إلى ماء ليسقى، وهذا التقدير بحاجة إلى عناية ليبقى.

(7)
اتذكر كلمات شاعر الشعراء زهير بن أبي سُلمى في معلقته الخالدة:
ومَن يكُ ذا فضل فَيبخل بفضلِهِ          على قومِه يُستَغنَ عنه ويُذمَمِ

لقد جنى الكثير من الكورد، ولاسيما القادة، وكثير من العشائر ثمارهم، حتى بعض العشائر التي حمل أغواتها السلاح ضد الحركة التحررية الكوردية أصبحوا مترفهين متنعمين مقربين صاحب سلطة وقوة، بينما الكورد الفيليون لازالوا يبحثون عن تلك الأشجار التي زرعوها، وقد أكل إخوانهم الكورد والعرب كثيرا من ثمارها، فهلاّ يدعو رئيس أقليم كوردستان والقادة الآخرون هؤلاء الفيليين ليجنوا ثمار أتعابهم من زراعة تلك الأشجار التي زرعوها، وسقوها بدمائهم الذكية؟؟

لا أعني هنا أن نعطيهم بضعة ملايين من الدولارات التي تكدست في الخزائن، فالمال لايمنح الإنسان عزة وشرفا. ما أعني هنا أن نعطيهم ما فقدوه من مركز اجتماعي وحضاري وقيادي في الصفوف الأمامية من الحركة التحررية الوطنية الديمقراطية الكوردستانية. ينبغي، بل يجب أن لا يشعر الإنسان بالغرور فيما وصل إليه بعض القادة، فلا يحسدهم أحد في ذلك كما يتصور هذا البعض، وعليهم أيضا أن لا يتصوروا أنهم قد حققوا كل شيء. والله أن ممارسات بعضنا في نسيان أصحاب الحق فيما فقدوه، يفقدنا الحق في أن نعتز بوطنيتنا وانتمائنا الحضاري إلى كوردستان والعراق.

السيد رئيس أقليم كوردستان أمام قضية حساسة وشريفة، وحل هذه القضية لن تكون بالكلمات العسلية النرجسية التي لا تغني ولا تفيد، إنما بالعمل والفعل والتحقيق. نتمنى، بل نرجو أن يبدأ بالتحقيق في أمر الكورد الفيلية، ليضعهم في مكانهم الصحيح.

(8)
تراودني الذكريات وأنا طالب في جامعة بغداد، وفي كليتي الجميلة، القانون والسياسة، عندما كنت أتجول في الأسواق التجارية الكبيرة والضيقة في العاصمة الجميلة الغناءة الرائعة في أوائل السبعينات، وأنا اشعر بالاعتزاز كيف ان أكابر تجار بغداد كانوا من الكورد الفيليين، كيف كانوا يدفعون الملايين من أموالهم لتمويل ماكنة الحركة التحررية الكوردستانية. واليوم أفكر كعراقي بسيط يعيش في الغربة، وقد هجر وطنه بعد أن صدر عليه حكم الإعدام من نظام الطاغية العراقي، ما أصاب إخوتي الكورد الفيلية من مأساة عميقة، بعد أن فقدوا كل ما كانوا يملكون. أدرس التاريخ، وأتألم لألمهم، وتغمرني الأشجان بلا رحمة فيما أصاب هؤلاء من حرمان وعذاب. وأتساءل، ومع هذا التساءل، أسأل السيد رئيس أقليم كوردستان مسعود البارزاني، أين كل هؤلاء؟؟؟ وأين السيد مسعود البارزاني نفسه؟؟ أين تلك المتاجر الكبيرة التي كانت تقدم أرباحها لتمويل الحركة التحررية الكوردستانية؟
هل عوضناهم؟
هل شكرناهم؟
هل أعطيناهم شيئا من ثمار أشجارهم التي زرعوها؟
هل دعوناهم في صلواتنا ودعائنا؟
هل أنصفناهم؟
هل نحن صادقون معهم ومع أنفسنا؟
هل نخجل يوما ما فعلنا بهم؟
هل نستحق كل ما حققناه وطردناهم من المزرعة التي بدأت تغني، ونحن ندعي أنها ملكنا، وكان الكورد الفيلية من أوائل الذين حرثوها وزرعوها وشجَروها؟
هل نفكر بهم اليوم لنمد أيدينا إليهم، ونقول لهم، تعالوا أيها الأحبة وخذوا من نصيبكم ما تستحقونه؟

لماذا لم يستطيعوا الرجوع إلى متاجرهم؟
لا لا يجوز في بغداد لأن مدينتنا الجميلة بغداد تحترق بنيران الإرهاب. ولكن لماذا قطعنا الطريق عليهم في أن يستعيدوا مقابل ذلك في أقليم كوردستان، وفي حكم أقليم كوردستان. لقد إحتل البعض أماكنهم، ويعيشون في قصورهم، وقد نسوا أنفسهم. فهل نردد قول المفكر الإيطالي، إيكولو ميكيافيللي؟ “لا صلات حقيقية بين بني البشر”.
لم نستطع أن نحميهم حين مارس النظام العراقي الدكتاتوري أبشع الممارسات اللاإنسانية بحقهم، بزجهم في زيلات عسكرية، حفاة عراة إلى خارج الحدود. واليوم تركناهم وكأننا نقول لهم، لا ترجعوا. أما نخجل أن نجدهم مشردين وكأنهم يتامى الكورد، لا في المال فهم قوم مبدعون لايموتون من الجوع، إنما في القيادة والمسؤولية والحكم.

كفى، كفى، كفى!!!
كفى أن يستغيث المنكوبين بالرئيس البارزاني والقادة الآخرين!!!
نتمنى أيها السيد الرئيس أن تتحرك، كفى من عمق هذه المأساة!!
والله إنك لم تنصف الكورد الفيليين في محنتهم بما فيه الكفاية
ولم تعوضهم في خسارتهم بما يستحقونه
ولم تهتم بهم في نكبتهم بما هم فيه
ولم تأخذ مسؤوليتك الوطنية والأخلاقية في فاجعتهم بما تألموا
لقد آن الأوان أن تأخذ قضيتهم بما يناسب حجم ما أصابهم من مأساة.

السيد الرئيس، أنت في دفة القيادة والرئاسة، وللشعب حق في أن يطلب منك ما يستحقه، وله حق عليك في كل قضية مصيرية، وقد استلمتَ الرئاسة بحكم الشعب واختياره لك في هذا المنصب، والحكم له ان يحاورك ويحاسبك. فلا قيمة في سلطة ليس للشعب سلطان عليها، ولا قيمة في رئاسة لا تعطي للشعب حقه.

لقد استلمت مكانك الصحيح، والناس يصفقون لك، كما يصفقون لكل رئيس، والشعب معك حين تكون مع الشعب، فالتصفيق ليس إلا ظاهرة تعود عليها العراقيون، حين يصفقون في الذهاب والإياب، والبداية والنهاية. لكن الشعب العراقي، كما تعلمنا من التاريخ، شعب أبي وعظيم ونبيل، شعب لنفسه ووطنه، وليس لغيره.
لقد جاء موعد اللقاء مع المتضررين، وكفى النجدة بلا جدوى.
كفى التصفيق، وكفى العويل.
أهلا بالمحبين والصدّيقين
مع التقدير
والسلام عليكم.
ضيَّعَ الدّهر مجدَ شعبي، ولكن         سـَتردُّ الحياةُ يوما وِشـاحهْ
إنّ ذا عصرُ ظلمةٍ ، غير أنّي         من وراء الظلام شئِمتُ صَباحهْ
أبو القاسم الشابي

السويد 3 كانون الاول (ديسمبر) 2006

*الكاتب مستقل/ مدير مركز الدراسات- دكتوراه فلسفة، تخصص الفكر والنقد الأدبي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *